الأبعاد الموازية .. والجهل البشري (2) ؟؟؟ …. بقلم : جمال عم

توقفنا من قبل عند بداية الحديث عن آيات خلق النفس في كتاب الله ، والتي تعدت الـ (400) آية بأكثر من ضعف آيات الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، وبالرجوع لأبسط آيات خلق الله للنفس ، سوف نكتشف فيها أن النفس البشرية هي أصل الإنسان ،  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. }النساء1 ، فالنفس هي الوحدة الأهم وصاحبة الإرادة والمسيطرة والمحركة والفاعلة ، ولذلك فهي أصل الإنسان الباقي قبل الولادة وبعدة الموت ، ومن دراسة آيات خلق النفس نكتشف أبسط معلومة عنها ، وهي قدرتها على الدخول والخروج من الجسد يوميا في عملية النوم ، وهو ما يحدده سبحانه وتعالى بقوله .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وليوضح لنا سبحانه أن النفس هي أصل الإنسان ولبه ، وأنه سبحانه يتوفانا كنفوس دون الأجساد ، يكرر سبحانه ذكر عملية التوفي في آية أخرى ولكن يحدد أنه سبحانه يتوفانا (نحن) بالليل فيقول سبحانه وتعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 .

 وباستكمال استعراض بعض أيات الله في حركات النفس ، نتوقف عند دخولها للمرة الأولى ، والتي يذكرها سبحانه في وصفه لمراحل خلق الإنسان في رحم أمه ، بداية من النطفة وتطور نموها حتى اكتمال الجسد ، فينتقل لمرحلة الإنشاء للنفس في الجسد للمرة الأولى ، { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } المؤمنون (12 – 14) ، وهنا يصف سبحانه مراحل تطور خلق الإنسان بداية من سلالة من طين (تطور راقي لمواد الأرض) إلى نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسوة العظام باللحم ، وهي آخر مراحل تكون الجنين باكتمال أجهزة جسده ، وهو ما يستغرق أربعة أشهر (120) يوما ، وعندما يكتمل الجسد يأذن الله بتحول المخلوق الجديد إلى خلق آخر مختلف عن مراحل النمو ، فيقول سبحانه (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الحالقين) ، فعملية دخول النفس للمرة الأولى للجسد بعد اكتماله يصفها سبحانه بعملية (الإنشاء) ، وهي لحظة فارقة في حياة الإنسان ، تقول عنها الأمهات أن الجنين قد تحرك ، فقبل هذه اللحظة لم يكن الجنين يتحرك حركات إرادية مطلقا ، ولكن دقات قلب ينبض فقط وعمليات استكمال بناء للجسد ، مشابها لحالة النوم التي نمارسها يوميا ، وبمتابعة سلوكيات الجنين في بطن أمه بعد دخول النفس للجسد ، نجد أن الجنين ينام مثلنا بالفعل ، بمعنى أن النفس لا تستقر في جسد الجنين مطلقا ولكن تغادره وتعود إليه ، بل وربما تغادره هربا لفترة لو تعرضت الأم لحادث ، فالنفس تنزعج وتهرب لو أحست بالخطر ، حتى ولو كان الإنسان ما زال في بطن أمه .

فالجسد هو مجرد وعاء مؤقت ، لا تستقر فيه النفس مطلقا ، ولكنها قد تحب التواجد فيه لو كان التواجد مشجعا ، ولذلك تهرب النفس من الجسد لو تعرضت للخطر ، مثلما نرى حالات الإغماء وكذلك الغيبوبة التي لها قيود وشروط ومواصفات أخرى ، وسوف نتعرض لها لاحقا ، ولكن هنا نتوقف عند قدرة النفس على مغادرة الجسد في أي وقت ، والعودة إليه مرات ومرات ، طالما الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، لأن النفس لا تدخل إلا جسد حي (فيه روح) ، ولذلك عند الموت ، يسترد الله الروح بأمره وحده ، ودون تدخل مخلوق ولا حتى ملك الموت الذي هو موكل بالنفوس فقط ، فيموت الجسد ، فلا تستطيع النفس الدخول للجسد الميت ، وبالتالي فالنفس قادرة على دخول أي جسد حي متوافق معها ، وهذا التوافق يكون ربانيا ، ويتم بعملية (الإنشاء) الأولية ، والتي يحدث فيها تعارف النفس على الجسد ، وتكويدهم معا لتبدأ عملية التدريب على سيطرة النفس على الجسد لخمسة شهور كاملة في رعاية تامة داخل رحم الأم ، ومنذ تلك اللحظة تستطيع النفس الدخول والخروج من هذا الجسد متى تشاء حتى ينتهي الأجل المحدد لها معه .

وهذا معناه أن الله قادر أن ينشيء أجسادا لا حصر لها متوافقة مع كل نفس ، وبالتالي فالنفس قادرة على أن تدخل عدد لا متناهي من الأجساد واستخدامها والعيش بها (طبقا لتقدير الله) ، وذلك في دومينات وأبعاد مختلفة ، ولكن ذلك يحدث بشروط وسماحيات ربانية لها هدفها وآجالها المحددة مسبقا ، خاصة لو عرفنا أن الزمن متغير يمكن تخطيه وتجاوز حدوده ، ولكن بقوانين مختلفة نحتاج لعلوم أكثر تطورا من تلك العلوم الحمقاء التي مارسها البعض بجهل ، وكانت النتيجة هي سحق أجسام بعض البشر ، ومؤخرا كارثة تسارع عجلة الزمن على الأرض ، والأخطر هو التأثير السلبي على مفاهيم البشر ، والتي فجرت مشاعر الكراهية والعداء بين بني الجنس الواحد ، فتحولت مهمتهم من التعاون لإعمار الأرض ، إلى التربص ومحاولات الإفناء لبعضهم البعض ، فهل هؤلاء يؤتمنون على علوم متقدمة كما يتمنون ، أم هم مثلما يقول المصريون (يلعبون في عدادات أعمارهم) ، ولا يستحقون سوى الفناء عقابا لهم ، على الأقل في البعد الحالي ، ولينتقل كل منا لبعد آخر تبعا لما هو مقدر له .

ولتيسير الفهم نضرب مثالا قريبا لعقولنا ، فأنت على الأرض وليس في بعد أو (دومين) آخر ، لو افترضنا أنك تركب سيارتك الحمراء ، ولكنك لن تستطيع استخدامها إلا لو كانت صالحة ، فتديرها وتنطلق بها ثم تعود فتغادرها وتتركها في الجراج (السرير) ، فالسيارة الصالحة هي جسدك (فيه روح) ، والذي تستخدمه لممارسة الحياة به ، وكذلك بدلة الغطس وسفينة الفضاء تستخدمهما للتعامل مع ظروف مختلفة ، ولكنك أنت لست السيارة الحمراء ، ولا أنت بدلة الفضاء ، وكذلك فأنت لست هذا الجسد الذي تمتطيه ، لتمارس به حركة الحياة ، ومثال آخر ربما يكون أكثر وضوحا ، فالحاسب الآلي أو حتى المحمول في أيدينا ، مكون من ثلاثة مكونات أساسية { جسد المحمول بمكوناته – بطارية لتشغيله (الروح) – برنامج لآداء الوظائف (النفس) } ، فأولا .. جسد المحمول (Hardware) وهو مكون عدة مواد مختلفة مصنعة بطرق معينة لآداء وظائف بعينها ، مشابها لجسد الإنسان ، ثم ثانيا .. بطارية تمنحه الكهرباء التي تحيي أجزائه وتجعلها قابلة للتفاعل وآداء المهام وتلك تمثل (الروح) ، وثالثا وأخيرا .. برنامج تشغيل (software) وهذا البرنامج يمكن أن إدخاله ليشغل مختلف الأجهزة وهو ما تمثله النفس ، فكثير منا يستخدم نظام الويندو للتشغيل ، وآخرين يستخدمون الـ (ماك) ، ولذلك نجد أن مواصفات الأجهزة التي تستخدم الويندو مختلفة عن التي تستخدم الـ (ماك) ، رغم أم جسم ومكونات الحاسب واحدة ، والاختلاف فقط في برنامج التشغيل { ويندو – ماك } .

فالبرنامج هو النفس والتي  يمكن أن تركيبه (إنشاؤه) لتشغيل عديد من الأجهزة ، وبدون البرنامج فلا قيمة للموبايل أو الحاسب ، وبدون البطارية (الروح) يموت الجسد فلا تستطيع (النفس) أن تعمل مع الجسد ، وأي تلف في جزء من جسد المحمول ، يعني تلف وظيفة للمحمول ، كذلك الإنسان ، ولله المثل الأعلى في خلقه المعجز للبشر ، فجعل جسده من مواد الأرض الأولية ، ولكن بتفاعلات راقية لتعطي مختلف الأجزاء المتوافقة والمتناغمة بإعجاز ، لتنمو وتؤدي وظائف عديدة حركية وعقلية ، والتي ما زالت لغزا أمام البشر جميعا ، ثم منح الله هذا الجسد روحا هي (الكهرباء) التي تحيي هذه الأجزاء ، وهذه الروح جعلها سرا لا يعرفه مخلوق ، ولا يمسها مخلوق مطلقا ، ولا حتى ملك الموت (كما ندعي) ، فملك الموت موكل بالنفوس فقط ، وعند اكتمال بنيان الجسد الحي بوجود الروح منذ أن كان حيوانا منويا وبويضة ، تحدث عملية إنشاء النفس داخل الجسد ، وهي عملية دقيقة ومعجزة ، يكون من أبرز نتائجها أن النفس يتم تكويدها مع الجسد حتى تستطيع دخوله مرة أخرى عندما تعود بعد مغادرته ، فلا تدخل جسدا مخالفا لجسدها في أي بعد زمكاني ، بل ويظل بين النفس جسدها المخصص اتصالا فوتونيا دقيقا ، ما دام الجسد حيا ، وهذا الاتصال هو ما يكون سببا في تسجيل بعض ملابسات رحلات النفس أثناء النوم على شاشات مخ الجسد ، فيتذكرها الإنسان أو بعضها .

أخيرا .. وقبل أن نخوض في مسائل الأبعاد والأكوان المتوازية ، لابد منطقيا أن ندرس ونعرف طبيعة كنه النفس وقدراتها ومقدراتها ومواصفاتها وحقيقة حركتها في مختلف أحوالها سواءا في التواجد داخل الجسد (مستيقظة) في الحياة التي نعرفها جيدا ، أو أثناء تواجدها في أجساد أخرى في أبعاد أخرى زمنية أو مكانية ، لأننا بفهم ذلك ستصبح عمليات فهم وتفسير المجهول أكثر يسرا ، فلا نسقط في حوادث تدمير جسد بعينه في بعد بعينه أو بين الأبعاد ، بجهل طبيعة (فيزياء) الأبعاد وطبيعة ما تحويه من أجساد ونفوس ، وإمكانيات الانتقال وحدود المسموح به والممكن طبقا للعلوم البحتة الحقيقية كما خلق ناموسها الخلاق العظيم ، والتي ما زلنا لم ندرك منها سوى أقل القليل ، مدركين أن ما يسمح الله به من علوم هو فقط ما سوف نتوصل لفهمه ، فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *