تناسخ الأرواح … بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا حقيقة تكرار حيوات النفس من خلال أجساد ومعطيات مختلفة تبعا لنوعية الاختبارات المتجددة ، وهو ما أكدته آيات كتاب الله العزيز ، ولكن المسلمين أصروا على تصديق خرافات البشر وخيالاتهم وتجاهلوا ما أبلغنا به الخالق العظيم ، وعرفنا أن الأحياء من البشر على الأرض حاليا هم جميعا قد عاشوا حيوات سابقة باختبارات عديدة مختلفة ، ومعنى وجودهم اليوم أحياء أن لديهم فرصة لينالوا مرتبة (السابقون) ، وهم (المقربون) ، وهم أصحاب الــ (روح وريحان وجنة نعيم) ، وعلمنا أن النفس تضطر للخروج من الجسد للوفاة ، بوفاة الجسد وذلك عندما تغادر الروح الجسد بإذن الله ، وعلمنا سبحانه وتعالى أن الروح لا يمسها مخلوق ولا حتى ملك الموت ، لأنها سر إحياء أي جسد وهي فقط من (أمر الله) ، ولكن ملك الموت يحضر الوفاة ومعه رسل الله لاستقبال النفس التي انقضى أجلها ، لتبدأ النفس رحلة مؤقتة قد تطول أو تقصر تبعا لمستوى إيمان النفس وعملها في الحياة التي غادرتها ، وعرفنا أن نفوس الكفار الفجرة الذين تحدوا الخالق العظيم في خلقه ودنياه ، لا يعودون للدنيا مطلقا ، لأنهم بكفرهم وفجرهم قد خسروا فرصة الاختبارات في الدنيا ، ويظلوا (نياما)  بدون جسد أو حياة في الدنيا حتى يوم القيامة ولا عذاب ولا حساب ، حتى يفاجئهم البعث ليوم القيامة فيقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 .

أما باقي البشر في موتهم .. فينقسمون لفريقين ، الفريق الأول هم (السابقون) ، وهؤلاء الذين سبقوا عامة البشر بإنهاء اختباراتهم في الدنيا بتحقيق علامة الامتياز ، وذلك أنهم ضحوا بحياتهم في سبيل الله ، فقبلهم الله ضمن فريق (المقربين) ، وهم الصديقين والشهداء ، وهؤلاء يعودون للدنيا من أجل التمتع بنعيمها حتى يوم القيامة ، ويمنحهم الله ثلاث مكافآت ، الأولى هي (روح) يضعونها في أي جسد يريدونه ليحيوا به في الدنيا ، ولكن شريطة ألا يكون جسدا خرجوا منه من قبل ، ولذلم يقول عنهم سبحانه وتعالى (أحياء عند ربهم يرزقون) ، لأنهم لم يعودوا عند أحد يعرفهم من البشر ، والمكافآة الثانية هي الــ (ريحان) ، وهي الراحة التامة في الدنيا دون كبد أو معاناة أو مشقة حتى يوم القيامة ، والمكافأة الثالثة فهي (جنة نعيم) يتمتعون فيها في الدنيا حتى النفخ في الصور ليوم القيامة ، وهذا الفريق (السابقون) ينال شرفه الصابرون لوجه الله بكل أنواعهم كالصابرين على ابتلاءات الله بكل أنواعها ابتغاء مرضات الله ، ومن يخلصون دينهم لله رغم فتن الدنيا ، وقيل أنهم أولياء الله الصالحين ، وهؤلاء ليسوا هم من نعرفهم بالشيخ فلان أو علان ، فأولياء الله لا يعلمهم أحد فهم كما يقول عنهم صلوات ربي وسلامه عليه .. { كالنجوم يخفيهم الله بين عباده فلا يعرفعهم سوى خالقهم } .

أما الفريق الثاني فهم عامة البشر ، وهؤلاء يملكون الفرصة للاختبارات المتبقية لهم حتى يوم القيامة ، وهؤلاء يعودون للدنيا ، ويولدوا من جديد في أجساد جديدة بمعطيات مختلفة تبعا للاختبارات المتبقية لهم ، ولكن قبل أن يعودوا لابد لهم أن يتعرضوا للإجابة على بعض الأسئلة الهامة ، عن ربهم ودينهم ورسولهم ثم أخيرا عن ديونهم المستحقة الرد ، فإذا كان صادقا في رده على سؤاله عن ديونه المستحقة السداد ، فإنه يعود للدنيا فيولد بجسد جديد في رحلة سريعة لتسديد ما عليه من دين من حياة سابقة ، مثلما من قتل طفلا ولم يعاقب عليه في الدنيا ، وكان صادقا عندما سئل عن قتله للطفل ، فإنه يعود ليموت بنفس الطريقة والسن والإحساس للمقتول ، ولو كانت الديون طويلة الأجل مثل رجل عذب زوجته لعقود طويلة ، فإنه يعود للدنيا بجسد امرأة ليتعرض لعذاب مماثل خلال حياته ، ولا مانع أن يضاف له بعض الاختبارات الجديدة المتبقية عليه ، وطالما النفس لم تتعدى خطوط الكفر والفجور الحمراء في حياتها ، فإنها تظل تعود لتكرار الحياة والاختبارات بأجساد ومعطيات مختلفة حتى يوم القيامة ، وبالتالي فجميعنا على الأرض اليوم ما زلنا في رحلة اختبار تكررت مثيلاتها من قبل مرات ومرات ، وسوف تتوقف اختبارات الرحلة القادمة على نتائج اختبارات الرحلة الحالية ، تماما كما كانت معطيات حياتنا اليوم مبنية على نتائج رحلة الاختبار السابقة .

وبالتالي .. فلا تناسخ للأرواح ، لأننا لسنا أرواح ، ولا علاقة لنا بالروح سوى أن الروح تحيي لنا أجسادا لنركبها (ندخلها بعملية إنشاء بأمر الله) ، لنستخدم الجسد الجديد خلال رحلة الاختبار وذلك لأجل محدد من قبل ، فلا تناسخ ولكن تكرار لرحلة الحياة بواسطة أجساد مختلفة بمعطيات مختلفة ، ولا مانع أن يتم إنشاء النفس في جسد (ذكر) أو جسد (أنثى) ، فالنفس قادرة على التأقلم وممارسة الحياة بواسطة الجسد التي يتم إنشاءها فيه ، فلسنا مخيرين فيما ينشئنا الله فيه لرحلة الاختبار في الدنيا ، ولا تخصيص بأن النفس تظل تأتي في جسد أنثى دوما أو جسد ذكر باستمرار ، ولذلك سوف تجد كثيرا من النساء لديهن إحساس بالرجولة ، تولد عداءا نفسيا تجاه الرجل خاصة لو كان زوجها ، فتخسر دنياها لأنها لم تسلم نفسها لله وترضى بما قسمه الله لها كحياة في جسد أنثى ، وكذلك كثير من الرجال تجد لديهم ميول أنثوية أحيانا ما لم يتم تربيته كرجل ، وتلك أخطاء شائعة لكثير من الأمهات في تربيتهن للأبناء ، حيث لا تستطيع التفرقة بين تربية الولد والبنت ، فتنتج رجلا يحمل كل سلوكيات الأنثى ، والتي أبرزها كثرة الجدال والمكر بالآخرين والشعور بالضعف والتخاذل النفسي ، والعكس صحيح عندما تربي أنثى بسلوكيات الرجال ، ولذلك لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال .

وهنا يجب أن نتوقف وننتبه أن الله عندما خلقك رجلا أو أنثى ، فأنت مطالب بأن تخضع لله وتسلم نفسك له فتتصرف طبقا لقدر الله في معطيات خلقك ، ولا تحاول فعل العكس أو رفض قدور الله في خلقك ، لأن ناموس الله في خلقه لا يستقيم إلا باستقامة كل طرف (ذكر أو أنثى) طبقا لمعطيات الله له في طبيعة خلقه ، ولو كنت اليوم سعيدا بأنك رجلا فاعلم أنك قد تأتي في جسد أنثى في المرة القادمة ، والعكس صحيح ، فنوعية الجسد ليس إلا أحد المعطيات المتغيرة للنفوس خلال تكرار الحيوات في الدنيا ، وقد شاء الله أن ينبه ابن آدم لذلك من خلال كثير من حوادث تذكر بعض الناس لأجزاء ومشاهد من حيواتهم السابقة ، وهو ما تذخر به سجلات جلسات العلاج النفسي ، مثل أحد النساء التي تروي أنها تتذكر مشاهد لحياتها كرجل متزوج ولديها أبناء ولكن في مكان مختلف ومعطيات مختلفة . وتهاجمها هذه المشاهد منذ أن كانت طفلة صغيرة ، وكذلك رجلا يتذكر أحداثا ومشاهدا لنفسه كأنثى منذ أن كان طفلا ولا عرف لها مصدرا ، وبعضهم يتذكر تفاصيل دقيقة ، لا تدع مجالا للشك بأن صاحبها قد عاش حياة سابقة ، ويعتبرونها من الغرائب والعجائب ، والبعض يعتقد أنها من أفعال الشياطين أو من فعل القرين ، والحقيقة ليست سوى تذكر بعض الناس لمشاهد وأحداث من حيوات سابقة ، ليضرب الله الأمثال للناس ، حتى لا تشطح عقولهم ويتخيلون ويدعون على الله في خلقه ويفترون عليه الكذب في خلقه وهم لا يعلمون .

أخيرا … لا تناسخ في الأرواح مطلقا .. لأننا لسنا أرواحا ولا علاقة لنا بالروح ، فالروح سر إحياء الجسد ، ليكون مستعدا لاستخدام النفس له ، والنفس هي فقط من يحدث لها استبدال الأجساد كلما جاءت للدنيا في رحلة اختبار جديدة ، فيمنحها الله جسدا جديدا بمعطيات جديدة ، وشاء الله بعدله ورحمته أن لا تتذكر النفس شيئا من حيواتها السابقة خلال أي رحلة اختبار ، حتى يكون للنفس مطلق الحرية والإرادة في اختياراتها في الدنيا ، ولا تكون محكومة بتجارب سابقة وحيوات سابقة ، وبالتالي فكل حياة لها ميزان اختبار ، وتتجمع موازين حيوات النفس في كتابها ،  { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }المؤمنون102 ،  103 ، فيقول له سبحانه وتعالى يوم القيامة …  {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، ويظل حماقة ابن آدم هي العقبة الكبرى أمام فهمه لحقيقة خلقه ومساره إلى يوم القيامة ، لأنه يحكم علمه المحدود وخياله الفقير وأهواء الشياطين عندما يتفكر في مطلق قدرات خلق الله ، ويتجاهل آيات بينات في كتابه العزيز ، وقرآنه العظيم ، وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

مين اللي .. قال ؟؟ (2) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا من قبل بعض عجائب الحياة على الأرض ، وانتهينا بقولنا .. أننا نعرف (مين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *