وما أؤتيتم من العلم .. إلا قليلا (4) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند إيضاح التزوير في معنى العبادة بحصرها في أداء مناسك وشعائر الخضوع والاستقامة (الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج – ذكر الله) ، والتي هي حقيقتها في تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا من أجلها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل) كخلفاء لله عليها ، وما استتبعه من تزوير حقيقة ما يحدث بعد الموت ، وانتشار ضلالة حياة القبور ونعيمها وعذابها ، وهو ما تسبب في هلع ويأس كثير من النفوس ، وأدى لإختلال الإيمان بل وإلحاد كثير من شباب المسلمين ، خاصة في ظل تأخر وتقاعص رجال الدين عن مواكبة تطور الفكر والمفاهيم ، كنتيجة مباشرة لجمود الخطاب الديني وإصرار رجال الدين على تلقين العامة مفاهيم العلماء الأوائل وتفسيراتهم ، على اعتبار أنها قمة العلم ، ولا فرصة لبشر أن يأتي بفهم وتدبر أفضل منه ، ولا ننكر أن مفاهيم الأوائل كان معظمها مناسبا ومتوافقا مع معطيات زمنهم ، ولكنه اليوم يسبب كثيرا من الحيرة والتخبط ثم الرفض حتى لمعطيات الدين ومفاهيمه .

ولا شك أن تزوير المفاهيم كان نتيجة مباشرة لتزوير مفهوم العبادة ، وبالتالي أدى لطمس معنى الدين الحقيقي ، والذي في حقيقته هو قناعاتك الشخصية التي تحكم تعاملاتك (أفعالك ورودو أفعالك) مع حركة الحياة ، ولكننا استيدلناه بمسميات بديلة وقسمناها تبعا لأنواع الأفعال فصلناها عن معنى الدين .. كالسياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من مسميات مناحي حركة الحياة ، فأصبح الدين محصورا في مجرد مناسك الخضوع والتقرب إلى الله ببعض شعائر نقيمها في المناسبات مثل شهر رمضان والعيدين وعند الميلاد والزواج والوفاة والاحتفال بأعياد دينية بعينها مثل رأس السنة الهجرية يوم عاشوراء والمولد النبوي ، حتى أصبح الدين مجرد مظاهر وحركات وكلمات نؤديها في صلوات ومناسك ولا علاقة لها بحركة الحياة ، تماما مثلما فعل المسيحيون واليهود بدينهم ، بالرغم من أن مفهوم الدين في كتاب الله قد جاء شاملا ومحيطا ومتغللا في حركة حياة البشر ، وهو ما نفهمه من آيات مثل قوله تعالى … {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، وهنا نجد أن معنى الدين (دين القيمة) هو شيء مختلف عن الصلاة والزكاة وعامة المناسك ، فالله أمرنا أن نعبد الله بمعنى ننفذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها (نعمر الأرض كخلفاء لله عليها) ، بمعنى أن نعمر الأرض لله ، شريطة أن يكون إخلاص حركة حياتنا كاملة في إعمار الأرض هو لله سبحانه وتعالى وحده (مخلصين له الدين) ، وإخلاص الدين هنا يعني إخلاص النوايا لله في تنفيذ مهمة العبودية (العبادة) ، وبالتالي استمرار تقويم القناعات الشخصية لتتوافق مع ما أمر الله ، والمداومة على مراقبة النفس وتقويمها .

وإخلاص النوايا يعني تهذيب قناعات النفس تجاه حركة الحياة ، بمعنى أن تكون قناعات الإنسان (دينه) والتي يتصرف طبقا لها تلقائيا في تعاملاته مع حركة الحياة متوافقة مع أمر به الله ، فمثلا سوف نجد دوما هناك قناعات متناقضة في نفوس البشر تكون سببا في اختلاف وتباين تصرفات وسلوكيات البشر عن بعضهم البعض ، فمثلا .. هناك رجلا يرى (أن النساء هن ورود الحياة ومصابيح البيوت وزينة الدنيا التي يجب أن نكرمها) ، بينما يراهن آخر .. (مجرد متعة ولكنهن سبب كل المصائب في الدنيا) وتلك قناعتان متناقضتان في موضوع واحد ، وآخر يرى أن السائل (المتسول) يستحق الصدقة ولو بكلمة طيبة فكفاه ذل السؤال ، وآخر يرى أن المتسول هو نعمة أرسلها الله له ليكسبه رضا الله وحسناته ، وآخر يرى المتسول لا يستحق ويجب نهره ، وتلك قناعات مختلفة في موضوع واحد ايضا ، والبعض يرى أن احترام ولي الأمر أو كبير السن واجبة ، وآخر يرى العكس فالحاكم أو كبير السن لا يستحق الاحترام ولا الطاعة إلا لو كان يستحقها ، ويجب تحديه وانتقاده ومعارضته ، وسوف تجد من يرى أن الاختلاف في الرأي فرصة لشيء جيد ليتعلم شيئا جديدا أو يكسب ود غيره ، وآخر يرى الاختلاف في الرأي هو اعتداء عليه وبداية لشجار وخصام وربما حروب ، كل هذه قناعات نفسية شخصية وخاصة جدا بكل نفس ، وتبعا لها يتصرف الإنسان تلقائيا في تعاملاته وحركة حياته ، تلك القناعات هي (الدين) ، فمن توافقت قناعاته مع ما أمر به الله وينهي عنه ، فهو على دين الله أيا ما كان مسمى دينه وانتمائه ولونه وجنسيته ، ومن خالفت قناعاته ما أمر الله به ونهى عنه  .. فهو منحرف عن دين الله ، ومن عرف ما يأمر به الله وخالفه فهو خائن لأمانة الله ورسوله ، غير مخلص ولا مستقيم (حنيفا) مع الله في دينه ، ولذلك يقول سبحانه عن أوامره لعباده (مخلصين له الدين حنفاء) .

