
بعيدا عن مسرحية استعادة الطيار الأمريكي الهزلية ، والتي ساقها ترامب للشعب الأمريكي قبل أن تفتضح الحقيقة المريرة ، بأن إيران تركته يأخ الطيار الأمريكي في مقابل تدمير ثلاثة طائرات أخرى ، وبعد صراخ تل أبيب ، وتصاعد خسائر الكيان إضافة لخسائر أمريكا صاحبة أكبر قوة عسكرية في العالم ، وبعيدا عن الانفجار السياسي داخل أمريكا ومطالبة أعضاء من الكونجرس لترامب بالتنحي والاستقالة فورا بعد أن جعل أمريكا مسخرة للعالم سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، وبعيدا عن تنسيق عماني إيراني ، وسعودي إيراني ، وقطري إيراني ، وبوادر الانقلاب الخليجي ضد ترامب وأمريكا ، فإن الأمور بدأت تخرج من تحت السيطرة ، والأمريكان والصهاينة يتهتز عروشهم بعد أن تمردت إيران على صانعيها وحلفائها السابقون .

وما يحدث حاليا في العالم يذكرني بقوة .. بحوار هزلي قدمه المنتصر بالله في أحد المسرحيات الهزلية ، بجملة كررها أكثر من عشر مرات (يبقى قدامك .. حل من اتنين) ، فأمريكا اليوم في وضع حرج ، وإيران في وضع أكثر حرجا ، وإسرائيل في وضع أفظع حرجا ، ودول الخليج في وضع أشد رعبا من الحرج ، والعالم أجمع في وضع غير مسبوق ، فالكل قدامه حل من اتنين ، فمثلا .. أمريكا قدامها حل من اتنين ، الانسحاب لانقاذ ما تبقى من هيبتها وكيانها السياسي والاقتصادي والعسكري ، أو استكمال الحرب للنهاية ، ولو انسحبت فقدامها حل من اتنين ، أن تعيد حساباتها وتغتال أو تعزل ترامب قبل أن يدمر أمريكا للأبد ، أو تصر على استكمال ترامب لمدته ، ولو اغتالت أو عزلت ترامب فقدامها حل من اتنين ، أن تعترف بخطأ ترامب وتتقوقع على نفسها لتعالج آثار ترامب المدمرة على أمريكا ، أو تكابر وتتزايد خسائر أمريكا الاقتصادية واقترابها من التفكك بدعوات انفصال ولايات قطعت بالفعل مراحل متقدمةل للانفصال .

أما لو أمريكا كملت الحرب ، فإما أن تحقق انتصار مفاجيء مثل حرب العراق ، أو تذوق هزيمة مذلة على أبواب إيران ، ولو انتصرت فقدامها حل من اتنين ، أن تحول إيران لعراق جديدة ، وتعيد ارتكاب الأخطاء السابقة لتخسر مزيدا من هيبتها وجنودها بتكلفة خرافية في الشرق الأوسط لن توازي ما تستولي عليه من بترول إيران والتحكم في بترول الشرق الأوسط ، أو تغادر المنطقة مضغوطة بزلزال اقتصادي وسياسي وعسكري نتيجة الحرب ، والحل التاني انها تخسر الحرب وفي الحالة دي قدامها حل من اتنين ، فإما أن تغتال ترامب وترفع ايديها ودعمها عن اسرائيل للأبد من أجل أن تسرع بعلاج ما خسرته عسكريا وسياسيا واقتصاديا نتيجة أفعال المجنون ترامب ، أو تظل خاضعة للماسونية والصهيونية وفي الحالة دي ستفقد هيبتها ومكانتها سياسيا واقتصاديا ، وتتفكك أمريكا من الداخل مضغوطة بخسائرها العسكرية والاقتصادية وسقطوط امبرطورية البترودولار للأبد ، وستغادر المنطقة تجر أذيال الخيبة والهزيمة ، وتعيد للأذهان مشاهد سقوط الاتحاد السوفيتي أو انهيار الامبراطورية البريطانية العظمى بعد الحرب العالمية الثانية .

كل ما فات هي توقعات محتملة الحدوث خلال الأيام القادمة ، وهذا بالنسبة لدولة واحدة هي أمريكا ، ويمكن بالطبع تطبيق نفس المنوال على جميع الدول في المنطقة ، فالاحتمالات بالآلاف ، وكل ذلك مع افتراض عدم التداخل ، فما بالنا باحتمالات تبادل وتداخل تأثير كل دولة على غيرها من الدول ، فنحن أمام ملايين الاحتمالات والتوقعات ، ولو استطعت تخيل توقعات معينة تحمل صفة العمومية ، فسوف تكون توقعاتك صحيحة بنسبة تزيد عن الـ 90% ، فأنت تستطيع أن تكون مثل آلان مصطفى وليلى عبد اللطيف وغيرهم الكثير ممن يعملون لمؤسسات صهيونية وماسونية لشغل العالم وتوجيه نظره لما هو بعيد عن الحقائق تبعا لمبدأ (بص العصفورة) ، وهكذا تتعامل الماسونية أو النورانيون ، أو حكومة العالم الخفية مع عامة شعوب ودول العالم ، فتسوقها لما تخطط لتنفيذه .

والغريب أن حكومة العالم الخفية لا يعنيها دمار إيران أو سقوط أمريكا أو حتى هلاك اسرائيل ، بقدر ما يعنيها الهيمنة والسيطرة على مقدرات العالم بشعوبه بأي وسيلة ممكنة ، فلا يوجد لديى قيادات الماسونية عزيز على وجه الأرض فهم أتباع إبليس بهدف إثبات فشل الإنسان في مهمة إعمار الأرض ، بدليل أنه تخلوا وباعوا أحد أهم أذرعهم الطويلة في مصر ، وهم الجماعات السياسية والدينية (الإخوان – السلفيين – الجهاديين – الليبراليين – .. ) ، عندما اكتشفت قوة النظام المصري ، فهم لا عزيز لديهم سوى المصلحة ، والمسكين المغلوب على أمره في كل ذلك هو المواطن المدحور بالأخبار والأحداث ، والتي لا تعبر مطلقا عن حقيقة ما يدور تحت السطح ، فاملعن هو أحداث تصنع غالبا في الغرف المغلقة ، وتبث للعامة لإنتاج ردود أفعال محسوبة ومدروسة ، ومتوقع نتائجها مسبقا ، وموجهة في اتجاهات مخططة مسبقا ، فالقطيع من البشر لا يعلمون إلا ما تريده حكومة العالم الخفية ، من أجل الوصول لأهداف معنية ومحددة ، تماما مثلما يشتعل الشارع الأمريكي لتنفيذ الانتخابات الرئاسية في ظل أجواء الديموقراطية الغناء ، ثم لا ينتخب الشعب الأمريكي سوى الرئيس الذي أرادوا أن يكون محل سخرية العالم واستهزاؤه (بايدن) ، وذلك ليسهل عملية انتخاب الرئيس المجنون ، والمستهدف من قبل لتسريع تنفيذ الأهداف التي تأخرت ، ولابد أن يكون نرجسيا مغرورا ومتكبرا ومتعجرفا وبلطجيا .. أو حتى مجنونا ، لنلصق به كل جريمة لو فشل المخطط ، ونحاكمه ونقتله ونرسله لجزيرة صدام والقذافي وجون كينيد وابستين .

آسف جدا .. فالحقائق أغرب من الخيال ، والمواطن المسالم صاحب النفس البسيطة ، والذي أقصى أحلامه تكمن في متعة أو بعض الرفاهية ، لا يستطيع أو يتخيل أن هناك بشرا بهذا القدر من النرجسية والمكر والخبث والقسوة والجبروت ، ولكنها الحقيقة ، وسبحان من خلق النفوس ، وجعل منها من يريد أن يفجر ويدمر ، ومنها من لا يتوانى عن الفجور لحظة واحدة لقوله تعالى .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، وجعل فيها من يريد أن يسيطر فقط على نفسه ، ومنهم من لا يحيا إلا بالسيطرة على غيره من البشر ، والأمثلة في البشر لا تعد ولا تحصى ، فالشاب الذي لم تسمح له نفسه أن يأكل ثمرة واحدة دون أن يستسمح صاحبها فيها ، فزوجه صاحب المزرعة لابنته ، كان والدا لأكبر علماء عصره علما وتقوى ، والمرأة اليهودية التي تسللت لعائلة كاهن الكنيسة ، فأنجبت منه سفاحا طفلا لقيطا ، وتربى في ملجأ الكنيسة على يد قسيس شاذ ، أصبح بعد ذلك هو من أكبر السحرة الشواذ ، وأحد أعمدة الماسونية لعقود طويلة ، وأبسط من كل ذلك فابن الطبيب المولود في بيئة هادئة علمية منضبطة ، من المنطقي أن يصبح طبيبا أو مهندسا أو عالما ، بخلاف طفل ولد لتاجر مخدرات يستبيح كل شيء من أجل المال ، وبالتالي من المنطق أن يصبح مجرما أو بلطجيا أو نصابا محترفا ، إن لم يطور قدراته ليصبح قاتلا متسلسلا ، فالبيئة تصنع الرجال والأجيال .

وفي النهاية .. لا تتعب نفسك في المراقبة والتخمين ، فلن يحدث في الكون إلا ما قدره الله وكتب تفاصيله بالدقيقة والثانية والسكنة ، فنحن نعيش سيناريو دقيق مرتبط ببعضه بدقة مثل عقارب الساعة ، حتى أنك لو غيرت موضع ورقة شجر أو حرقتها بدلا من تقطيعها ، فإن هذا الفعل التافه سوف يكون له تأثيره على مستقبل دول وشعوب بأكملها ، لأنها منظومة واحدة متشابكة ومتبادلة التأثير ، ولكن أغلب البشر لا يعلمون ، بل من العجيب أن ذلك المخلوق الضعيف المسمى (ابن آدم) ، يتخيل دوما أن قادر عليها (على الأرض) ، وعندما يتأكد له ظنه أنه قادر عليها ، فسوف يباغته خالق الكون بالنهاية المحتومة ، { .. حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }يونس24 .

فما يحدث في الدنيا حولنا سواءا ما نراه أو نعلمه أو ما لانعلمه هو مقدور ومكتوب ومحسوب ومحسوم ، ولا يملك ابن آدم فيه ومنه إلا نواياه التي هو مختبر فيها ، فأنت تولد في بيئة أو مجتمع له قيمه وأصوله فيؤثر فيك ، لتختبر فيما قدر الله لك أن يتم اختبارك فيه ، ثم ترحل أو تنزل من القطار في محطتك المقدرة ، ولن تذكر من تلك الرحلة سوى نتائجها التي سوف تجدها مسطورة في كتابك صوتا وصورة حية ، ليقول لك سبحانه .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، والأغرب هو هيئة ابن آدم يومها وكينونته .

فيوم القيامة لن تكون أنت بجسدك هذا رجلا أو امرأة ، لأن النشأة الآخرة (الأخيرة) هي نشأة مختلفة عما نحن فيه الآن ، فإذا كنا دخلنا الدنيا بنشأة نفوسنا الناقصة في جسد إنسان (ذكر أو أنثى) ، فإن النشأة الآخرة لن تكون لنفس ناقصة التي بدأت بها الدنيا { … هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا }الأعراف189، بل النشأة الأخيرة ليوم القيامة هي لنفس مكتملة (مزوجة من نصفها الذي يكملها) ، والتي تناسينا بلاغ الله لنا بمشاهد يوم القيامة .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، وبالتالي فهي نشأة أخيرة أ, (آخرة) كما يقول سبحانه وتعالى {.. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وهي تلك النشأة التي ننسى فيها وبها كل ما كان لنا في الدنيا ، فيقول لنا سبحانه وتعالى .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 .

أخيرا … أخي أو أختي .. حضرتك قدامك حل من اتنين ، فإما أن تكذب كل ما أقوله لك ، أو تصدق بعضا منه ، ولن اقول لك ماذا سيحدث لو صدقتني أو لم تصدق ، ولكن الأهم أن تهتم بوصيتي لك بألا يزعجنك أي شيء مما يحدث في العالم ، أو حتى ما يحدث حولك ، فنحن في رحلة قطار ، سينزل منها كل منا في محطته ، ولا يفرق كثيرا كيف ينزل من القطار أو متى ينزل ، ولكن ما يفرق هو حال النفس عندما تنزل ومحصلة حياتها عند النزول ، خيرا أو شرا ، فالموت هو الحقيقة النسبية الأكثر ثباتا في حياتنا على الأرض ، وأقول (نسبية) لأننا نحيا مرات ومرات وليس كما يقول الجهلاء (مرة واحدة) ، ومن لا يصدقني فليسأل الله حيث يقول .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، فحياتنا في الدنيا هي حيوات مؤقتة ومكررة لاستكمال الاختبارات ، ولكنها في النهاية زائلة لا محالة ، وتبقى في النهاية حياتنا الحقيقية فقط فيما بعد يوم القيامة ، وبعد نهاية رحلات الاختبارات للنفوس سواءا في بعدنا الحالي على أرضتا التي نعرفها أو في أبعاد موازية أخرى نفقد احساسنا بوجودنا فيها ، لمجرد مغادرتها اللحظية أو الزمنية لها ، وسامحوني لو كان بعضا من كلامي غامضا ، فشرحه هنا والآن سرد يطول ، ولعل لنا لقاءا آخر نستطيع فيه أن نقول …
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر