مين اللي .. قال ؟ (1) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
6 أيام مضت
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
219 زيارة

كلما سمعت هذه الجملة ، يهاجم ذهني أغنية سمير الاسكندراني ، (مين اللي قال إن الزمان ملوهش أمان .. يا عيني) ، والحقيقة أن كثيرا ممن يغنونها قد يقصدون العكس تحديدا ، تعبيرا عن سوء تجاربهم وخيبات أملهم عبر حياتهم ، ولكن من يصدق هذه المقولة ، بأن الزمان له أمان ، فهو من المؤكد صاحب إيمان قوي ويقين لا يهتز بالله ، فخالق الزمان والمكان هو خالق الكون وبيده كل شيء ، وسبحانه لا يأتي إلا بالخير ، مهما كان الحدث في ظاهره يبدو شرا ، ولكنه في النهاية هو قمة الخير من الله لعباده وخلقه ، ويقيني هذا ليس بعضا من الدروشة ولا ادعاء تقرب لله تعالى ، ولكنه الحقيقة المجردة لمن يعرف حقيقة ناموس الله في خلقه ، ومن يدرك حكمة الخالق في حركة الحياة ، وما تحمله من عجائب قدرة الله في خلقه ، وتراتيب حياتهم عبر الأكوان والأبعاد الموازية ، وهنا نتوقف ونكرر السؤال ؟ في موضوع آخر ، مين اللي قال إن فيه أكوان موازية أو (متوازية) ؟ ، ويرد عليك آية في كتاب الله تقول .. {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً }الطلاق12 ، فالسماوات سبعة ، والأرضين أيضا سبعة ، وأمر الله بتدبير حركة الحياة يتنزل (بينهن) ، ما بين السماوات السبعة والأرضين السبعة ، وتلك الآية بلاغ قاطع من الله لبني آدم ، أفيقوا فلستم وحدكم في كون الله .
![🌿{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} 🌿 صدق الله العظيم [الطلاق:12] هل كوكب](https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQCdG4prYiU8Z-CuabOD8kXcC7x_UpRY3-zi3Pi-seJIXn082VHO_nkW5M&s=10)
وفي نفس السياق يعاجلنا حديث لعبد الله بن عباس (ترجمان القرآ،) نقلا عن رسول الله يروي فيه ، أن هناك ستة أراضي أخرى مثل الأرض التي نحيا عليها ، وفي كل أرض نوح كنوحكم وابراهيم كإبراهيم ، ونبي كنبيكم ، ويعقب عبد الله بن عباس لأصحابه على التفسير بقوله ، (ولو علمتم حقيقة تفسير تلك الآيات لكفرتم) ، وتلك حقيقة لأن اتساع العقل البشري في زمانه (وربما في زماننا هذا أيضا) لم يكن ليستطيع تقبل الحقيقة ، ولا أن يفهم أو يتخيل حقيقة خلق الله وتدابيره لحركة الحياة في كونه ، تماما مثلما تفسر لولدك كثير من الأشياء على قدر استيعاب عقله ، والحقيقة أن الفارق ما بين اتساع عقل ولدك واتساع عقلك ليس كبيرا ، بل على العكس أحيانا ، فعقل ولدك ربما يكون أكثر مرونة وقبولا لحقائق لا يستوعبها عقلك المتجمد نتيجة سحقه بدوامات حركة حياتك ، وبدليل أن ولدك صاحب السنوات القليلة ستجده أكثر قدرة منك على التعامل مع الموبايل وبعض التكنولوجيات الحديثة ، والتي تقف أنت أمامها فاغرا فاهك (فاتح بوقك) ، متمنيا لو تبتلعك الأرض خجلا وعجزا ، والسبب بسيط هو تحجر قدرتك على الاستيعاب ، ثم بعد ذلك نجدك تنتفض لترفض فكرة وجود أكوان موازية وحيوات موازية ، رغم أنك في كل مرة تغادر جسدك المنهك للنوم ، لتزور أكوانا موازية وتعايش أحداثا وحيوات مختلفة ، ولكنك لا تذكر منها سوى القليل ، لأن ذاكرتك البيولوجية (الهارد ديسك) وهو مخزن المعلومات داخل جمجمتك لا يستوعب أو غير قادر على الاحتفاظ بالمعلومة التي تحصل عليها وأنت خارج جسدك .

ونتوقف قليلا عند كلمتين ربما نفهم منهما شيئا مهما ، هما الجهاز الصلب (الهارد ويير) ، والبرنامج (السوفت ويير) ، وهما مسميان لأشياء اخترعها الإنسان مؤخرا ، وتعد أروع انجازاته المماثلة لخلق الله ، فجسدك الحي كاملا هو (الهارد ويير) ، ونفسك هي (السوفت ويير) ، وبدون نفسك سواءا (نائما أو ميتا) فلا قيمة لجسدك ولا استخدام له ، حتى وإن كان حيا (فيه الروح) ملقى على سرير ، والروح هنا مسمى لسر الله في إحياء كل جماد ، فجسدك الملقى على السرير خلال فترات نومك ، هو (هارد ويير) داخله كهرباء (روح) ، ولذلك ينمو ويعالج نفسه ويصون ما أتلفته النفس أثناء وجودها ، وبمجرد عودة النفس (السوفت ويير) ودخولها للجسد ، توقظ الجسد وتبدأ استخدامه فيتحرك وتتفعل كل مهامه في الحياة ، فالـ (سوفت ويير) وهي النفس .. هي كائن أثيري يمتلك قدرات تشغيل أي جسد مادي (هارد ويير) ، ولذلك لا عجب أن يعاقب الله بعضا من بني إسرائيل بمسخهم قرودا وخنازير ، وذلك بإدخال نفوسهم في أجساد تلك الحيوانات الأقل درجة من الإنسان ، بل ويتحدانا سبحانه بقدرته على إدخال نفوسنا في أجساد من حجارة أو حديدا أو مخلوقات تعافها نفوسنا .. {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً }الإسراء51 ، وتلك أيضا حقيقة لم تستطع عقول الغالبية من البشر إدراكها أو فهمها فهما صحيحا .

ولا شك أن قدرات العقل الفطرية الذي نعقل بها الأمور ، هي أكبر بكثير من حجم قدرات الجمجمة وما بداخلها ، وذلك لأن العقل محله الرئيسي ليس في المخ داخل الرأس كما ظللنا نعتقد قرونا طويلة ، بل هو داخل القلب صاحب السيطرة المطلقة على عمليات الفهم والإدراك ، وصاحب القرار الأوحد في الإنسان ، والتي يذكرنا بها الخالق العظيم بقوله .. {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ … } الحج46 ، فعملية الفهم والإدراك هي عملية نفسية في المقام الأول ، تترجمها النفس عبر كثير من التفاعلات الجسدية والتي نعرف تفاصيلها كعمليات كيميائية وفسيولوجية وكهربية ، وبالتالي فاعتياد نفسك على الركود المفاهيمي في الحياة سوف يوقف أي تقبل للفهم لأشياء كثيرة خارجة عن المألوف ، وكذلك تدني مستوى العمليات الجسدية بأنواعها ، نتيجة لسوء التغذية الناتج عن تحول الغذاء لديك من ضرورة حياة إلى وسيلة للمتعة ، وهي حالة أصبحت عامة ومتفشية ونتيجتها الطبيعية هو الطمس الكامل على قدرتك النفسية والجسدية على الفهم والاستيعاب ، وناهيك عن وسواس خناس يرتع في صدرك وأنت بجهلك تظن أن كل ما يلقيه لك من وسوسة ، هو من نتاج فهمك وذكائك وتحليلاتك ، وكل ذلك متزامنا مع طوفان الفتن المنتشرة حولك في كل مكان ، وهو ما يجعلك كإنسان مثل قشة في مهب أعاصير عاتية تفقده قدرته حتى على إدراك الزمان والمكان من حوله ، وأقرب لفكرة التبعية للقطيع .

