وما أؤتيتم من العلم .. إلا قليلا (3) …. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا أكذوبة حياة القبور ، والتي سيطرت على معتقدات المسلمين لأكثر من (1200) سنة ، وكيف كانت هذه الأكذوبة سببا في ضلال بل وشرك كثير من المسلمين عبر تاريخهم ، واستعرضنا آيات الله التي تثبت أن حياتك على الأرض اليوم ما هي إلا أحد حيواتك المتكررة ، والتي شاء الله تكرارها (يبدأ الخلق ثم يعيده) لكي يختبرك في كل مرة باختبارات مختلفة بمعطيات مختلفة ، حتى تعود إلى ربك وليس لك على الله حجة أو اعتراض على ظروف حياتك ، فقد منحك الله الفرصة مرارا وتكرارا وبمختلف المعطيات ، وأوضح سبب إعادتك للحياة بقوله تعالى ..  (ليجزي بالقسط) بمعنى تحري العدل في تقييم النفس ، وهو قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، ومع وضوح الآيات إلا أننا ضربنا بها عرض الحائط وسقطنا في ضلالات شيطانية جعلناها مقدسة .

واستعرضنا كيف ارتكب كثير من الأوائل جرائم كبرى في حق الدين ، وبالقطع كان للبخاري النصيب الأكبر في تثبيت وانتشار هذا التزوير ، والبخاري كما يقولون هو محمد بن اسماعيل البخاري من (بخارى – فارس) على أغلب الظن ، لاختلاف المؤرخون حول أصله ، ولكنه كما يقولون هو أول من جمع وصحح الحديث الشريف ، ليتمم أسس الدين المعروفة (القرآن والسنة) ، وتوارثنا عن كتابه (صحيح البخاري) مقولة (أنه أصح كتاب بعد كتاب الله) ، ولكننا توراثنا عن البخاري أيضا في مصر وكثير من بلاد العرب مقوله شهيرة يرددها العامة ، وذلك كلما تلقى أحدهم اللوم على خطأ فعله .. فيقول (أنا مش غلطان في البخاري) ، وقصة هذه المقولة تعود لفترة حكم االفاطميين (الشيعة) في مصر ، حيث فرضوا حفظ البخاري على الناس ، وكان عقوبة الخطأ في البخاري هو الجلد ، ولم يأتي البخاري بشرك ولا بكفر ظاهر يمكن الاعتراض عليه ، بل العكس ركز كثيرا على أحاديث الإيمان ووحدانية الله ، ومكارم الأخلاق ، ولكنه ارتكب أكبر جريمة تزوير وأهمها في تاريخ البشرية ، وهي تزوير معنى العبادة والعبادات ، والتي تبعا لها تم تزوير لمفهوم ومعنى الدين كاملا .

ففي صحيح البخاري سوف تجد أهم أبوابه هو ما أسماه باب “العبادات” ، وينقسم باب العبادات من داخله إلى أبواب لكل من (الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج – ذكر الله) ، حتى أننا اليوم وفي جميع بلاد المسلمين ندرس لأبناءنا ، هذا التقسيم للعبادات ، وكذلك يدرسون هذا التقسيم لمشايخنا في معقل الإسلام (الأزهر الشريف) ، حتى أصبح من المسلمات والبديهيات أن مفهوم (العبادة) يبدأ بالصلاة ثم الالتزام بآداء هذه الفروض ، والتقرب إلى الله يكون بالتنفل وهو زيادة الإتيان من هذه الفروض ، بما نسميها السنن النوافل ، وبمرور الزمن وانقسام المسلمين لفرق وجماعات ، زايد الجميع على بعضهم البعض ، فأصبح الدين محصورا في تنفيذ هذه الفروض ، واحتراف الأدعية والابتهال والتبتل والاعتكاف والحضرات والخلوات ، حتى ضاعت معالم الدين والعبادة الحقيقية المذكورة تفصيلا في كتاب الله .

وعجبا نجد أن الله لم يسمي هذه الفروض بالعبادات مطلقا في كتابه العزيز ، ولكنها في كتاب الله سميت هذه الفروض بالمناسك ، ، وقال سبحانه .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ .. }الحج67 ، وتنفيذ وإقامة هذه المناسك أسماه الله بالشعائر وقال فيها .. {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32 ، ولكننا صدقنا البخاري ومن واله وتبعه ، وأسميناها بالعبادات ، وبالتالي فمن فعلها فقد عبد الله ونفذ المهمة التي خلقنا الله من أجلها لقوله تعالى .. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56 ، ومن ثم أصبح لدى المسلمين جميعا يقينا أن من أتقن هذه الفروض كان وليا لله ومن الصالحين ، ووجبت له الجنة ، فركزوا عليها واهتموا بها ومنهم من تفرع لها ، وأصبحت هذه المناسك مقدمة على أي عمل في الدنيا .

بينما الحقيقة كما يوضحها سبحانه في كتابه ، أن هذه الفروض هي فقط .. مجرد مناسك الخضوع والاستقامة ترتيبا (الصلاة – الزكاة – الصيام – ذكر الله – الحج) ، والتي ما خلق الله ابن آدم من أجلها مطلقا ، فالله غني عن العالمين ، وهنا يجب أن نتوقف لنتذكر بعضا من قيم ناموس الكون ، وهو أن أية مهمة في الكون مكونة من شقين ، الأول هو مراسم المهمة ، والثاني هو واجبات والتزامات المهمة ، تماما مثلما تفعله عند الزواج ، فالخطبة ثم عقد القران ثم تجهيز المنزل والدخلة وإقامتك مع زوجتك في بيت واحد وغرفة نوم واحدة ، كل هذا مجرد مراسم زواج ، ولكنها لا تعني أنك أصبحت زوجا وراعيا مسئولا عن رعية ، لأن الغرض من الزواج ليست في تنفيذ المراسم والتي من الممكن التغاضي عن بعضا منها ، ولكن المراسم ضرورية وهامة ، فقط لتحكم وتضمن مستقبل تنفيذ واجبات والتزامات الزواج ، كذلك العبودية لله ، مكونة من مراسم العبودية ، ومهمة العبودية ، أما مراسم العبودية وهي (الصلاة والزكاة والصيام والحج وذكر الله) ، فالهدف منها هو إعلان الخضوع لله ، وضمان الاستقامة في تنفيذ مهمة العبودية والتي هي (العبادة الحقيقية) ، لأن الخالق العظيم وهو أعلم بمن خلق ، يعلم أنك لن تستقيم إلا لو أديت هذه المناسك بخضوع ، أما مهمة العبودية (العبادة) فهي تنفيذ المهام التي خلقنا الله من أجلها ، والتي أوضحها الله قبل خلق آدم ، بقوله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. }البقرة30 ، ثم أوضحها لبني آدم بقوله تعالى .. {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. }هود61 ، أي كلفكم بمهمة إعمارها ، فالعبادة الحقة هي إعمار الأرض كخليفة لله عليها .

ولأن العبادة (إعمار الأرض) هي الهدف من خلق الإنسان ، وهي مهمة جليلة كرم الله صاحبها ، فسخر له أفضل خلقه وهم الملائكة ، ليكفلوه بالرعاية والعناية طوال حياته على الأرض ، فأمرهم سبحانه ليسجدوا له .. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ .. }البقرة34 ، ويستغفرون له .. {.. وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ .. }الشورى5 ، ويحفظونه لقوله تعالى .. {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ .. }الرعد11 ، وهو ما لم يفرضه الله لخلق آخر سوى الإنسان على الأرض .

ولأن العبادة (إعمار الأرض) هي (العبادة) وهي الهدف من خلق الإنسان ، وهي مهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها ، جعل الله (الإعمار للأرض) فطرة في نفوس كل البشر ، مسلمهم ومؤمنهم وملحدهم وكافرهم ومشركهم ، أيا كان فهو يولد ولديه شغف أن يحيا ويتزاوج ويبني بيتا وحياة ويطور حياته ليحيا أفضل ممن سبقه ، ويتنافس فطريا مع غيره ليتميز عليه في الحياة ، وذلك هو عين الإعمار للأرض ، وبالتالي فكل من يحيا ويحافظ على حياته ويعمر الأرض حوله ، فهو مؤدي لمهمة العبودية ، أي هو عابد لله بفطرته ، ولذلك لا عجب لو سمى سبحانه وتعالى الكافرين بمسمى (عبادي) ، كما يقول سبحانه .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، فهم يوم القيامة ورغم أنهم انهموا حياتهم كفرة بالله ، ولكن الله يسميهم بـ (عبادي) ، لأنهم عمروا الدنيا ، فنفذوا المهمة التي خلقهم من أجلها .

ولأن العبادة (إعمار الأرض) هي (العبادة) وهي الهدف من خلق الإنسان ، أفرد الله أشد عقابا في كتابه العزيز لمن يتعمد الإفساد في الأرض ، بل اعتبر سبحانه من يفسد في الأرض كأنه أعلن الحرب على الله ورسوله ، وهي عقوبة لم يفرضها الله في أي خطيئة أو كبيرة ولا حتى الكفر بالله والشرك به ، بل وفرض الله لها عقوبة مزدوجة في الدنيا والآخرة ، وأمر البشر أن ينفذوا في المفسد تنكيلا وعذابا مفصلا ومتدرجا في الدنيا ، ليكون له خزيا في الدنيا ، ووعده بالعذاب العظيم في الآخرة ، وهو ما قاله سبحانه في آية الحرابة .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 .

ولأن إعمار الأرض هو العبادة الحقيقية ، فقد جعل الله من يتقن إعمار الأرض سيدا عليها حتى لو كان كافرا ، ولأنها العبادة الحقيقية فقد قال رسول الله للعابد المعتكف في مسجده دوما عن أخيه الذي يحتطب ويشقى في الدنيا ليعوله “أخاك أعبد منك” ، بل قال صلوات ربي وسلامه عليه “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة “نبتة” فليغرسها ، ولم يقل فليصلي أو يستغفر ، لأن إعمار الأرض هي العبادة الحقيقية المحاسبون عليها ، بل إن الله عندما ضرب مثلا لأمنيات من يموت بعد موته ، فيقول .. حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ{99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{100} ، فالأمنية الوحيدة أن يعود فقط ليعمل صالحا ، وليست الصلاة ولا الصيام عملا صالحا فهي مناسك خضوع لضمان الاستقامة ، ولكن الصدقات عمل صالح يصلح به أحوال غيره من البشر ، فيقول سبحانه .. {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ }المنافقون10 ، ولأن العبادة الحقيقية هي إعمار الأرض يقول رسول الله “لساعة يقضيها أحدكم في حاجة أخيه ، قضاها الله أو لم يقضها ، لهي أحب إلى الله من اعتكاف أحدكم في مسجدي هذا شهرا أو شهرين” .

وعندما وعى وأدرك المسلمون الأوائل هذا المفهوم للعبادة من رسول الله شفويا ، سادوا الدنيا بالعلم في أقل من مائة عام ، وظهر مئات العلماء في شتى علوم الحياة ، وهو ما دفع اليهود أن يتحركوا سريعا لإيقاف هذا المد الإسلامي ، قبل أن يتمكن في الأرض ، فيحكمهم حتى قيام الساعة ، فدخل كثير من علماء اليهود في الإسلام لتدميره ، واقتربوا من بلاط الملوك والحكام ، خاصة في العصر العباسي ، فرأينا فجأة حملة اعتقالات واغتيالات ضد العلماء ، فمات الخوازمي وابن رشد وابن سيناء والفارابي وابن حيان وعشرات العلماء في السجون بتهمة الزندقة واستخراج العلوم من القرآن العظيم ، وسرقت كتبهم وتم تهريبها للغرب .

وبالطبع اجبروا المسلمين على تصديق أكذوبة أن الدين والعبادة محصورة في المناسك التي أسموها بالعبادات ، فتحول المسلمون إلى دروايش لا قيمة لهم ، وما زال يدرس لدينا في الأزهر ، أن العلم الشرعي هو العلم المقدس ، وما دونه هو فرض كفاية ، رغم أن آيات العلوم الشرعية في كتاب الله لا تتعدي (3%) من كتاب الله ، في مقابل آيات العلوم البحتة وآيات علوم الخلق التي تتعدى (50%) من آيات القرآن العظيم ، والتي أنزلها الله لتعين ابن آدم على تنفيذ مهمته وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل ، وما زال المسلمون مؤمنون زورا وبهتانا بأن التقرب لله بالمناسك هو العبادة ، وهو ما خلقنا الله من أجله ، وهو الطريق للجنة .

وتبعا لهذا التزوير الخطير تم تزوير كثير من المفاهيم الأخرى الأساسية ، والتي على رأسها مفهوم الدين ، والذي تبعا له فسدت المجتمعات والأمم ، وكذلك كثير من المفاهيم الأساسية التي وضعها سبحانه وتعالى لتكون أسسا لحياة البشر على الأرض .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. الله يفتح عليك ياسيادة اللواء .. تحياتى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *