قد لا تحتاج للتدبر أو التركيز لتكتشف أن حجم الضلالات والأكاذيب في العالم الذي نعيشه كبير ، بل ومهول ومرعب لدرجة أنك قد تتساءل دوما أين الحقيقة في كل ما نراه حولنا ، فبداية من الأخبار عن العالم والحروب والاقتصاد والسياسة والاقتصاد ، ومرورا بما تعرضه نوافذ الانترنت وشبكاتها من معلومات ، وبداية لن تجد اجماع من الناس على شيء ، حتى لو كانت الأحوال غير قابلة للنقاش أو الجدال ، فمثلا نكتشف أن صناعة الدواء في العالم لا تهدف لشفاء المرضى ، بل على العكس ، أصبح الهدف الأسمى وهو الحفاظ على زيادة المرضى للحفاظ على المكاسب من تجارة الدواء ، ولو انتقلت لصناعة الغذاء فسوف يفجعك أن الدول وعلى رأسها أمريكا تعرف أن الخبز بالدقيق الأبيض مدمر لصحة البشر ، وأن الدجاج والبيض من أخطر المأكولات على صحة الإنسان السليم ، ولكن لن يقولوا هذا ولن يعلنوه ، فتجارة البيض والدجاج والخبز بالدقيق الأبيض تدر التريليونات سنويا ، أما لو توقفت عند العدالة فسوف تجدها مذبوحة في الدنيا كاملة ، فالمرأة في الغرب سلعة للتجارة المحرمة ، ولكنهم يدعون أن المرأة لدينا مظلومة وهدرة الحقوق ، وسوف تجد نفسك كإنسان من العالم الثالث لا قيمة لك في الغرب ، وهم هناك يستكثرون عليك ثرواتك ، ويرونك لا تستحقها ، ولو مات من بلادك ملايين الأطفال فهذا بالنسبة لهم شيئا محزنا ، ولكن لو توفى مواطن واحد لديهم فتلك كارثة ولابد أن لا تتكرر مرة أخرى .

ولعلنا نتذكر أننا ظللنا أكثر من خمسين عاما نحرم الدهون الطبيعية ، لأنهم قالوا لنا أنها خطيرة على القلب والكبد وصحة الإنسان ، ثم عادوا بنفس البساطة ليقولوا لنا ، لقد أخطأنا وكنا ضحايا الإعلام اليهودي المستفيد من تجارة الدهون المهدرجة ، وأقنعونا أن القرآن العظيم هو كتاب تبريكات ولا يمكن فهمه أو تفسيره ، ولكنهم أنشأوا في الغرب معاهد لدراسة علوم القرآن ، وأقنعونا أن علماء المسلمين الأوائل كانوا مخرفين ولا فضل لهم ، ولكنهم ما زالوا يدرسون مقدمة ابن خلدون ، ومصفوفات الخوارزمي ، ونماذج الفارابي وكثير من كتب علماء المسلمين كأسس لا غنى عنها في مختلف العلوم ، بل وطمسوا تدريس اللغة والدين والتاريخ في مدارسنا بداية من المدارس الدولية ونزولا للمدراس التجريبية وغيرها ، وعندما نتذكر مفاهيم الدين (علوم الفقه) فحدث ولا حرج ، فقد تم تزوير جميع مفاهيم دين الله الأساسية بداية من معنى الدين ، الذي حصروه في مناسك وفروض وشعائر ولحية وملابس ، وطمسوا معنى الدين الحقيقي ، والذي أوضحه سبحانه لنا ، بأنه كل شئون الحياة ، فالدين عند الخالق العظيم ، هو مجمل قناعاتك الشخصية التي تتصرف تبعا لها تلقائيا في حركة حياتك ، في مختلف مجالاتها العلمية والعملية والحياتية .
فناموس الدين الحقيقي يأمرك بالعلم والبحث والدراسة والتدبر ، ولا تتوقف عن التعلم حتى نهاية عمرك ، ويأمرك أن تعمل بما تعلمته وتعلمه لغيرك ، وإن لم تفعل فقد خنت أمانتك مع الله ، ولو فتح الله لك بابا في العلم فأهملته ، فقد كفرت بنعمة الله وقيوميته عليك ، والله محاسبك عليه حسابا عسيرا ، وناموس الدين الحقيقي يأمرك بحسن التعامل مع كل البشر ، سواسية ، لأن كل خلقه هم عياله (يعولهم) ويحبهم مثلما يحبك ، ولذلك يعاملك كما تعامل خلقه ، فمن أكرم خلق الله أكرمه الله ، ومن مكر بهم مكر به الله وأخزاه وأذله ، وأمرك ناموس الله أن تعلن خضوعك لله بمناسك تؤكد بها نواياك لطاعة ربك ، وذلك حتى تستقيم في ممارسة حركة حياتك ، ولا تقل ولا تفعل إلا ما يرضي ربك من خير وعمل صالح ، هكذا هو الدين كما فرضه الله منذ آدم ، بغض النظر عن تفاصيل المناسك والشعائر ، والتي أنزل الله خواتيمها وصورها النهائية على يد خاتم رسله ، ولكن البشر عاشقي الضلال ، كذبوا و زوروا الرسالات السابقة ، ثم أنكروا الرسالة الخاتمة ، رغم أنهم يدرسونها ولديهم معاهد لدراستها ، فالبشر بطبيعتهم عاشقين للضلالات وتفضيل الأهواء والشهوات ، ويتناسون لماذا خلقهم الله ، ولماذا استخلفهم على الأرض .

لا شك أن الخالق العظيم قد شاء أن يكون بني آدم هم آخر سلالات الإنس المستخلفة على الأرض ليعمروها بالعلم والعمل والكد والكدح ، ولا جدال أن الله خلق الجن والإنس من أجل عبادته سبحانه ، وأثبتنا سابقا أن العبودية لله ممثلة في ركنين أساسيين هما مراسم (مناسك) العبودية إضافة إلى مهمة العبودية ، وأما المراسم (المناسك) فهي مناسك خضوع لله تعالى وإقامتها يسميها سبحانه بالشعائر ، والغرض المناسك هو ضمان استقامة الإنسان في تنفيذ الركن الثاني والأهم ،والذي هوالسبب الأساسي لخلق الإنسان وهو مهمة العبودية (العبادة الحقيقية) ، وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، وقلنا أن إعمار الأرض جعله الله فطرة في نفوس بني آدم ، ولذلك شدد الله عقوبة الإفساد في الأرض ، وجعلها خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة ، ورأينا أن الله شاء أن يكون المتقن لاعمار الأرض سيدا عليها ، حتى ولو كان كافرا أو ملحدا ، وبالتالي فإن إهمال إعمار الأرض عمدا يعد كفرا بقيومية الله ، وعاصرنا ما سقط فيه المسلمون من ضلالات ، بادعائهم أن العبادات هي الالتزام فقط بمناسك الخضوع والاستقامة (الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج – ذكر الله) ، فأهملوا العبادة الحقيقية (إعمار الأرض) ، فهانوا على الله وأهانهم في الدنيا ، فأصبحوا مليارات ولكنهم كغثاء السيل لا قيمة لهم .

وعجبا .. ورغم اكتشاف المسلمين مؤخرا حجم الضلالات التي أودت بهم لما هم فيه ، إلا أنهم ما زالوا فاشلين من الاستيقاظ من غفوتهم ، تطبيقا لمبدأ (هذا ما وجدنا عليه أباءنا من قبل) ، ربما استسلاما لحالة الكسل والخمول والبحث عن المتع في الدنيا ، باستخدام تكنولوجيات اخترعها غيرهم ، في ظل ضلالات علماءهم التي يدعون أن الكفرة والمشركين لهم الدنيا وهم المسلمون لهم الآخرة ، وهم يتجاهلون أنهم مضلون ومضللون وقد خسروا الدنيا والآخرة ، لأنهم هجروا القرآن العظيم ، فلم يتدبروه ولم يبحثوا في علومه كما أمرهم سبحانه ، وأغلقوا عقولهم رغم ملامة الله لهم أكثر من أربعين مرة في كتابه العزيز ، بقوله تعالى .. (أفلا يعقلون) ، (أفلا تعقلون) ، (أو لم يتفكروا) ، (أفلا يتدبرون) ، ولكنهم اتخذوا القرآن مهجورا ، واكتفوا بجعله أحجبة ، واستخدموا آياته للحماية والتبرك بها في المناسبات ، وذلك رغم أن الملحدين والمشركين قد أنشأوا معاهد لدراسة علوم القرآن في بلادهم ، لقناعاتهم بأن القرآن صادق ودقيق في آياته خاصة الآيات العلمية البحتة ، ولكنك لن تجد معهدا واحدا لدراسة علوم القرآن في بلاد المسلمين ، خوفا من مافيا رجال الدين ، والذين استفردوا واستأثروا بالدين وبكتاب الله ، ويتربصون بكل من يقترب من كتاب الله ، بدعوى حماية الدين ، والحقيقة حماية عروشهم وامبراطورياتهم المقدسة كوكلاء لله على الأرض .

والأعجب .. أن رجال الدين في بلاد المسلمين ليس بينهم عالم واحد طبقا للتعريفات العلمية البحتة للعلماء ، فلا يوجد بينهم باحث واحد يضيف جديدا لمفاهيم الدين ، لأنهم أغلقوا هذا الباب ، واعتبروا أن مفاهيم الدين قد اكتملت وأغلقت على مفاهيم علماء قد رحلوا منذ أكثر من ألف سنة ، ولا يستحون أن يعلنوا أنهم مجرد نقلة علم ، بل ويدعون أنه لا حق لمسلم أن يضيف أية مفاهيم جديدة ، وإلا سوف يكون ممن يحاربون دين الله ، وما أشبه اليوم بالبارحة ، فقد فعل ذلك رجال الكنيسة عبر القرون الماضية ، حتى سقطت الكنيسة وفقدت هيبتها وقدسيتها وسيطرتها ، وأصبح الدين المسيحي مجرد شعائر للمناسبات فقط ، بل وطغى الكفر والشرك ووصل للكنيسة ، فأصبحت الكنيسة تروج للشذوذ ، وتزوج المثليين وتدعمهم ، وللأسف يعيد التاريخ نفسه ، واليوم يفقد اليوم رجال الدين المسلمين مكانتهم تدريجيا ، ليعيد التاريخ نفسه ، فلا يمكن أن تفعل أمرا بنفس الطريقة وتفشل مرات ومرات ثم تتوقع أن تحصل على نتيجة مختلفة ، خاصة وأن رجال الدين أنفسهم سقطوا في الشرك ، ومنهم من يتباهى بانتمائه لجماعات وفرق ، رغم علمهم أن الانتماء للفرق والجماعات هو شرك صريح بالله ، ونهى الله عنه نهيا قاطعا لا لبس فيه في سورة الروم بقوله تعالى .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } .
+%D9%85%D9%90%D9%86%D9%8E+%D8%A7%D9%84%D9%91%D9%8E%D8%B0%D9%90%D9%8A%D9%86%D9%8E+%D9%81%D9%8E%D8%B1%D9%91%D9%8E%D9%82%D9%8F%D9%88%D8%A7+%D8%AF%D9%90%D9%8A%D9%86%D9%8E%D9%87%D9%8F%D9%85%D9%92+%D9%88%D9%8E%D9%83%D9%8E%D8%A7%D9%86%D9%8F%D9%88%D8%A7+%D8%B4%D9%90%D9%8A%D9%8E%D8%B9%D9%8B%D8%A7+%D9%83%D9%8F%D9%84%D9%91%D9%8F+%D8%AD%D9%90%D8%B2%D9%92%D8%A8%D9%8D+%D8%A8%D9%90%D9%85%D9%8E%D8%A7.jpg)
وحتى لا نفقد بوصلة الفهم ، فكتاب الله يحمل داخله آيات علوم بحتة تزيد عن 50% من آياته ، تقدر بحوالي ثلاثة آلاف ومئتي آية (3200 آية) ، شرح الله فيها حدود كل العلوم البحتة ، طبقا لما خلقها سبحانه وقدرها في الدنيا لتكون ناموسا مؤلف من قوانين تحكم حركة الحياة في الكون وعلى الأرض ، ومنها اكتشف الخوارزمي (الصفر) ، وبنى عليها المصفوفات الخوارزمية ، والتي ما زالت أساسا لكل الحواسب والمعدات الرقمية حتى يومنا هذا ، ومنها اكتشف الفارابي الدورة الدموية التي ما زالت تدرس باسمه حتى اليوم في جاماعات أوروبا ، ومنها وضع ابن خلدون مقدمته في علوم الاجتماع وإدارة الدول ، والتي ما زالت تدرس في جميع جامعات الغرب باسمه ، ولكنها محظور تدريسها في مدارس وجامعات المسلمين ، ويستعاض عنها بذكر علماء الغرب ، حرصا على استمرار غفوة المسلمين في ثبات الجهل والتخلف ، وللأسف يعلم ذلك كل علماء وحكام وقادة الدول المسلمة ، ولكنهم لا يجرؤون على مخالفة أوامر أسيادهم ومن صنعوهم وملكوهم عروش بلادهم ، وذلك في معظم الدول المسلمة ، خاصة وأن قادة الماسونية قد استطاعوا إفساد أخلاق وقيم كثيرا من مترفي وأغنياء وحكام شعوب المسلمين ، وأصبحت الرشوة والواسطة واختلاس المرتب والبلطجة عادات اجتماعية متفشية بين شعوب المسلمين .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