ولا شك أن إخلاص النوايا لا يحدث إلا لو كانت النفس سوية قدر الإمكان ، والاستواء للنفس هنا ليس مطلقا ، فلم يخلق الله نفسا كاملة معصومة ، بل خلق النفس قادرة على الاختيار ومنحها فرص للخير والشر متساويتان لقوله تعالى .. {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }البلد10 ، وقوله تعالى .. {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }الإنسان3 ، ولذلك فاستواء النفس يعني قدرة النفس على تقويم نفسها خاصة وأن الله فطر النفوس بقدرتها على مراجعة نفسها وتقييم سلوكياتها ، وهو ما يسميه سبحانه بـ (النفس اللوامة) ، والنفس في هذه الحالة تستطيع أن تراقب نفسها وتلوم نواياها وقناعاتها وتقومها ، وهذا لا يحدث تلقائيا إلا لو تم تربية النفس تربية سوية فتعتاد تقويم نفسها ، فكل إناء ينضح بما فيه ، ولذلك كانت التربية هي أهم وأخطر (عبادة) ، لأنها أهم وأخطر مهمة من مهام إعمار للأرض ،  وهي مهمة الوالدين عامة ، ولكنها مهمة العبادة (للأم) على وجه الخصوص .

فالأم هي المربي الفعلي والحقيقي للأبناء والأجيال ، ولا يمثل الأب سوى الحدود ، فوجوده ضروري وحيوي لحماية وضمان استقرار الحدود ، وأفضل الأدلة من بيوتنا على الحدود التي يصنعها وجود الأب هي تهديد الأم للأبناء بمقولة (هاقول لأبوك) ، فبرغم شيةع وبساطة الكلمة ، إلا أنها أساسية وضرورية في تربية نفوس الأبناء ، ولا ننسى أن تربية (البنت) قبل الولد تبقى وتظل هي الأهم والأخطر في تربية الأجيال لأنها الأم المستقبلية ، وعليها يعتمد استقامة وتقدم المجتمعات واستقرارها ، ولذلك جعل الله رضا الأم من رضا الله ، ولعن سبحانه العاق لوالديه ووعده بسوء الحال في الدنيا ، وعذاب شديد في الآخرة ، بل وقرن صحة الإيمان بالله وعدم الشرك به بالإحسان للوالدين .. {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ .. }الإسراء23.

ولكي يحسن الوالدين تربية نفوس الأبناء ، وضح سبحانه طبيعة خلقه للنفوس في أكثر من (420) أربعمائة وعشرين آية في القرآن العظيم ، منها (313) ثلاث مائة وثلاثة عشرة آية متفرقة في كتابه العزيز تتحدث عن النفس (خلقها – مواصفاتها – بدايتها وحركة حياتها وأحوالها ونهايتها وأمراضها وعلاجها) ، ثم ضرب سبحانه مثالا محلولا لحركات النفوس وأمراضها وعلاجها في سورة منفصلة مكونة من (111) مائة وأحد عشرة آية هي سورة يوسف ، ولولا خطورة وأهمية معرفة الإنسان لحقيقة نفسه ، ما أنزل الله في النفس ما يقارب من 7% من آيات دستوره الشامل لخلقه ، وهو أكبر عدد من الآيات في موضوع واحد في كتاب الله .

وعجبا .. عندما تتوقف عند آيات النفس في كتاب الله ، تكتشف أن البشر قد غرقوا في ضلال مبين ، خاصة المسلمون الذين اعتمدوا في علوم النفس على نظريات بشر مثلهم هم علماء النفس من الغرب ، رافضين مجرد التدبر لآيات يرتلونها ليل نهار ، واعتبروها أحجبة يتبركون بها ويكسبون بها حسنات ، وهي في الحقيقة آيات علوم الخلق التي أنزلها خالقهم لتخرجهم من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم الحقيقي ، لتعينهم على إعمار الأرض (آداء العبادة التي المهمة التي خلقهم الله من أجلها) ، وليس أعلم بالبشر سوى خالقهم من عدم .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، وللأسف .. لم نجد كتابا واحدا في علوم النفس مستمد من آيات الله ، رغم تأليف المسلمون لملايين الكتب فيما أسموه بالعلم الشرعي (الفقه) ، والذي بني على (188) مائة وثمانية وثمانين آية فقط ، والتي تساوي أقل من نصف آيات النفس (424 آية) ، بل والأعجب أن المسلمين تجاهلوا حقائق خلق الإنسان ومكوناته المذكورة تفصيلا في كتاب الله ، واتبعوا خيالات وأوهام الغرب وادعوا زورا وبهتانا أن النفس والروح هما شيئا واحدا ، .. فما هي حقيقة النفس .. ؟؟ ، وما الفرق بينها وبين الروح .. ؟؟ ، وما علاقة الجسد بكل منهما .. ؟؟ ، وماذا يحدث عند الموت لكل من النفس والروح والجسد .. ؟؟ .. هذا ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

البشر … واحتراف الضلال (1) …. بقلم : جمال عمر

قد لا تحتاج للتدبر أو التركيز لتكتشف أن حجم الضلالات والأكاذيب في العالم الذي نعيشه …

تعليق واحد

  1. تحياتي و تقديري لروعة ماتكتب
    جزاك الله كل الخير و بارك فيك
    و وفقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *