تناسخ الأرواح … بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
أسبوعين مضت
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
112 زيارة

استعرضنا سابقا حقيقة تكرار حيوات النفس من خلال أجساد ومعطيات مختلفة تبعا لنوعية الاختبارات المتجددة ، وهو ما أكدته آيات كتاب الله العزيز ، ولكن المسلمين أصروا على تصديق خرافات البشر وخيالاتهم وتجاهلوا ما أبلغنا به الخالق العظيم ، وعرفنا أن الأحياء من البشر على الأرض حاليا هم جميعا قد عاشوا حيوات سابقة باختبارات عديدة مختلفة ، ومعنى وجودهم اليوم أحياء أن لديهم فرصة لينالوا مرتبة (السابقون) ، وهم (المقربون) ، وهم أصحاب الــ (روح وريحان وجنة نعيم) ، وعلمنا أن النفس تضطر للخروج من الجسد للوفاة ، بوفاة الجسد وذلك عندما تغادر الروح الجسد بإذن الله ، وعلمنا سبحانه وتعالى أن الروح لا يمسها مخلوق ولا حتى ملك الموت ، لأنها سر إحياء أي جسد وهي فقط من (أمر الله) ، ولكن ملك الموت يحضر الوفاة ومعه رسل الله لاستقبال النفس التي انقضى أجلها ، لتبدأ النفس رحلة مؤقتة قد تطول أو تقصر تبعا لمستوى إيمان النفس وعملها في الحياة التي غادرتها ، وعرفنا أن نفوس الكفار الفجرة الذين تحدوا الخالق العظيم في خلقه ودنياه ، لا يعودون للدنيا مطلقا ، لأنهم بكفرهم وفجرهم قد خسروا فرصة الاختبارات في الدنيا ، ويظلوا (نياما) بدون جسد أو حياة في الدنيا حتى يوم القيامة ولا عذاب ولا حساب ، حتى يفاجئهم البعث ليوم القيامة فيقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 .

أما باقي البشر في موتهم .. فينقسمون لفريقين ، الفريق الأول هم (السابقون) ، وهؤلاء الذين سبقوا عامة البشر بإنهاء اختباراتهم في الدنيا بتحقيق علامة الامتياز ، وذلك أنهم ضحوا بحياتهم في سبيل الله ، فقبلهم الله ضمن فريق (المقربين) ، وهم الصديقين والشهداء ، وهؤلاء يعودون للدنيا من أجل التمتع بنعيمها حتى يوم القيامة ، ويمنحهم الله ثلاث مكافآت ، الأولى هي (روح) يضعونها في أي جسد يريدونه ليحيوا به في الدنيا ، ولكن شريطة ألا يكون جسدا خرجوا منه من قبل ، ولذلم يقول عنهم سبحانه وتعالى (أحياء عند ربهم يرزقون) ، لأنهم لم يعودوا عند أحد يعرفهم من البشر ، والمكافآة الثانية هي الــ (ريحان) ، وهي الراحة التامة في الدنيا دون كبد أو معاناة أو مشقة حتى يوم القيامة ، والمكافأة الثالثة فهي (جنة نعيم) يتمتعون فيها في الدنيا حتى النفخ في الصور ليوم القيامة ، وهذا الفريق (السابقون) ينال شرفه الصابرون لوجه الله بكل أنواعهم كالصابرين على ابتلاءات الله بكل أنواعها ابتغاء مرضات الله ، ومن يخلصون دينهم لله رغم فتن الدنيا ، وقيل أنهم أولياء الله الصالحين ، وهؤلاء ليسوا هم من نعرفهم بالشيخ فلان أو علان ، فأولياء الله لا يعلمهم أحد فهم كما يقول عنهم صلوات ربي وسلامه عليه .. { كالنجوم يخفيهم الله بين عباده فلا يعرفعهم سوى خالقهم } .

أما الفريق الثاني فهم عامة البشر ، وهؤلاء يملكون الفرصة للاختبارات المتبقية لهم حتى يوم القيامة ، وهؤلاء يعودون للدنيا ، ويولدوا من جديد في أجساد جديدة بمعطيات مختلفة تبعا للاختبارات المتبقية لهم ، ولكن قبل أن يعودوا لابد لهم أن يتعرضوا للإجابة على بعض الأسئلة الهامة ، عن ربهم ودينهم ورسولهم ثم أخيرا عن ديونهم المستحقة الرد ، فإذا كان صادقا في رده على سؤاله عن ديونه المستحقة السداد ، فإنه يعود للدنيا فيولد بجسد جديد في رحلة سريعة لتسديد ما عليه من دين من حياة سابقة ، مثلما من قتل طفلا ولم يعاقب عليه في الدنيا ، وكان صادقا عندما سئل عن قتله للطفل ، فإنه يعود ليموت بنفس الطريقة والسن والإحساس للمقتول ، ولو كانت الديون طويلة الأجل مثل رجل عذب زوجته لعقود طويلة ، فإنه يعود للدنيا بجسد امرأة ليتعرض لعذاب مماثل خلال حياته ، ولا مانع أن يضاف له بعض الاختبارات الجديدة المتبقية عليه ، وطالما النفس لم تتعدى خطوط الكفر والفجور الحمراء في حياتها ، فإنها تظل تعود لتكرار الحياة والاختبارات بأجساد ومعطيات مختلفة حتى يوم القيامة ، وبالتالي فجميعنا على الأرض اليوم ما زلنا في رحلة اختبار تكررت مثيلاتها من قبل مرات ومرات ، وسوف تتوقف اختبارات الرحلة القادمة على نتائج اختبارات الرحلة الحالية ، تماما كما كانت معطيات حياتنا اليوم مبنية على نتائج رحلة الاختبار السابقة .

وبالتالي .. فلا تناسخ للأرواح ، لأننا لسنا أرواح ، ولا علاقة لنا بالروح سوى أن الروح تحيي لنا أجسادا لنركبها (ندخلها بعملية إنشاء بأمر الله) ، لنستخدم الجسد الجديد خلال رحلة الاختبار وذلك لأجل محدد من قبل ، فلا تناسخ ولكن تكرار لرحلة الحياة بواسطة أجساد مختلفة بمعطيات مختلفة ، ولا مانع أن يتم إنشاء النفس في جسد (ذكر) أو جسد (أنثى) ، فالنفس قادرة على التأقلم وممارسة الحياة بواسطة الجسد التي يتم إنشاءها فيه ، فلسنا مخيرين فيما ينشئنا الله فيه لرحلة الاختبار في الدنيا ، ولا تخصيص بأن النفس تظل تأتي في جسد أنثى دوما أو جسد ذكر باستمرار ، ولذلك سوف تجد كثيرا من النساء لديهن إحساس بالرجولة ، تولد عداءا نفسيا تجاه الرجل خاصة لو كان زوجها ، فتخسر دنياها لأنها لم تسلم نفسها لله وترضى بما قسمه الله لها كحياة في جسد أنثى ، وكذلك كثير من الرجال تجد لديهم ميول أنثوية أحيانا ما لم يتم تربيته كرجل ، وتلك أخطاء شائعة لكثير من الأمهات في تربيتهن للأبناء ، حيث لا تستطيع التفرقة بين تربية الولد والبنت ، فتنتج رجلا يحمل كل سلوكيات الأنثى ، والتي أبرزها كثرة الجدال والمكر بالآخرين والشعور بالضعف والتخاذل النفسي ، والعكس صحيح عندما تربي أنثى بسلوكيات الرجال ، ولذلك لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال .

وهنا يجب أن نتوقف وننتبه أن الله عندما خلقك رجلا أو أنثى ، فأنت مطالب بأن تخضع لله وتسلم نفسك له فتتصرف طبقا لقدر الله في معطيات خلقك ، ولا تحاول فعل العكس أو رفض قدور الله في خلقك ، لأن ناموس الله في خلقه لا يستقيم إلا باستقامة كل طرف (ذكر أو أنثى) طبقا لمعطيات الله له في طبيعة خلقه ، ولو كنت اليوم سعيدا بأنك رجلا فاعلم أنك قد تأتي في جسد أنثى في المرة القادمة ، والعكس صحيح ، فنوعية الجسد ليس إلا أحد المعطيات المتغيرة للنفوس خلال تكرار الحيوات في الدنيا ، وقد شاء الله أن ينبه ابن آدم لذلك من خلال كثير من حوادث تذكر بعض الناس لأجزاء ومشاهد من حيواتهم السابقة ، وهو ما تذخر به سجلات جلسات العلاج النفسي ، مثل أحد النساء التي تروي أنها تتذكر مشاهد لحياتها كرجل متزوج ولديها أبناء ولكن في مكان مختلف ومعطيات مختلفة . وتهاجمها هذه المشاهد منذ أن كانت طفلة صغيرة ، وكذلك رجلا يتذكر أحداثا ومشاهدا لنفسه كأنثى منذ أن كان طفلا ولا عرف لها مصدرا ، وبعضهم يتذكر تفاصيل دقيقة ، لا تدع مجالا للشك بأن صاحبها قد عاش حياة سابقة ، ويعتبرونها من الغرائب والعجائب ، والبعض يعتقد أنها من أفعال الشياطين أو من فعل القرين ، والحقيقة ليست سوى تذكر بعض الناس لمشاهد وأحداث من حيوات سابقة ، ليضرب الله الأمثال للناس ، حتى لا تشطح عقولهم ويتخيلون ويدعون على الله في خلقه ويفترون عليه الكذب في خلقه وهم لا يعلمون .

أخيرا … لا تناسخ في الأرواح مطلقا .. لأننا لسنا أرواحا ولا علاقة لنا بالروح ، فالروح سر إحياء الجسد ، ليكون مستعدا لاستخدام النفس له ، والنفس هي فقط من يحدث لها استبدال الأجساد كلما جاءت للدنيا في رحلة اختبار جديدة ، فيمنحها الله جسدا جديدا بمعطيات جديدة ، وشاء الله بعدله ورحمته أن لا تتذكر النفس شيئا من حيواتها السابقة خلال أي رحلة اختبار ، حتى يكون للنفس مطلق الحرية والإرادة في اختياراتها في الدنيا ، ولا تكون محكومة بتجارب سابقة وحيوات سابقة ، وبالتالي فكل حياة لها ميزان اختبار ، وتتجمع موازين حيوات النفس في كتابها ، { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }المؤمنون102 ، 103 ، فيقول له سبحانه وتعالى يوم القيامة … {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، ويظل حماقة ابن آدم هي العقبة الكبرى أمام فهمه لحقيقة خلقه ومساره إلى يوم القيامة ، لأنه يحكم علمه المحدود وخياله الفقير وأهواء الشياطين عندما يتفكر في مطلق قدرات خلق الله ، ويتجاهل آيات بينات في كتابه العزيز ، وقرآنه العظيم ، وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …
جمال عمر