لم يقف ظلم ابن آدم لنفسه بإصراره على الجهل بحقيقة نفسه .. عند حدود تزوير المفاهيم الرئيسية لدين الله ، بل تجاوزه بالفساد والإفساد في الأرض بحجة مزيد من متع الدنيا وبعضهم بحجة إقامة دين الله ، وقلة بحجة السيطرة على مقدرات البشرية ، وهؤلاء للأسف قد حقروا من نفوسهم وامتهنوها فعبدوا إبليس وأكثرهم كانوا من اليهود والمسيحيين الكاثوليك في الغرب ، لأنهم لم يعرفوا قيمة نفوسهم فأهانوها وامتهنوها ، فسخرهم إبليس لإفساد العالم ، والتآمر على كل البشر ، وإعلان التحدي لله في خلقه ، وبذلك هم يعبثون في موجبات هلاكهم ، الذي اقترب لا محالة ، والمحزن أن كثير ممن ورثوا الإسلام والمسيحية أصبحوا يتعاونون ويخضعون لهؤلاء ظنا أنهم قد يكونوا الفائزين بالدنيا ، فيصرون على تزوير المفاهيم الحقيقية ، ويدعون على الله الكذب وهم يعلمون ، بل ويدعون أن آيات الجنس والدعارة في الكتاب المقدس هي من عند الله مثل (سفر حزقيال 23) ، وناهينا عن آيات سفر التكوين في خلق السماوات والأرض وما فيهن ، والتي تثبت أن كاتبها هو بشر جاهل في عصور الظلام والتخلف الإنساني ، ولم يتوقف كذبهم عند ذلك بل بلغ بهم الحقارة والكفر أن يعتدوا على الذات الإلهية .
لدرجة أنك سوف تجد مثلا في الكتاب المقدس إهانات للخالق العظيم لا يقبلها البشر على أنفسهم ، فهو مثلا في سفر التكوين (الإصحاح 32( ، قد تجسد في صورة بشر نزل للأرض عند مخاضة يبوق (نهر الأردن) ليصارع رسوله ونبيه يعقوب ، ثم يخسر النزال ويخنقه يعقوب ولا يفلته يعقوب رغم توسل الرب له إلا عندما يباركه ويغير له اسمه ليصبح (إسرائيل) ، وهذه القصة تفضح أكذوبة انتماء بني إسرائيل لنسل أبو الأنبياء إبراهيم ، وهي الدليل الوحيد لانتماء بني إسرائيل ليعقوب وأبيه إبراهيم ، وهي أكبر كذبة في التاريخ ، لأن بني إسرائيل هم أبناء أول قاتل لأخيه في التاريخ البشري في عهد إدريس وشيث ، ونتيجة لهذه الجريمة تم طرد بني إسرائيل من مصر عقابا على تلك الجريمة ، ولم يتبق منهم إلا بعضا ممن آمنوا بعد ذلك منهم بنوح ، وركبوا معه السفينة ، ويقول فيهم سبحانه وتعالى .. {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً{2} ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً{3} ، فمن نصدق ؟؟ ، آيات الله التي تؤكد أنهم سلالة مختلفة عن إبراهيم ، وأن أباهم الأكبر (إسرائيل) قد سبق مولد إبراهيم بآلاف السنين ، أم نصدق أكاذيبهم وافتراءهم وسوء أدبهم مع الله ، وللأسف ما زال هناك من يصدق أن آيات الكتاب المقدس هي من عند الله ، وكفاهم غضب الله عليهم وسخطه ، لأنهم لا يستحون من إهانة الله والاستهانة بقدره وقدرته وعزته وجلاله ، وكذلك تفعل كثير من الملل والمذاهب حتى المسلمة ، فلا فرق بين شرور نفوس البشر مهما كانت انتماءاتهم ومللهم .
ورغم أن كثير من علماء فيزياء الكم قد أثبتوا وجود العوالم أو الأبعاد الموازية ، إلا أن الغالبية العظمى من البشر لم يكن ذلك محركا أو دافعا لهم ليتفكروا أو يؤمنوا بقدرة الخالق ، بل بعضهم يدعي أن كل ذلك خلق نفسه بفعل الطبيعة الذاتي ، ومنهم من تورط في عبادة إبليس فيدعي الألوهية لإبليس ، ويقدمون له القرابين البشرية ، ولذلك فانكشاف فضيحة جزيرة (أبستين) لم تكن الأولى ولا الوحيدة على الأرض ، بل إنها نمط من الانحراف والإفساد في الأرض قديم وساعد تطور التواصل على انتشاره في كل بقاع العالم حتى في الدول التي تعلن أنها صاحبة ديانات سماوية ، ويتزعم تلك المفاسد كثير من الأغبياء والحمقى ومن يجهلون قيم وقدور تكريم اللله للإنسان ، والتي منحها الله لنفوس العمار الذين يعمرون أرضه ، فالجهل بحقيقة النفوس هو أخطر على بني آدم من كل تهديد خارجي له ، وهذا الجهل بقدور وقيمة النفس هو ما يدفع الإنسان العادي للملل والإحباط والاكتئاب من متاعب الحياة ، وتدخله في مراحل اليأس والقنوط ، وهي أول مراحل الكفر بقيومية الله ، والتي ينزلق فيها كثير من البشر دون علم ، وينتهي بهم المطاف إما منتحرين أو منتمين للفرق والجماعات المفسدة والمنحرفة بحثا عن الأمل لنفوسهم ، رغم أن الأمال كلها متاحة بين أيديهم ، وفي نفوسهم وقد نبه الله لها بقوله تعالى … {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 .
وقبل الاسترسال في جهل النفوس بقدورها ، لابد وأن نتوقف عند اصطلاح (الكفر بقيومية الله) ، فما هي قيومية الله ؟ ، قيومية الله هي اللفط الذي اشتق الله منها لفظ (القوامة) للرجل .. {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .. }النساء34 ، فالقيومية تعني توافر ثلاثة أركان أساسية ، هي العلم ، والقدرة ، والأمانة ، فسبحانه وتعالى هو (القيوم) ، أي صاحب العلم المطلق ، وصاحب القدرة المطلقة ، صاحب الأمانة المطلقة ، وبالتالي فأي شك لمخلوق في أي من أركان قيومية الله (العلم – القدرة – الأمانة) ، معناها كفر بقيومية الله ، ولذلك نتذكر أن إبليس لم يكفر بوجود الله ولا بعزته ، فهو أقسم بالله في لحظة كفره بقوله .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، ولكن الله حكم بكفره ، لأنه تكبر على أمر الله بشكه في (أمانة الله عليه) ، وظنه أن الله يهينه بالسجود لآدم ، وبذلك هو قد كفر بقيومية الله ، ولذلك لو دققنا التأمل فسوف نجد الكثير من بني آدم يكفرون دوما بقيومية الله ، وبأكبر من كفر إبليس ، فلو شككت أن الله يهينك عندما يصيبك بمشكلة أو يضيق عليك رزقك ، ونطق لسانك بما نسمعه كثيرا من البشر ، (لماذا تصيبني يا ربي بهذا) ، فقد كفرت بقيومية الله ، ولو ظننت أن أحدا بيده رزقك فقد كفرت بقيومية الله أشد من إبليس ، ولو امتنعت عن الصلاة أو الصيام متعمدا فقد كفرت بقيومية الله عليك ، ولو أهملت اعمار الأرض وظننت أن من حقك أن تفعل أو لا تفعل ، فقد كفرت بقيومية الله عليك ، وما أكثر الكفرة من البشر بقيومية الله ، وذلك بظنونهم وأقوالهم وأفعالهم وهم يحسبون أنهم مؤمنين ، ولذلك يقول لهم سبحانه .. {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ }يوسف106.
ومن قيومية الله اشتق الخالق العظيم قوامة الرجل على المرأة ، فلابد أن يكون الرجل أكثر (علما – وقدرة – وأمانة) من زوجته ، ولذلك لا يستقيم زواج رجل جاهل بامرأة متعلمة ، ولا يستقيم زواج رجل عاجز على تلبية احتياجات زوجته النفسية أو المادية أو الجسدية ، كما لا يستقيم زواج رجل غير أمين على زوجته ، لأن القوامة مسئولية ، ثلاثية (علم – قدرة – أمانة) ، وكلما كانت الزوجة مقتنعة بأفضلية أركان القوامة لزوجها عليها ، كلما استقر الزواج واستمر ، لأن القوامة من فطرة النفوس ، ولذلك فإن جهل الزوجة بحدود وأركان القوامة لو اجتمعت في نفسها مع سوء تربيتها ، فسوف تكون الزوجة من أول لحظات زواجها حريصة على أن تثبت لزوجها أنها أفضل منه وأذكى منه وأقدر منه ولن تجد سوى الجدال والشجار والتحدي ومحاولة إثبات إثبات المساواة ، وهي لا تدري أنها تدمر أركان القوامة في نفسها قبل نفسه ، فالزوجة التي تهين زوجها وتقلل منه ، هي تدمر قبولها النفسي له كزوج ، وبالتالي تدمر متعتها وسعادتها معه ، كما أنها تدمر شعوره بقوامته وقدرته على أن يكون قادرا على تلبية احتياجاتها النفسية والجسدية ، وسريعا سوف يبحث عن غيرها التي تشعره أنه رجلها ويسعدها قوامته عليها ، ولذلك فالزوجة الحمقاء تكون عنيدة وكثيرة الجدال وصاحبة صوت عالي لينتهي بها المطاف متمردة على قوامة زوجها فتصبح سريعا تعيسة أو مطلقة تدفع ثمن تمردها ، فهي قد دفعت زوجها ليلجأ لغيرها أو يتزوج عليها ليجد قوامته التي أهدرتها ، ثم تعود لتبكي أن زوجها هجرها لغيرها ، والحقيقة أنها هي التي دمرت قوامته النفسية والجسدية تجاهها وهي لاتدري ، فأصبح لا يصلح لها زوجا ، ولا تصلح له زوجة .
فالنفوس صنعة الخالق العظيم ، وهي صنعة عجيبة وخلاقه ، وفيها ما لا يتخيله عقل بشر ، ولكن ابن آدم من سوء فهمه وجهله ، يتعامل مع نفسه بجهل فيخلط ما بين غرائزه وشهواته ، مع أن الفارق بينهما كبير وسوف نتعرض له لاحقا ، وينتج عن سوء الفهم أن يرى غيره من البشر من منظور ما يستفيده منهم ، فتتحول الحياة حوله لغابة يقتنص فيها الإنسان كل ما تهفو إليه نفسه ، فتتحول الحياة لصراع على الملذات والمكاسب والشهوات ، وذلك لأن النفس لم تؤمن وتوقن بحقيقة كفالة الرزق ، والتي تعني أن لن يصل لمخلوق إلا ما كتبه الله له من قبل ولادته ، فالرزق مضمون ومحاولة زيادته هو ضرب من الجهل الأحمق والخلل النفسي ، فما أمرنا الله بالسعي في الدنيا إلا لإتقان إعمارها فقط ، وهو ما سوف يحاسبنا عليه إن أهملنا إعمارها ، فأنت مكلف بإعمار الدينا لغيرك ، وليس لنفسك ، لأن غيرك عمرها من أجلك ، ولولا ذلك ما كنت اليوم حيا ، وتلك حكمة الاستخلاف على الأرض ، فنحن نكد ونكدح لإعمارها لغيرنا ليستمر الاستخلاف ، ونحن مختبرون في كل ما يأتينا من أرزاق متنوعة ، والتي أقلها هو المال ، فالصحة والجمال والوظيفة والأهل والأولاد والبيئة كلها أرزاق أنت محاسب عليها جميعا .
أخيرا … لو آمنت كل نفس أن التنافس في الدنيا هو من أجل إعمارها فقط ، وأن كل نفس لها رزقها المكفول والمضمون ، ولن يأخذ الإنسان سواه ، مهما كد كدح واجتهد وتعب في الدنيا ، وأن الحياة مجرد رحلة اختبار مكررة ومتجددة إلى يوم القيامة ، لتدقيق اختبارات كل نفس ، لأحسن كل إنسان اختياراته ، واختلفت كثيرا علاقات البشر ببعضهم ، ولكنها … مشيئة الخالق العظيم .. وهو أعلم بناموسه في خلقه ، وأبسطها لنا أنه سبحانه يعطي كل نفس فرصتها كاملة لتتفكر وتتدبر وتختار ، فتكون مسئولة عن كل اختياراتها وحدها ، فكل إنسان محاسب على عقله فيما استخدمه وماذا فهم به ، وليت كل منا يتذكر أنه سوف يغادر الدنيا وحده كما جاءها وحده .. {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ … }الأنعام94 ، وأنه سوف يتم حساب كل منا وحده ، بل سوف يحاسب كل منا نفسه كما يقول لنا سبحانه وتعالى .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، وهو أشد ألوان الحساب لأنه مؤيد بالأدلة والبراهين المصورة والحية في كتابه ، والمسطور فيه الكبير والصغير ، ولا يترك شيئا إلا ومسجل فيه لدرجة أن المجرمين من البشر يفاجئهم ما سجل في كتبهم .. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }الكهف49 .. وهؤلاء المجرمون هم الفئة التي لا تعود للدنيا للاختبار مرة أخرى بعد وفاتهم حتى يوم القيامة ويفاجئهم قيام الساعة فيقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، وبالتالي فكل من على الأرض اليوم من الأحياء لديهم الفرصة قائمة ليكونوا من المقربين أو أصحاب اليمين .
أخيرا ليتنا نتعلم ونفهم ونتدبر حقيقة أننا نفوس ذكر الله سبحانه كل أحوالها ومنشأها ومسارها ونهايتها ، في آيات عددها ضعف عدد آيات الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، ولكننا أغلقنا أبواب الفهم لتلك الآيات ، بل ونتكلم عن النفس بخرافات البشر وضلالاتهم ، وننكر تفصيل الله في آياته المحكمات ، وبل وندعي كذبا أن دين الله محصور في آيات الفقه ، والتي لا تركز إلا على مناسك (مراسم) العبودية ، والتي هدفها الأوحد هو الاستقامة في آداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها بالكد والكدح والعمل والعمل ، مع الفهم والضبط لطبيعة النفس البشرية وفطرتها وغرائزها وشهواتها.. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر
شاهد أيضاً
البشر … واحتراف الضلال (1) …. بقلم : جمال عمر
قد لا تحتاج للتدبر أو التركيز لتكتشف أن حجم الضلالات والأكاذيب في العالم الذي نعيشه …
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر


![تفسير ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا [ الإسراء: 3]](https://surahquran.com/img/Ayat-green/verse-3-surah-17.png)




![وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ الواقعة[10]أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ…](https://i.pinimg.com/736x/f3/cd/e2/f3cde2c95365c0bd7b0263e9cfcc52a5.jpg)