توقفنا سابقا عند تفنيد أكذوبة ما يحدث بعد لحظة الوفاة ، وما يدعون كذبا حدوثه بعدها من نعيم أو عذاب في القبر ، وما استتبعها من خرافات بنيت على أحاديث موضوعة وكاذبة لمخالفتها لآيات كتاب الله ، وتعمد المضللون وكثير من العلماء المتمسكين بمبدأ (النقل دون عقل) الدفاع المستميت عن ضلالات التفسير ، باعتبار كل ما فسره الأوائل مسلمات مقدسة لا يجوز معها محاولة الفهم أو إعمال العقل فيها مطلقا ، وهو ما أدى لتحول الضلالات إلى عقائد مقدسة ، يدافع عنها الجميع بتعنت بل وبشراسة كبيرة ، وكأنها أصول التوحيد والإيمان بالله ، رغم أنها بنيت على فهم مغلوط للآيات ، بل واعتمد على لي أعناق الآيات لتتوافق مع الأحاديث المكذوبة عن رسول الله ، بل وكفى كل المدعون بعذاب القبر قوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، ولو كان سيعود للقبر ما قال سبحانه .. (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ، وقوله تعالى عن لحظة الموت .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، ولو كان عودتهم للقبر لقال سبحانه وتعالى .. (ثم في القبر تمكثون قبل أن ترجعون) .

وبالتالي وجب التوقف في كتاب الله عند حديث الله المفصل عن النفس وحركاتها ودخولها وخروجها وتوفي الله لها سواء في منامها أو عند موتها ، وهو ما يكشف كذب كل أقاصيص القبر ونعيمه وعذابه ، ونبدأها بلحظة الموت التي يخاطب الله عندها ابن آدم بقوله تعالى .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، ومعنى هذا أن النفس قد تخلصت من قيود وغطاء الجسد على الرؤية ، فعند هذه اللحظة لم تعد النفس ترى فقط طبقا لقدرات الأعين الجسدية المحدودة ، والتي لا تزيد عن (400 : 700) نانوميتر ، وهو حيز ضيق وصغير جدا من حدود المرئيات في الكون لا يصل إلى واحد في المليار من حدود الموجودات ، ولذلك عند تخلص النفس من غطاء الجسد ، تصبح النفس أكبر قدرة على الرؤية آلاف المرات ، وربما ملايين المرات أضعاف ما كانت تراه بالأعين الجسدية ، وهو قوله تعالى .. (فبصرك اليوم حديد) ، وفي قوله (حديد) دقة علمية مذهلة ، فبصر النفس تخلص من سجن البصر الجسدي الترابي القدرة وهو محدود جدا ، بل وأصبح يرى بقوة الحديد مقارنة بقوة التراب .

ونتيجة لكشف غطاء البصر للنفس بتخلصها من حدود الجسد وقدراته الضعيفة ، ترى النفس ما لم تكن تراه من قبل خلال حياتها المنتهية في هذا الجسد ، فعند لحظة الموت تكتشف النفس حقيقتها ، وأهم ما تراه النفس من حقائق ، بخلاف العديد من المخلوقات كالملائكة والجان وغيرها ، ترى النفس ما أصبحت عليه نفوس سبقتها بالخروج من أجسادها ، وبالتالي تعرف حقيقة هيئاتها الجديدة المنتظرة بعد الخروج من الجسد ، وهل تلك هي آخر حياة داخل جسد بشري ؟؟ ، أم ينتظرها إعادة إنشاء في جسد جديد مرة أخرى ؟؟ ، وشروط ذلك المتعددة ، وذلك ما يشير له سبحانه في الواقعة بقوله “وننشئكم فيما لا تعلمون” ، وذلك في وصف ما سوف يحدث للنفس عند تذوق الموت {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، ويرد الله ترتيبا بالآيات على الاستفسارات المنطقية للنفس والتي تتفجر داخلها حينها ، وأولها تساؤل كل نفس عند لحظة الموت .. (كيف ستترك خلفها الدنيا وما فيها من أهلها) ، فيرد الله عليها (وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم) ، فلا يشغلنك أنك تركت خلفك أهل ووولد وزوجة وأصحاب وشئون ، فسوف يستبدلك الله بمن يحل محلك .

ثم يتفجر في النفس التي تغادر (للوفاة) السؤال المنطقي الثاني وهو (وإلى أين سأذهب أنا بعدما فقدت الجسد) ، ويرد الله سريعا في نفس الآية بقوله تعالى .. (وننشئكم فيما لا تعلمون) ، ومعنى ذلك الواضح ، أن النفس ذاهبة إلى نشأة جديدة ، وهذه النشأة الجديدة قد شاء الله أن لا يعلم ابن آدم عنها شيئا إلا بعد (وفاته) ، ويتبادر للنفس السؤال الثالث وهو .. (ما طبيعة هذه النشأة الجديدة) ، فيرد الله في سياق الآية ليؤكد أنها نشأة جديدة ، وهي مماثلة لتلك الأولى التي تخرجون منها ، بل وأنتم جميعا كبشر تعلمونها جيدا ، لأنكم ترونها كل يوم ، وتعرفونها جيدا ، فقط .. لو تذكرتم تراتيب خلق الإنسان بالحمل والولادة وهو قوله تعالى .. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وهل معنى ذلك أنها (نشأة أخرى) ؟؟ ، نعم .. هي نشأة أخرى جديدة كما يؤكد عليها سبحانه في سورة النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهي ليست النشأة الأخيرة ليوم القيامة كما يقول البعض ، لأن نشأة يوم القيامة الأخيرة يسميها سبحانه (النشأة الآخرة) ويؤكد عليها سبحانه في سورة العنكبوت .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .

وهنا يتبادر لكل نفس السؤال المنطقي الأهم .. (وهل معنى ذلك أن الله يعيد خلق النفس في جسد جديد بمعطيات أخرى مختلفة ؟؟) ، نعم .. يعيد الله خلق (إنشاء) النفس مرات ومرات .. فهذا ما يؤكده سبحانه في ستة آيات متفرقات ، في كل من سورة يونس والنمل والعنكبوت والروم ، حيث يسجل الله حقيقة إعادة إحياء النفوس مرات ومرات بقوله تعالى .. “يبدأ الخلق ثم يعيده” ، ثم يوضح سبحانه سبب الإعادة في سورة يونس بقوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، والسبب المباشر هنا هو تحري العدل (ليجزي .. بالقسط) ، وذلك بتدقيق حساب النفس في مختلف الظروف والمعطيات ، حتى لا يكون لنفس حجة على الله بأنها لم تختبر في كل حالات (مواد) الاختبارات الدنيوية الأخرى ، أو أنها ظلمت وكانت اختبارات البعض غيرها أفضل منها ، ففي كل نشأة جديدة تكون معطياته مختلفة ليستكمل اختباراته في كل أشكال الحياة ، حتى لا يكون لنفس على الله حجة عند الحساب يوم القيامة .

فمثلا .. بافتراض أن النفس جاءت الدنيا كأنثى ، وعاشت حياتها مطحونة تحت رجل سيء وظروف معيشة قاسية حتى موتها ، فلا شك أن أول سؤال سوف تسأله النفس لله تعالى هو (لماذا لم يخلقها ذكرا أو غنية ومرفهة مثل غيرها مما رأته في الدنيا ؟؟) ، ولو أن النفس ولدت في بيئة كافرة ، وماتت على كفرها ، فأول ما سوف تسأله (لماذا لم تولد مسلمة مؤمنة مثل غيرها) ، ولذلك شاء الله أن يتم إعادة الخلق للنفس في حيوات متتالية بمعطيات مختلفة في كل مرة ، هو (القسط) أي تحري العدل في تقييم كل نفس ، فكل نفس سوف تختبر كذكر وكأنثى ومؤمنة وملحدة وكافرة وغنية وفقيرة وقوية ومريضة وعزيزة وحقيرة ومعمرة وغير معمرة ، لذلك يقول سبحانه للنفوس .. {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }الحديد23 ، فكل ما تتعرض له النفوس في الدنيا هو مجرد أسئلة اختباراته المقررة عليه ، ثم يمنهانا الله عن السخرية من غيرنا من البشر بقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }الحجرات11 ، لأن ما تسخر منه هو مجرد اختبار له ، وسخريتك وشماتتك في غيرك توجب أن يضعك الله مكانه يوما ما ، ولذلك ينصحك أصحاب الحكمة عبر التاريخ في كل الملل والأديان ، أن لا تعيب على بشر نشأته أو دينه أو عقله أو حاله أو أيا من معطيات حياته أو حتى أخطاءه وجرائمه ، لأنها أقدارا مقدورة ، ومكتوب على كل نفس أن تختبر فيها .

والمتدبر لآيات الله التي يفصل فيها رحلة النفس حتى يوم القيامة ، يكتشف أنه لا وجود لأساطير القبر ونعيمه وعذابه والتي بنيت على فهم مغلوط لآيات بعينها … فمثلا .. تعمد المفسرون أن يكسروا أعناق آيات بعينها مثل آية سورة الأعراف التي يقول فيها سبحانه وتعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ }الأعراف40 ، ورغم أن الآية مجازية للدلالة على عدم قبول الله للكافر ، ويؤكدها الله بآيات أخرى تبين عدم اهتمام الله بالنفوس الكافرة يوم القيامة مثل قوله تعالى .. {.. أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }آل عمران77 ، فقوله تعالى .. (لا تفتح لهم أبواب السماء) .. تتحدث عن مشاهد البعث يوم القيامة ، إلا أنهم ادعوا زورا أن الكافر عند موته في الدنيا لا تفتح له أبواب السماء ويرد للأرض ليعذب في قبره ، وإذا صح هذا .. ؟؟ ، فلماذا يعود المؤمن للقبر كما تدعون أيضا ، بأن الله يحول قبر المؤمن إلى روضة من رياض الجنة ، فإذا كان الله يذكر إغلاق أبواب السماء في وجه الكافر فقط ، فمعنى ذلك أن أبواب السماء سوف تفتح للمؤمن ، ، فلماذا تعود نفس المؤمن إلى القبر المدفون فيه جسده مرة أخرى ؟؟ ، وماذا يحدث لو دفن معه كافر فهل تكون نفس الحفرة جحيما وروضة من الجنة في نفس الوقت ، أم تلك خيالات أفلام الرعب المقدسة .

والسؤال هنا .. ماذا لو كنا قد عشنا حياتنا كلها غارقين ومرعوبين بأكذوبة حياة القبور ونعيمها وعذابها ، وهي في الحقيقة أسطورة رومانية لآلهة الخصوبة (عشتاروت) التي اكتشفت خيانة عشيقها الإنسي لها مع إنسية ، فدفنته حيا وسلطت عليه الثعبان الأقرع الشجاع (نفس ثعبان قبور المسلمين) ليلدغه ويعذبه ، ويضربه على رأسه بمطرقة ، فيهوى في النار سبعين خريفا ، هي نفس الأسطورة بتفاصيلها التي سيطرت على فكر وقناعات كل المسلمين منذ أكثر من عشرة قرون ، وابتدعوا لها أحاديث لتثبت صدقها ، والمتدبر بحق لقيمة والهدف من أساطير حياة القبور ونعيمها وعذابها يكتشف أن المستفيد الوحيد من وجود هذه الضلالة هو إبليس وشياطينه ، فهم يسعون فقط لتخويف البشر .. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران175 ، وهدفهم هو حزن الإنسان ويأسه وقنوطه من رحمة الله .. {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. }المجادلة10 ، ولذلك يقول لهم سبحانه .. {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران139 .

وما أخطر الحزن والقنوط واليأس من رحمة الله ومغفرته ، وهو ما نراه كثيرا بين الناس ، عندما تزداد ذنوب البعض وأخطائه ، ويصدق وسواسه أن الله لن يغفر له ، أو يوقن أنه لن يعود للدنيا ولا فرصة أخرى له ، وويتيقن أن حياته هي مجرد حياة لمرة واحدة بلا رجعة ، وسوف يذوق بعدها ألوان العذاب في قبره ، حتى يصل للعذاب الأكبر يوم الحساب ، فلابد عندها أن يصل للقنوط واليأس ، وعندها لابد وأن يفجر ويحترف ارتكاب كل الخطايا والجرائم وما تشتهيه نفسه ، ويمعن في خطف كل ما تصل له يده في الدنيا بغض النظر حراما أم حلالا ، بل وبعضهم يجد من الفتاوى الشرعية ما يغلف بها شهواته ، وهو ما نراه يمارسه كل تجار الدين ، حتى ولو كانت إباحة الزنا باسم “جهاد النكاح” ، وإباحة سرقة أموال الناس باسم العشور ، واشتراكات أعضاء جماعات مثل الشيعة والإخوان ، وهكذا أصبحت ضلالات القبور ونعيمها وعذابها أساسا يبنى عليه كثيرا من الضلالات الأخرى المفسدة والخطيرة ، رغم أنه لا توجد آية واحدة تتحث عن حياة القبور ونعيمها وعذابها ، فهل من المنطق أن يتحدث سبحانه في كتابه عن كل شيء في الدنيا ، ويذكر البشر بنعيم وعذاب يوم القيامة مئات المرات في كتابه العزيز ، دون أن يحذر الناس من حياة القبور ونعيمها وعذابها ولو بآية واحدة ، وإذا كانت الحياة هي لمرة واحدة دون فرصة أخرى فلماذا يسخر سبحانه وتعالى من الكفرة ويلومهم على قولهم أنها الحياة لمرة واحدة ، وذلك في ثلاثة مواضع في سور الأنعام والمؤمنون ثم في الجاثية بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وصدق الله في قوله .. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 .

وبالتالي .. لا شك أن عملية إعادة الخلق (النشأة الجديدة) هي حقيقة أزلية ، ولكن يتهرب منها رجال الدين لجهلهم بطبيعة خلق الإنسان وخلطهم ما بين النفس والروح ، ولم يتعرض لها أيا من المفسرين ولا رجال الدين ، بل ويناورون بفنون الكلام والأحاديث حتى لا يتعرضون للإحراج على يد عقول منطقية التفكير والفهم ، ولكننا ستجد (النشأة الأخرى) هي عقيدة ثابتة في كثير من الملل الإنسانية عبر التاريخ ولكنها مختلطة ببعض الضلالات والأساطير ، مثل قول بعض الأمم خطئا عن تناسخ الأرواح ، فلا علاقة للأرواح بتكرار الحياة ، فالإنسان مجرد نفس ، بينما الأرواح هي سر الخالق في إحياء أي جماد ، وموجودة في كل جسد حي (إنسان – حيوان – نبات – حشرات -فطريات – بكتريا – خلايا أحادية) ، وبالتالي فلا علاقة لنا كنفوس بالروح مطلقا ، سوى أنها تحيي لنا الأجساد التي نستخدمها ، ولا سيطرة لنا عليها ، ولا تعامل لنا معها مطلقا ، ولكن ابن آدم يهوى الضلال ويصدق خيالات البشر ، ويتغافل عن حقائق سطرها الخالق العظيم في قرآنه العظيم ، ولذلك يظل ابن آدم جاهلا بحقيقة مصيره ، ونشئاته المتكررة ، لجهله أساسا بتركيبه الإنساني وأصل كينونته كنفس ، رغم أن الله أكد في أكثر من ثلاثمائة آية لابن آدم أنه خلقه من نفس واحدة ، وهو ما يجعل نوازع الفطرة لدى كل البشر واحدة.

ومن غير المقبول أن نقول أن هناك 40 حديثا يؤكدون حياة القبور وعذابها ونعيمها ، فالبخاري نفسه في مقدمته يقول أنه رفض أكثر من (18 ألف) ثمانية عشرة ألف حديث موضوع ومكذوب عن النبي ، ولم يقرر صحة سوى حوالي ثلاثة آلاف حديث ، وهي كل محتوى كتابه ، فإذا كانت الأحاديث المكذوبة بعد (200) سنة فقط من وفاة رسول الله ، قد بلغت (6) ستة أضعاف الأحاديث الصحيحة ، فكم عدد الأحاديث المكذوبة اليوم وبعد 14 قرنا من الزمان ، خاصة وأن رسول الله قال لنا في حديث مؤكد في البخاري نفسه .. “إذا جاءكم عني ما يخالف كتاب الله فاضربوا به عرض الحائط” ، فكيف نصر نحن أن النفوس تظل حبيسة القبور مع الأجسام المتحللة لتراب حتى يوم القيامة ، رغم أن كتاب الله يفصل رحلة النفوس بعد الموت ويتحدث عن نشأة أخرى جديدة ولها شروط ، بل ونبتدع لها نعيما وعذابات مماثلة لأساطير عشتاروت الرومانية وبطلها الثعبان الشجاع الأقرع ، ونصر على تفسيق وتكفير كل من يخالف هذا ، لدرجة أن بعضهم وصف الشيخ الشعرواي بالفسق والزندقة لأنه قال “لا عذاب إلا بعد حساب ، ولا حساب إلا يوم الحساب” ، وكذلك لم نجد عذاب القبر ونعيمه في أي ملة أو رسالة سماوية سابقة ، ولكنه فقط .. أحد ضلالات المسلمين التي سقطوا فيها وجعلوها من المقدسات .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