ونظرة متعمقة في حياة البشر اليوم سوف تكون كافية لإدراك حجم العشوائية والضبابية التي يعيشها الإنسان ، وهو الذي رغم علمه أن الحياة تحتاج للتعاون والتواصل والتفاهم والتراحم ، إلا أنه يتفشى بين البشر الاختلاف والعناد والعداء والكراهية والجرائم والحروب ، والتي تبدأ كلها ببذرة غباء يرويها إبليس بمؤامراته وسيطرته على نفوس بعض البشر ، فتحولت الأرض لساحات حروب ومؤامرات على الشعوب والمجتمعات ، وتطورت حتى أصبحت بين أفراد المجتمع الواحد والأسرة الواحدة ، كنتيجة مباشرة للجهل بطبيعة خلق الإنسان وحدوده الفطرية التي فرضها الله عليه وعلى قدراته التي منحها الله له ليعمر بها الأرض ، وأولها قدرة الإنسان على الابتكار والابداع ، وهي القدرة التي منحها الله لخلقه من فئة العمار ، لتعينهم على الإعمار في كونه ، ولكن ابن آدم أساء استخدام هبة الإبداع ، وأول وأخطر سوء استخدام لهبة الإبداع ، كان في حقائق حدود الله في خلقه والتي أنزلها إلينا لتكون دستور الحياة ، وهو ما نعرفه باسم (الدين) ، وأول ما زور ابن آدم كان مفهوم الدين نفسه ، ليطلق لنفسه العنان ليزور باقي المفاهيم ويرتع في حياته وهو متخيل أنه لا رقيب ولا حسيب عليه ، رغم أن الله حذره وقال له .. {.. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفال30 ، ونبهنا وقال لنا .. { .. قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ }يونس21 .

ونعود لنقول .. (مين اللي قال إن الحياة ملهاش علاقة بالدين ؟؟) ، بينما مفهوم الدين الذي أنزله الله لنا يقول .. أن دينك .. هو جميع معتقداتك وقيمك النفسية التي تتعامل تبعا لها تلقائيا مع حركة الحياة ، فطريقة تعاملك مع الناس هو دينك ، وطريقة تناول طعامك هو دينك ، وطريقة تعاملك مع زوجتك وأولادك وجيرانك هو دينك ، وأسلوب ومستوى تعليمك وعملك هو دينك ، فكل تفاعلاتك مع حركة حياتك هي دينك ، وبالتالي فإهمالك للعلم خطيئة كبرى ، وسوء تعاملك وكراهيتك لإنسان هو خطيئة كبرى ، وكسرك لقواعد المرور خطيئة كبرى قد تصل للقتل لو تسببت في وفاة أحد ولو بتقليدك ، وإضرارك بنفسك هو فساد في الدين ، وأهمالك في المرافق العامة هو فساد في الدين وأنت محاسب عليه ، ولا شك أن سوء استخدامنا لهبة الإبداع قد سول لنا أن نحصر مفهوم الدين في فرائض ومناسك الخضوع والاستقامة وبعض كلمات نرددها ، وأقنعنا أنفسنا أنه لا علاقة للدين بتصرفاتنا ، فتفشت الرشوة والواسطة وخطف الفرض والجشع وسرقة المرتبات ، والجميع يدعي الدين ومعرفة الحلال من الحرام ، وتركنا بناتنا ونساءنا يخرجن شبه عاريات ، يغطين شعورهن ويلبسن ما يفصل مفاتن أجسادهن المخفية في عهر غير مسبوق ، ثم نتعجب لماذا يتفشى بيننا الجرائم الاجتماعية والخيانات والانحراف ، وولدك الصغير تتغافل وربما تتباهي بأنه يقص شعره مثل شواذ أوروبا ، ثم تتعجب لو انحرف وأصبح عالة عليك وعلى المجتمع .

ونرجع ونسأل .. مين اللي قال ؟؟ ، من الذي قال أي شيء يفسد حياتك وأنت تعتبره دينا وقيما لك في حياتك ، مثل بعض الأمثلة الشهيرة ، فــ (مين اللي قال انك لابد تترك أولادك يسهرون ويعبثون طوال الأجاز الصيفية) ، ألم تتعلم أن الأجازة الصيفية هي فرصة الأبناء للعودة للتعامل مع الدنيا الحقيقية وواجباتها بعد أن عزلتهم ثمانية أشهر للمذاكرة والتعليم زورا وبهتانا، ثم تصدق أنهم لابد أن يكملوا عزلتهم عن الحياة بالاستمتاع بالسهر والعبث لأربعة شهور كاملة قبل أن يعودوا لعزلة التعليم ، هل تعلم أنك هكذا لا تربي ولكنك (تعلف خروفا) جاهلا وتقنعه أن وظيفته في الدنيا هي أن يستمتع على حساب أي إنسان بداية منك شخصيا ، فأنت تهدي للمجتمع شخصا فاشلا جديدا ، وربما مجرما لو صادفته ظروف سيئة ، وعلى أقل تقدير أنت تقدم للدنيا رجلا فاشلا وزوجا فاشلا وأبا فاشلا ، تعود أن يأخذ فقط ويستمتع على جثة أي أحد وأولهم أهله ، وهل تعلم أن الأبناء في كل دول العالم يعملون ويجتهدون خلال الأجازة الصيفية ، ولهم برامج متكاملة للعمل بالشركات والمصانع وخدمة المجتمع بالأجر ، ليعرفوا قيمة العمل والأجور ومتاعب الحياة ، ولكنك ترى أنك أنجبت (بولدوج أو خروف) أو قطة سيامي باحثة عن المتعة على جثتك أولا ثم على جثة مجتمع من بعدك .

آسف جدا .. لقسوة الحروف .. ولكنها الحقيقة ، فالأب الذي يهرب ويترك أولاده للمجهول ، والأم التي تستخدم أولادها لتنتقم من أبوهم ، هم كانوا يوما أبناء أسرة غبية حمقاء ربتهم على قنص الفرص وعدم تحمل المسئولية ، ثم اليوم نشكو ونبكي ونحاول إصلاح الخطأ بأخطاء أكثر شناعة وحماقة ، مثل قانون الأحوال الشخصية الجديد ، والذي قالت عنه دراسة بحثية يابانية أنه أفضل وسيلة لتنفير الشباب من الزواج وأسرع طريقة لتقليل عدد السكان ، وهو وسيلة سريعة لنشر فكر التحرر من القيم والانحراف والمساكنة في المجتمع ، لأننا نعرف أن الشاب والفتاة لديهم متطلبات نفسية وجسدية ، واحتراما للقيم والدين يبحثون عن وسيلة مقننة ومحللة لتفريغ طاقاتهم ، فإن لم يكن الزواج ميسرا ، فالحلول المتاحة كثيرة ومتعددة وكلها في الحرام والمحظور ، ووسائل علاج تبعاتها أكثر تكلفة وأكثر خطرا على المجتمع من زيادة السكان التي يتحجج بها أصحاب المؤامرة على هذا الشعب ، لأن التبعات المعروفة رأيناها في الملاجيء التي تربي 95% من الأبناء في أوروبا وأمريكا ، فهل ننتظر أن نصل لهذه المعدلات خلال سنوات ، لأننا فشلنا في تربية ابناءنا ودللناهم فأفسدنا قدراتهم الفطرية على الحياة وتحمل مسئولياتها .

وأخيرا .. نحن نعرف من اللي قال إن الإنسان لا يصلح لإعمار الأرض ؟ ، لأنه سيفسد فيها ويسفك الدماء ، إنهم الملائكة الذين رأوا عمارا للأرض قبلنا فسدوا فيها وسفكوا الدماء ، ولكنه سبحانه ردا عليهم بقوله تعالى .. (إني أعلم ما لا تعلمون) ، فسبحانه يعلم أن بني آدم هم أفضل من العمار الين سبقوهم ، ويعلم أنهم فيهم خيرا إلى يوم القيامة ، لأنهم دوما يسألون .. (مين اللي قال .. ؟؟) ، وقد جعل الله لبني آدم قلوبا يعقلون بها ، ومهما انحرفوا عن طريق الله ، فمنظومة الكون التي يعمرها ابن آدم فيما تراه عيناه أو خلف الحجب في أكوان متوازية ، أكبر بكثير من خيالات أي مخلوق ، وهي تهدي النفوس في النهاية لما يحبه الخالق العظيم ويرضاه ، وهو ما سوف نستعرض بعضا منه لاحقا …
جمال عمر