الشرق الأوسط .. على حافة البركان … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
5 أيام مضت
اراء ومقالات, المقالات والرأي, سياسة دولية واخبار العالم, متنوعات
56 زيارة

في زخم الأوضاع الملتهبة في الشرق الأوسط ، ما بين الغطرسة الأمريكية المهينة والزائفة وبين الصلابة الإيرانية المرتكزة على انتصار واضح ، في ظل حالة عدم وضوح المواقف الخليجية ، خاصة في ظل تلاعب ترامب بالخليج واتفاقاته خلف الكواليس مع إيران في اللحظات الأخيرة ، وربما الحفاظ على المشهد المعهود من مسرحية بقاء إيران كقوة ترهب أعراب الخليج وتؤدبهم ، وربما تقاسم أمريكا وإيران عوائد المرور في مضيق هرمز كما يريد ترامب ، ثم تصاعد الحيرة من المواقف المتضاربة لترامب ما بين تصعيده الناري مع إيران ثم تراجعه وانسحابه المفاجيء من المنطقة ، تظل هنا تساؤلات ساخنة عن الأسباب والملابسات التي تحكم المشهد ، فما يحدث أصبح خارج حدود المنطق والمعقول ، فبلا شك اكتسبت إيران احترام العالم بصمودها وتكبيدها لخسائر غير مسبوقة لأمريكا وإسرائيل ، بينما خسرت عروش الخليج الكثير من هيبتها واحترامها في عيون شعوبها قبل دول العالم ، لآن الفارق منطقي وواضح ، فإيران تتحدث بعقيدة ثابتة وقوية ، بينما جيرانها يحكمهم رعب خسارة العروش والكروش المتخمة بالدولارات ، وهو ما يذكرنا بما يجب أن لانتغافل عنه مطلقا وهو عقيدة الإنسان وقيمه العليا ، وأخيرا مشهد المفاوضات التي بدأت فاشلة ولا يرجى منها سوى اتفاقات من تحت الطاولة تحقق عودة السيطرة الكاملة للصهيونية على المنطقة .

ولا ننسى أن التاريخ البشري قد عودنا أن الحروب تحسمها دوما العقائد وليست القوة ، والمتتبع للحروب الكبرى في التاريخ والتي غيرت وجه البشرية سوف يدهشه مثلا ، أن المسلمين كانوا قلة محاصرة في شعب أبي طالب في بداية الدعوة ، يعانون الجوع والعطش ، ثم قلة محاصرة بكل ألوان العداء والكفر والشرك في المدينة ، فإذا بهم في أقل من مائة عام يصبحون دولة ليست قوية فقط ولكن قوة عظمى تسيطر على بلاد الروم والفرس وتمتد امبراطوريتها لتسيطر على معظم الكرة الأرضية في أقل من قرن من الزمان ، ولم يكن لدى المسلمين في كل حروبهم وفتوحاتهم ما يوازي قوة أعدائهم ، ولكنهم كانوا الأشد والأثبت عقيدة فقط ، ولا شك أن هذا المبدأ يصلح للتطبيق على الحروب المحدودة في كل مكان على الأرض ، فالمصريين طردوا كل غازي أو محتل من بلادهم وانتصروا عليه فقط بالعقيدة ، بغض النظر عن قدراتهم العسكرية ، ومثلهم الدولة الفارسية التي ما زالت صامدة عبر القرون وتسجل انتصارها دوما في حروبها فقط بالعقيدة ، ولم يهزمهم عبر التاريخ ويجتاحها سوى المسلمون عندما كانوا أشد قوة في عقيدتهم فغيروا دينهم للإسلام .

ولا شك بالطبع أن العقيدة تنبع دوما من أصول دينية وتاريخية لا يمكن صناعتها بالشعارات ، فالشعارات تسقط في لحظات الحقيقة العارية عند مواجهة الموت ، فالجندي قد تتخمه بالشعارات ، ولكن عند لحظة التضحية بالحياة تسقط كل الشعارات ، ولا يبقى سوى المفهوم العميق للعقيدة ، ولذلك تجد الجندي الصهيوني (الأمريكي – الإسرائيلي) إنسان مهتز ومخترق العقيدة ، فهو لا يملك قدور الشجاعة والتضحية المبنية على عقيدة ، وتلك حقيقة تاريخية أثبتها كتاب الله عن اليهود ومن ينتمي إليهم ومن على شاكلتهم من لصوص الحضارات بقوله تعالى .. {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ }الحشر14 ، فأمريكا احتلها وبناها المجرمون من اتباع الماسونية ، وليس بشجاعة وبسالة ولكن بمنتهى الخسة والنذالة وعلى جثث أصحاب الأرض الأصليين ، واستخدموا معهم أقذر وسائل الإبادة الجماعية ، وارتكبوا فيهم كل جرائم البشرية الحقيرة ليغتصبوا أرضهم وبلادهم ، فالأمريكان بالميراث والجينات جبناء هدفهم الحياة ولو على جثث غيرهم ، ولذلك لن تجد عبر تاريخهم مواجهات عسكرية مباشرة في حروب مطلقا ، فهم محترفون في اختراق عدوهم بالخيانة ، والضرب عن بعد ، وتوريط غيرهم ثم السطو على غنائم الحروب ، تماما كما فعلوا في كل من الحرب العالمية الأولى والثانية .

بالتالي فلا شك أن الجندي الأمريكي صاحب عقيدة قتالية مهترئة ومزيفة مرفوعة بشعارات براقة ، ولكنها جوفاء وتصدمهم دوما الحقائق على الأرض ، فهم لا يملكون إلا بطولات هوليودية بالأفلام والمسلسلات يحققون ما هم محرومون منه ويحلمون بتحقيقه ، ولكن على أرض الواقع لا تاريخ لهم ، فأمريكا قد أهينت في الصومال عندما تواجهوا مع الجندي الصومالي وجها لوجه ، وهتك شرفهم العسكري في فيتنام عندما تلاقوا مباشرة مع الجندي الفيتنامي ، وهربوا من أفغانستان تاركي كل سلاحهم ، وأخيرا وجدناهم أسرى بالعشرات في أيدي إيران في أول أسابيع من الحرب التي بدأوها مدعين كذبا أنهم ينقذون العالم من شرور إيران ، ورغم ذلك يصر رئيسهم المختل ترامب أنه سوف يحتل إيران ويغزوها ويأخذ نفطها ، وهو عاجز عن حتى مجرد الاعتراف بأسراه في يد إيران ، وصورهم منتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في كل العالم وفي بلاده نفسها ، فالحقائق لا يمكن طمسها بالكلمات ولا بالشعارات ، حتى أن كل أكاذيب ترامب الصحفية وعلى صفحات التواصل سقطت ببضع كلمات قالتها أم الشهداء الإيرانية ، والتي قدمت في هذه الحرب ثمانية شهداء ، ولن أحدثك عن مشاعر ضباط وجنود أمريكان في أحد القواعد العسكرية وهم يشاهدون هذه الأم تبتسم بدموعها وتحتسب أبناءها شهداء ، ثم تتوعد الأمريكان والصهاينة بالموت على حدود بلادها ، فقد أحدثت هذه الأم شرخا عميقا في وجدان وقلوب ترامب ومساعديه قبل الجنود والضباط الأمريكان الذين اقتنعوا بيقين أنهم ذاهبون لحتفهم ، وأنهم لا نصر لهم ولا مكاسب لهم سوى التوابيت التي قد لا تتوافر لهم بعد موتهم .

فالحقيقة دوما صوتها ولو كان مكتوما يكون أعلى وأبقى من كل صيحات وشعارات الزيف والباطل ، فالجندي الإيراني يعلم أنه يدافع عن شرف وكرامة وبقاء أرضه وعرضه وشرفه وكرامته ، فإن انتصر فهو بطل ، وإن مات فهو شهيد وفي الجنة ، في مقابل جنود الصهاينة يقاتلون من أجل رفع راية الغطرسة والتكبر والغرور والتمتع بالغنائم والتباهي ، وهي غايات تسقط سريعا وتختفي عندما تقترب وترفرف رايات الموت فوق الرؤوس ، فالجندي الأمريكي جاء ليعيش أفضل ويستمتع بأجره عن الحرب ، وليس ليموت ويخسر كل شيء ، وهو ما رأيناه بسيطا في استسلام جنود النخبة من المارينز للجيش الإيراني في بعض المواقع وعلى الجزر ، وفي العملية الفاشلة لسرقة اليورانيوم المخصب ، فمسألة الكبر والغطرسة الترامباوية أصبحت لا تستحق الموت من أجلها ، وذلك ما يغفل عنه أباطرة الغرور والغطرسة الأمريكية والإسرائيلية حتى الآن ، ويصرون أنهم ماضون في الحرب على إيران ، ولو اضطروا لضرب إيران بقنبلة نووية محدودة لكسر عنادها وصمودها ، وهو ما لن يحدث لحسابات معقدة ، أبسطها أن إيران في طريقها لتصبح قوة عظمى .

ولا شك أن الأمريكان هم إما كذبة ومتآمرين أو فشلة في الحسابات وتقدير الموقف الاستراتيجي ، أو أصبحوا أسرى لأكاذيبهم ولا يعرفون كيف يتراجعون ، أو قل بمعنى أدق أصبحوا أسرى لأسطورة الحرب المقدسة (هرمجدون) والتي يروجون لها كذبا ليخدعوا ضباطهم وجنودهم الملحدون وفاقدوا الإيمان بأي من هذه الخوعبلات الصهيونية ، ويبدون أنهم جهلوا في حساباتهم الاستراتيجية كبر مساحة إيران ، وانتشار قدراته الضاروخية على مساحة من الأرض تحتاج لسنوات للسيطرة عليها ، وتناسوا أنهم بقتلهم المرشد قد أجبروا القيادة الإيرانية على جعل القيادة العسكرية ليست مركزية ، فكل قائد جبهة أو منصة صواريخ لديه بنك من الأهداف ويملك حرية اتخاذ اقرار ، ولديهم بروتكولات راسخة باستخدام المحرم من الصواريخ عند الوصول للخيار صفر ، والأخطر أنهم حصلوا على أسلحة دمار شامل قادرة للوصول للبر الأمريكي ، وبالتالي تعني ببساطة قدرتهم على محو الكيان الصهيوني من المنطقة مع أول استهداف لإيران بقنبلة نووية في أي مكان داخل إيران ، إلا إذا كانت أمريكا ومن وراءهم من قيادات الماسونية قد قرروا التضحية بإسرائيل وربما أمريكا المنهارة داخليا ، ووجدوها فرصة للتخلص من الصداع الأزلي المسمى إسرائيل أو أمريكا معا .

لا أحد يدري ما يدور في الغرف المغلقة من مشاهد المسرحيات الهزلية لخداع الأعراب والخلايجة ، وإلا لعرفنا حقيقة الأسرار التي جعلت قيادات الماسونية تبيع صنيعتها التاريخية (إيران الملالي) ، وتنقلب عليها وتقرر فجأة تدميرها ، وقد كانت أحد أهم أدواتها لاخضاع الشرق الأوسط وتمزيق دوله وشعوبه ، بخلاف ما نعرفه بأنها تجاوزت خطوطها الحمراء وغردت خارج السرب فوجب تأديبها ، وهو ما قد يدور في الغرف المغلقة في المستويات الخفية ، أما الحقيقة الكاملة فما زالت غامضة ، وهل استيقظت عقائد المسلمين فتجاوزت اختلافاتها المللية ، أم اكتشفوا حقيقة أن الخلافات كانت صنيعة الماسونية ، وأن الحرب الحقيقية هي على كل ما هو مسلم ، وهو ما صدمهم من خطاب النتنياهو ووزير الدفاع الأمريكي صاحب (تاتو كافر) بالعربية على ذراعه ، أم هو الدفاع عن الأرض والعرض والشرف والكرامة ، وهل ذلك ما ايقظ إيران اليوم ، وهو في الحقيقة كاف أن يصنع من جنودها بواسل وأسودا تزود على عرينها ، ما بالك لو زادت الدوافع بالزود عن الدين والعقيدة ، وحينها ستصبح إيران مقبرة للغزاة ، ولو استخدموا كل ما لديهم من الأسلحة المحرمة أو النووية ، فالمقابل سيكون حلا جزريا لمعضلة التواجد الإسرائيلي وربما الأمريكي إلى الأبد ودون رجعة .

ولذلك لا عجب أن يتراجع (حنفي أمريكا) ، ويوافق على وقف اطلاق النار فجأة ، بوساطة باكستانية معلنة ، وتعليمات أو قل توصية حاسمة من حاكم مصر (الجنرال : عبد الفتاح السيسي)، باتصال كان سريا ، في الساعات الأخيرة ، وأعلنه باراك رافيد الصحفي المقرب من ترامب ، وهو ما استجاب له سريعا مجنون الأمريكي البرتقالي ووافق سريعا ، وتم الاعلان عنه فورا ، وهنا لابد وأن نقف طويلا أمام أحد المشاهد المتكررة والتي يتجاهلها الكثيرون ربما غيرة أو حقدا أو رغبة في عدم التصديق أو حماقة فطرية ، وهذا المشهد لابد وأن يطرح السؤال الخطير ، ( من هو عبد الفتاح السيسي تحديدا ، وكيف لا ترد له كلمة أو طلبا ؟ ) ، وما الذي لا نعرفه ويستطيع أن يغير كل شيء في الخفاء ، ولا يجرؤ أحد في العالم على الحديث عنه صراحة ، فهذا المشهد الأخير يعيد للأذهان الكثير مما حدث سابقا ، بداية من خوف أوباما من لقائه ، ومرورا بتصريح هيلاري كلينتون بعجزها عن التعامل معه ، ثم سجنه كلاب الماسونية الإخوان ، واعلانهم جماعة ارهابية في أمريكا نفسها ترضية للسيسي ، ثم بخطوطه الحمراء التي يحترمها الأعداء قبل الأصدقاء ، ثم حصوله على أي شيء يريده من أي دولة برضا وترحيب ، ثم تحول أشد أعدائه لأصدقاء يمدحونه كأردوغان وأمير قطر وحكام بريطانيا وألمانيا وفرنسا ، ثم مؤتمر السلام بحضور ترامب في شرم الشيخ ، رغما عن (النتن ياهو) ولفظه بعيدا عنه ، ثم لعق ترامب وتحمله لكل صفعة مدوية منه ، وأخيرا .. طاعة ترامب لرغباته حتى ولو على حساب كرامة أمريكا المهدرة في إيران .

أخيرا … لست مجبرا على الحديث عن الحقائق المخفية وربما هي للبعض واضحة كالشمس ، فالمصالح تتصالح ولا عزاء للخيج وعروشه وكروشه ، فليس كل ما يعرف يقال ، وليس كل ما يقال هو الحقيقة المطلقة ، ولكن .. يبدو أن العالم يعاد ترتيبه جغرافيا وتاريخيا ، وأنه قريبا ربما يحكم من القاهرة ، كما تنبأ البعض من قبل ، ولكن يبقى معلوما وواضحا لكل ذي عقل ، أن الجنوال المسمى بالسيسي هو رجل فريد من نوعه بين حكام دول العالم ، فريد في أمانته وأخلاقه ومصداقيته وحبه لوطنه وللخير والسلام لغيره ، لأنه ببساطة (صادق في عقيدته) ، ونحن أحيانا ننسى أن الخالق العظيم قد وعد بنصرة من يتق الله ، خاصة لو كان حاكما أمينا ، وتبقى العقيدة هي الحل الأوحد لحسم الأمور حتى لو كانت حروبا وصراعات ، ويبقى الجندي صاحب العقيدة هو سيد المعارك وبطل الحروب عبر العصور ، رغم أنف الغطرسة الصهيونية والإجرام الإسرائيلي ، والدياسة الخليجية ، والنفاق العالمي ، ولعل رفاقائنا في الخليج يفيقوا ويستجيبوا لما يدعوهم له السيسي من وحدة عربية قبل فوات الآوان .
جمال عمر