الأبعاد الموازية .. والجهل البشري (2) ؟؟؟ …. بقلم : جمال عم
الكاتب : جمال عمر
28 سبتمبر، 2024
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
268 زيارة

توقفنا من قبل عند بداية الحديث عن آيات خلق النفس في كتاب الله ، والتي تعدت الـ (400) آية بأكثر من ضعف آيات الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، وبالرجوع لأبسط آيات خلق الله للنفس ، سوف نكتشف فيها أن النفس البشرية هي أصل الإنسان ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. }النساء1 ، فالنفس هي الوحدة الأهم وصاحبة الإرادة والمسيطرة والمحركة والفاعلة ، ولذلك فهي أصل الإنسان الباقي قبل الولادة وبعدة الموت ، ومن دراسة آيات خلق النفس نكتشف أبسط معلومة عنها ، وهي قدرتها على الدخول والخروج من الجسد يوميا في عملية النوم ، وهو ما يحدده سبحانه وتعالى بقوله .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وليوضح لنا سبحانه أن النفس هي أصل الإنسان ولبه ، وأنه سبحانه يتوفانا كنفوس دون الأجساد ، يكرر سبحانه ذكر عملية التوفي في آية أخرى ولكن يحدد أنه سبحانه يتوفانا (نحن) بالليل فيقول سبحانه وتعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 .

وباستكمال استعراض بعض أيات الله في حركات النفس ، نتوقف عند دخولها للمرة الأولى ، والتي يذكرها سبحانه في وصفه لمراحل خلق الإنسان في رحم أمه ، بداية من النطفة وتطور نموها حتى اكتمال الجسد ، فينتقل لمرحلة الإنشاء للنفس في الجسد للمرة الأولى ، { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } المؤمنون (12 – 14) ، وهنا يصف سبحانه مراحل تطور خلق الإنسان بداية من سلالة من طين (تطور راقي لمواد الأرض) إلى نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسوة العظام باللحم ، وهي آخر مراحل تكون الجنين باكتمال أجهزة جسده ، وهو ما يستغرق أربعة أشهر (120) يوما ، وعندما يكتمل الجسد يأذن الله بتحول المخلوق الجديد إلى خلق آخر مختلف عن مراحل النمو ، فيقول سبحانه (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الحالقين) ، فعملية دخول النفس للمرة الأولى للجسد بعد اكتماله يصفها سبحانه بعملية (الإنشاء) ، وهي لحظة فارقة في حياة الإنسان ، تقول عنها الأمهات أن الجنين قد تحرك ، فقبل هذه اللحظة لم يكن الجنين يتحرك حركات إرادية مطلقا ، ولكن دقات قلب ينبض فقط وعمليات استكمال بناء للجسد ، مشابها لحالة النوم التي نمارسها يوميا ، وبمتابعة سلوكيات الجنين في بطن أمه بعد دخول النفس للجسد ، نجد أن الجنين ينام مثلنا بالفعل ، بمعنى أن النفس لا تستقر في جسد الجنين مطلقا ولكن تغادره وتعود إليه ، بل وربما تغادره هربا لفترة لو تعرضت الأم لحادث ، فالنفس تنزعج وتهرب لو أحست بالخطر ، حتى ولو كان الإنسان ما زال في بطن أمه .

فالجسد هو مجرد وعاء مؤقت ، لا تستقر فيه النفس مطلقا ، ولكنها قد تحب التواجد فيه لو كان التواجد مشجعا ، ولذلك تهرب النفس من الجسد لو تعرضت للخطر ، مثلما نرى حالات الإغماء وكذلك الغيبوبة التي لها قيود وشروط ومواصفات أخرى ، وسوف نتعرض لها لاحقا ، ولكن هنا نتوقف عند قدرة النفس على مغادرة الجسد في أي وقت ، والعودة إليه مرات ومرات ، طالما الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، لأن النفس لا تدخل إلا جسد حي (فيه روح) ، ولذلك عند الموت ، يسترد الله الروح بأمره وحده ، ودون تدخل مخلوق ولا حتى ملك الموت الذي هو موكل بالنفوس فقط ، فيموت الجسد ، فلا تستطيع النفس الدخول للجسد الميت ، وبالتالي فالنفس قادرة على دخول أي جسد حي متوافق معها ، وهذا التوافق يكون ربانيا ، ويتم بعملية (الإنشاء) الأولية ، والتي يحدث فيها تعارف النفس على الجسد ، وتكويدهم معا لتبدأ عملية التدريب على سيطرة النفس على الجسد لخمسة شهور كاملة في رعاية تامة داخل رحم الأم ، ومنذ تلك اللحظة تستطيع النفس الدخول والخروج من هذا الجسد متى تشاء حتى ينتهي الأجل المحدد لها معه .

وهذا معناه أن الله قادر أن ينشيء أجسادا لا حصر لها متوافقة مع كل نفس ، وبالتالي فالنفس قادرة على أن تدخل عدد لا متناهي من الأجساد واستخدامها والعيش بها (طبقا لتقدير الله) ، وذلك في دومينات وأبعاد مختلفة ، ولكن ذلك يحدث بشروط وسماحيات ربانية لها هدفها وآجالها المحددة مسبقا ، خاصة لو عرفنا أن الزمن متغير يمكن تخطيه وتجاوز حدوده ، ولكن بقوانين مختلفة نحتاج لعلوم أكثر تطورا من تلك العلوم الحمقاء التي مارسها البعض بجهل ، وكانت النتيجة هي سحق أجسام بعض البشر ، ومؤخرا كارثة تسارع عجلة الزمن على الأرض ، والأخطر هو التأثير السلبي على مفاهيم البشر ، والتي فجرت مشاعر الكراهية والعداء بين بني الجنس الواحد ، فتحولت مهمتهم من التعاون لإعمار الأرض ، إلى التربص ومحاولات الإفناء لبعضهم البعض ، فهل هؤلاء يؤتمنون على علوم متقدمة كما يتمنون ، أم هم مثلما يقول المصريون (يلعبون في عدادات أعمارهم) ، ولا يستحقون سوى الفناء عقابا لهم ، على الأقل في البعد الحالي ، ولينتقل كل منا لبعد آخر تبعا لما هو مقدر له .

ولتيسير الفهم نضرب مثالا قريبا لعقولنا ، فأنت على الأرض وليس في بعد أو (دومين) آخر ، لو افترضنا أنك تركب سيارتك الحمراء ، ولكنك لن تستطيع استخدامها إلا لو كانت صالحة ، فتديرها وتنطلق بها ثم تعود فتغادرها وتتركها في الجراج (السرير) ، فالسيارة الصالحة هي جسدك (فيه روح) ، والذي تستخدمه لممارسة الحياة به ، وكذلك بدلة الغطس وسفينة الفضاء تستخدمهما للتعامل مع ظروف مختلفة ، ولكنك أنت لست السيارة الحمراء ، ولا أنت بدلة الفضاء ، وكذلك فأنت لست هذا الجسد الذي تمتطيه ، لتمارس به حركة الحياة ، ومثال آخر ربما يكون أكثر وضوحا ، فالحاسب الآلي أو حتى المحمول في أيدينا ، مكون من ثلاثة مكونات أساسية { جسد المحمول بمكوناته – بطارية لتشغيله (الروح) – برنامج لآداء الوظائف (النفس) } ، فأولا .. جسد المحمول (Hardware) وهو مكون عدة مواد مختلفة مصنعة بطرق معينة لآداء وظائف بعينها ، مشابها لجسد الإنسان ، ثم ثانيا .. بطارية تمنحه الكهرباء التي تحيي أجزائه وتجعلها قابلة للتفاعل وآداء المهام وتلك تمثل (الروح) ، وثالثا وأخيرا .. برنامج تشغيل (software) وهذا البرنامج يمكن أن إدخاله ليشغل مختلف الأجهزة وهو ما تمثله النفس ، فكثير منا يستخدم نظام الويندو للتشغيل ، وآخرين يستخدمون الـ (ماك) ، ولذلك نجد أن مواصفات الأجهزة التي تستخدم الويندو مختلفة عن التي تستخدم الـ (ماك) ، رغم أم جسم ومكونات الحاسب واحدة ، والاختلاف فقط في برنامج التشغيل { ويندو – ماك } .

فالبرنامج هو النفس والتي يمكن أن تركيبه (إنشاؤه) لتشغيل عديد من الأجهزة ، وبدون البرنامج فلا قيمة للموبايل أو الحاسب ، وبدون البطارية (الروح) يموت الجسد فلا تستطيع (النفس) أن تعمل مع الجسد ، وأي تلف في جزء من جسد المحمول ، يعني تلف وظيفة للمحمول ، كذلك الإنسان ، ولله المثل الأعلى في خلقه المعجز للبشر ، فجعل جسده من مواد الأرض الأولية ، ولكن بتفاعلات راقية لتعطي مختلف الأجزاء المتوافقة والمتناغمة بإعجاز ، لتنمو وتؤدي وظائف عديدة حركية وعقلية ، والتي ما زالت لغزا أمام البشر جميعا ، ثم منح الله هذا الجسد روحا هي (الكهرباء) التي تحيي هذه الأجزاء ، وهذه الروح جعلها سرا لا يعرفه مخلوق ، ولا يمسها مخلوق مطلقا ، ولا حتى ملك الموت (كما ندعي) ، فملك الموت موكل بالنفوس فقط ، وعند اكتمال بنيان الجسد الحي بوجود الروح منذ أن كان حيوانا منويا وبويضة ، تحدث عملية إنشاء النفس داخل الجسد ، وهي عملية دقيقة ومعجزة ، يكون من أبرز نتائجها أن النفس يتم تكويدها مع الجسد حتى تستطيع دخوله مرة أخرى عندما تعود بعد مغادرته ، فلا تدخل جسدا مخالفا لجسدها في أي بعد زمكاني ، بل ويظل بين النفس جسدها المخصص اتصالا فوتونيا دقيقا ، ما دام الجسد حيا ، وهذا الاتصال هو ما يكون سببا في تسجيل بعض ملابسات رحلات النفس أثناء النوم على شاشات مخ الجسد ، فيتذكرها الإنسان أو بعضها .

أخيرا .. وقبل أن نخوض في مسائل الأبعاد والأكوان المتوازية ، لابد منطقيا أن ندرس ونعرف طبيعة كنه النفس وقدراتها ومقدراتها ومواصفاتها وحقيقة حركتها في مختلف أحوالها سواءا في التواجد داخل الجسد (مستيقظة) في الحياة التي نعرفها جيدا ، أو أثناء تواجدها في أجساد أخرى في أبعاد أخرى زمنية أو مكانية ، لأننا بفهم ذلك ستصبح عمليات فهم وتفسير المجهول أكثر يسرا ، فلا نسقط في حوادث تدمير جسد بعينه في بعد بعينه أو بين الأبعاد ، بجهل طبيعة (فيزياء) الأبعاد وطبيعة ما تحويه من أجساد ونفوس ، وإمكانيات الانتقال وحدود المسموح به والممكن طبقا للعلوم البحتة الحقيقية كما خلق ناموسها الخلاق العظيم ، والتي ما زلنا لم ندرك منها سوى أقل القليل ، مدركين أن ما يسمح الله به من علوم هو فقط ما سوف نتوصل لفهمه ، فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر