
فجأة وجدتني يوما طريحا لسرير في أحد المستشفيات مصابا بالتهاب رئوي حاد ، ورغم هلعي وحزني لوصولي لهذه المرحلة دون أن أدري ، إلا أنها كانت حقا الضارة النافعة ، فقد اكتشفت بعد أيام قليلة في هدوء المستشفى ، أن قدراتي النفسية والعقلية والجسدية قد أصبحت أكبر بكثير ، وسرعان ما عرفت السبب الجوهري ، وهو البعد عما أطلق عليه ولدي الأكبر مسمى (مسببات العفن العقلي) ، وهو ما يعني حالة الركون والبلادة والغباء التي تصيب العقل نتيجة سقوطه في مفرمة الحياة اليومية والمليئة بهذه الكم المهول من التنوع الكبير والسريع لنوعية المعلومات التي أنت مجبر على التعامل معها يوميا ، والخطير أنه بسبب المتعة التي قد يجدها الإنسان في سرعة الحصول على المعلومات وتنوعها الكبير خلال اليوم ، فإنه بالقطع لا ينتبه لما تحدثه سيول هذه المعلومات والبيانات والأخبار بعقله ، من نتائج سلبية مدمرة ، فأولا هي تحدث تشتيتا يتزايد في كل دقيقة ، نتيجة ارهاق التاقلات العصبية التي تتحرك بجنون لمواكبة سرعة تدفق المعلومات وكثرتها ، وبالتالي تجد نفسك فاقدا القدرة على التركيز تماما ، ثم تدريجيا تحدث تبلدا وفقدانا للإحساس بكل يدور حولك ، وهي بلادة نفسية وعقلية ، تصل بالعقل لما يجب أن نسميه (العفن العقلي) ، فتستسلم وتصبح فردا في القطيع بامتياز ، لدرجة أنك تصل لسريرك ليلا وأنت مستنفذا بشراسة ، نتيجة تزايد العفن المزمن الذي يترك بصماته من الوهن والملل والضيق ، والذي لا يزول كليا بالنوم ، بل يترك جزءا كبيرا منه كرواسب نفسية وعقلية ، وهو ما يتزايد حجمه كجبل من الرماد يوما بعد يوم ، فيخلف صداعا غريبا وكأن فوق رأسك سقفا من الغيوم يخيم على عقلك ، ويترك في نفسك ضيقا وعدم تقبل لأي مشكلة أو اختلاف مع أحد ، حتى تصل إلى لحظة الانفجار أو الإنهيار العصبي تبعا لنوعية نفسك ونوازعها الأساسية .

ولا شك أن الأجيال التي ولدت في الألفية الماصية قد عاصروا أياما وسنوات كان إيقاع الحياة أكثر هدوءا وتعقلا ، وهو ما يشعرهم دوما بكم الفارق النفسي والعقلي ، وذلك بالطبع يختلف كثيرا عمن أفاقوا على الدنيا في الألفية الحالية ، وهي مجنونة بإيقاعها المتسارع ، فأصبح (العفن العقلي والنفسي) من صفات شخصياتهم الطبيعية ، أو بمعنى أدق يستسيغون (عفن الدماغ) كسمة أساسية لنوعية حياتهم ، وبرغم أن ذلك يفقدهم إنسانيتهم وقيمهم بل وأخلاقياتهم ، ولكنهم لا يجدون مشكلة في كل ذلك ، ولذلك لا تتعجب لو وجدت سمات التنطع والبلادة والنذالة والجبن والتخاذل والأنانية قد أصبحت صفات منتشرة ، بل ويتباهى بها الكثيرون ويعتبرونها مهارة ، ولها مسميات مختلفة براقة ، ولها مشجعين ودعاة ورعاة ورواد على صفحات التواصل وفي الدراما الفضائية ، فتكاد تختفي من الحياة معان سامية مثل جبر الخواطر ، والإحسان لوجه الله ، والتغافل عن مساويء الآخرين ، وحسن المعاملة بلا انتظار الرد ، ولأننا شعوب استوردت التكنولوجيا وفجعها التطور السريع لوسائل التواصل ، فهي لم تعتاد أن تفهم أو تستنتج أهمية التوقف الأسبوعي والدوري لالتقاط الأنفاس وتفريغ شحنات العفن النفسي والعقلي ، فأصبحنا ضحايا لمرض (عفن الدماغ المزمن) ، فأيام الراحات لدينا أصبحت كذلك فرصة لنوعيات مستجدة من مسببات العفن العقلي والنفسي ، لدرجة أنني أحيانا أجدني مؤمنا بأن كل ذلك كان وما زال مستهدفا من قوى خارجية (كنظرية المؤامرة) لتدمير وتفكيك شعوب هذه المنطقة من العالم ، خاصة عندما تصطدم برموز الماسونية من الفنانين ونجوم اللهو واللعب والترفيه ، وهم كل إمكانياتهم الحقيقية في عالم العلم والعمل والكد والكدح تعد أشكالا من الفشل واللهو والانحراف .
ولا عجب أن تجد نفسك مشدوها وتقف مذهولا أمام أولادك وهم يتخذون من فنان أو لاعب جاهل ومنحرف ومتدني الأخلاق قدوة لهم ، فهم يرون أن لديه كل شيء من المال والشهرة والفانز ، وأنت أمامهم مجرد فاشل منهك مشتت وتنحت في الصخر من أجل جنيهات لا تكفي الضرورات ، ولا تحقق لهم شيئا من مشتهياتهم التي يعتبرونها طبيعية وأساسية ، والتي هي بالنسبة لك لم تجربها في حياتك ، ولا عجب ، فطفلك الصغير يحتاج يوميا للشيبسي وأنواع من الحلويات والمسليات بما ثمنه قد يساوي مرتب وزير في الزمن الذي ولدت فيه ، فربما أنت لم تعرف الشيكولاتة إلا بعد زواجك مثلا ، أو بعد أن أصبحت عائلا لأطفال ، ولم تطلب نفسك منك يوما أن تستمتع ولو مرة ، بما لا يستغني عنه ولدك يوميا ، فالزمان اختلف والبشر اختلفوا والأماكن تبدلت ، وكلها علامات على قرب رحيلك بعد أن أصبحت غريبا حتى في نفسك ، وهي التي أصبحت تعاني كل أشكال العفن النفسي والعقلي ، ولا فائدة من محاولاتك التصدي لما يحدث ، ثم يؤلمك كثيرا أن ترى سيدة وقورة فوق الأربعين ترافق ولدها المراهق في المرحلة الثانوية كظله ، وتنتظره حتى ينتهي من درس (الماث) لتنقله لسنتر درس (الساينس) ، والباشا (الدكر) مستسلم كبنوتة في الخامسة من عمرها ، يقف خلف (مامي) وهي تتحدث باسمه وتناقش مع المدرسين والرجال في كل مكان لتسهيل حصول (ننوس عينها) على ما تراه هي مناسب له ، وهذا المنظر المفجع دوما يذكرني بشراسة .. بجعفر (واد خالي) .. الذي أصر والده أن يزوجه بعد رسوبه مرتين في الاعدادية ، وأنجب أول أولاده قبل أن يتم الثامنة عشرة ، وأصبح اليوم كما أراد والده .. رجل أعمال يتحدث بالملايين ولديه طابورا من الموظفين يدفع لهم رواتبهم شهريا.
ولا عجب أن يكون مشهد (مامي) الشهير … قد أصبح معتادا .. لأنه يتوافق مع توابع (العفن العقلي والنفسي) ، فالأم نتيجة تمكن العفن المزمن منها ، سقط من عقلها مفاهيم أساسية كثيرة للحياة ، ومنها مفهومها الشخصي لمعنى أنها أم (تربي أجيالا) ، فتجاهلت أن الأبناء لابد أن يتعلموا تحمل المسئولية تدريجيا منذ نعومة أظافرهم ، خاصة لو كان (ذكرا) ، حتى وصل ولدها لمرحلة البلوغ وهو مستسلم تماما لسيطرة (مامي) ، فأصبح كائنا بشريا فاقدا لكل ملامح الرجولة مبكرا ، وبالتالي سيصبح ذكرا تسيره غرائزه وشهواته على حساب أي شخص ، ولكنه أبدا .. لن يصبح رجلا مطلقا ، وأول من سيدفع الثمن هي (مامي) التي سيطر عليها (توابع العفن المزمن) تحت مسميات الأمومة والخوف من سلبيات العصر والمستقبل ، فاغتالت رجولة ولدها ، وبالقطع دمرت أنوثة بناتها ، فهي أم لكائنات شبه بشرية ، تحيا لتأخذ ولا تعطي ولا تتحمل المسئولية ، ومكانهم الطبيعي مستقبلا هي ساحات محاكم الأسرة وصفحات التواصل والواتس والانستا من أجل الترند ، ولا عجب أن تكون هذه الأجيال ضعيفة التربية منحلة الأخلاق ، لا تحترم كبيرا ولا ترحم صغيرا أو ضعيفا ، ولا تقيم للعلم وزنا ، ولا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا لماذا جاءوا للحياة ، وماذا يريد منهم ربهم وخالقهم ، بل كثير منهم فاقد لمفاهيم الدين والقيم والأخلاق .

أخيرا .. ليست هذه قسوة ولا تجني على أجيال ، ولا تكرار لما كان يقوله آباؤنا علينا ، فالحال اليوم مفجع بشراسة ، خاصة لو تابعت كم الأطفال المشردة ، وكم البنات التي تهرب من البيوت في سن المراهقة ، وكم الطلبة التي عرفت طرق الانحراف والمخدرات والعشق والغرام وممارسة الشهوات كحقوق للحرية الشخصية ، وكم الجرائم الأخلاقية التي أصبحت جزءا من معلوماتنا اليومية ، ولم نعد نتعجب أو ننزعج لزوجة قتلت زوجها مع عشيقها ، ولا لرجل يغتصب بناته أو تلميذاته ، ولا نستحي أن نتحدث عن شوارع وأماكن مشهورة بالبغايا وأجيرات المتعة المحرمة ، بل نعتبرها نكات نتبادلها للترفيه والانبساط ، والأخطر هو تلاشي معنى الحياء من البنات والسيدات فما بالك بالرجال ، فعندما يسقط الحياء فحدث ولا حرج ، ولا تسألني لماذا تتفشى بيننا الجرائم الاجتماعية ، ولا لماذا تزيد حالات الطلاق سنويا خاصة في سنوات الزواج الأولى ، ولماذا تتفشى تبادل الكراهية والمشاكل بين الزوجات وعائلات أزواجهن ، فعفن الدماغ العقلي والنفسي هم المسيطر على قيم وأفكار ومعتقدات الجميع خاصة الشباب ، لأنهم أكثر وأسرع المتأثرين به ، ولا يسلم منه إلا من رحم ربي ، وهم من يملكون أدوات الغسيل والتطهير الدائمة بلا توقف ، والتي لا بديل لها ولا غنى عنها ، وهي (القرآن العظيم) ، ويكفيك الاعتياد على سماعه مرتلا باستمرار يوميا ، أو على الأقل ساعة يوميا ، خاصة قبل نومك ، فهو كلام الخالق العظيم الذي يحمل إيقاعا وتناغما سحريا في أسرار حروفه وتراتيبه ، تجتاح العقل والنفس كسيول تنظف وتمحو آثار العفن اليومي ، وتترك النفس في حالة هدوء وسكينة هي في أشد الحاجة إليه يوميا ، وذلك أقل استفادة من كتاب الله ، والذي كتاب علم فيه كل العلوم التي شاء الله أن يتعلمها ابن آدم ليعمر بها الأرض ، ولكن ابن آدم عنها غافلا إلا من رحم ربي ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ….
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر