وما أؤتيتم من العلم .. إلا قليلا (1) …. بقلم : جمال عمر

اتفقنا من قبل أنه .. أنا وأنت وكل البشر .. بكل ما وصلنا له من تقدم .. مجرد .. لا شيء .. ، وكلما طال بك العمر في الدنيا تكتشف ما لم يكن يخطر على بالك ، وما كنت لتفهمه ولا تتخيل حدوثه من قبل ، فكلما طال بك العمر أكثر يزداد يقينك بأن كل ما تعلمته من الدنيا مجرد لا شيء ، وهو تحديدا ما يقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ، { .. وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً .. }الحج5 ، ولكننا كالعادة لا ننتبه لما يقوله سبحانه إلا عندما تصدمنا حقيقته ، لأننا حقيقة لا ندرك معنى قوله تعالى .. { .. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فكل ما نعرفه من العلوم على الأرض حتى اليوم ، لا يزيد عن كونه قليل القليل ، كأنك تراقب مستعمرة من النمل تبني جحورها ، وهي تظن أنها قد فعلت المستحيل ، وهي لا تدري أن قليل من الماء أو صخرة صغيرة قد تحول كل هذا العالم الذي يبنونه لخراب ، وكذلك الإنسان وكل ما يصاحبه من مخلوقات تحيا على الأرض أو في جوفها ، فهم جميعا وأرضهم التي يحيون عليها لا تمثل في الكون أكثر من ذرة رمل على شاطيء بحر السديم السماوي .

ولا يصح أن نتوغل كثيرا في خلق الكون الذي لا نعرف عنه سوى قشور نبني عليها تخيلات واستنتاجات ، ولا داع لأن نذهب بعيدا قبل أن نعرف أولا “من نحن ؟؟” ، وقبل أن نغرق في البحث عن حقائق ونظريات حول غيرنا من خلق الله ، لذلك لابد وأن نبدأ بحقيقة خلق الإنسان وتركيبه وتفاعلات مكوناته ، فالإنسان مكون من نفس (هي الأصل) ، وهي التي يهبها الله جسدا حيا لتحيا به على الأرض ، فتحتله وتسيطر عليه لتستخدمه ، فلا تزيد العلاقة بينك وبين جسدك عن علاقتك بسيارتك ، التي تقودها من مقعد القيادة وأدوات القيادة ، ولكن الفارق هنا في روعة ودقة المركبة ، فمن صنع لك مركبتك هو الخالق العظيم ، وإبداعه أنه جعل العلاقة بينك وبين مركبتك سلسة ووثيقة وناعمة وفي أعلى مستويات التوافق والتناغم لدرجة أننا جميعا لا نفرق بيننا (كنفوس) وبين أجسادنا التي نحيا فيها بالإيجار ، وإيجارها هو إطعامها ونظافتها وعلاجها وحمايتها ، ومن روعة التناغم أنك تشعر بل ومتأكد أنك وجسدك جزء واحد ، ولكنه في النهاية هو وسيلة تعاملك وإحساسك وتفاعلك مع معطيات الحياة من حولك ، كما أن هذه الجسد هو وسيلة تعارف البشر فلكل إنسان مواصفات جسدية يعرفه غيره بها ، ولكنها في النهاية مجرد مطية ووسيلة تعارف تدل على صاحبها (النفس) .

ولذلك يجب أن نبدأ بالتعرف على حقيقة النفس (صاحبة الأمر) ، ثم نعود للجسد (المطية المستخدمة) ، فهذا الإنسان “النفس” يسيطر ويقود جسدا حيا (فيه روح) لأجل محدد (مسمى) ، وعندما ينتهي هذا الأجل ، سوف يسترد الخالق سر إحياء الجسد (الروح) ، وتذوق النفس آلام خروج هذه الروح من الجسد  {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، مع العلم أن النفس لم تحضر ولم تشاهد ولم تعاصر دخول هذه الروح لهذا الجسد منذ أن كان حيوانا منويا في جسد ذكر حي (فيه روح) ، وبويضة في جسد أنثى حي (فيه روح) ، ولكن الله شاء أن تحضر النفس وتذوق آلام خروج هذه الروح من هذا الجسد ، احتراما من النفس لهذا الجسد الذي استخدمته لـ (أجل مسمى) ، وعند هذه اللحظة تكون النفس قد فقدت وسيلة تعاملها مع الأحياء على الأرض ، رغم أنها تراهم وتسمعهم وتشعر بهم ، ولكن النفس عند هذه اللحظة ، تكتشف فجأة حقيقتها وكثير من الحقائق التي كانت مخفية عنها ، فسرعان ما تفقد اهتمامها بكل من حولها وهي تغادر الجسد ، خاصة وأنها قد كشف عنها غطاءها وهو قوله تعالى .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، فعند الوفاة تسترد النفس ذاكرتها عن حقيقتها التي غابت عنها طوال وجودها في هذا الجسد الذي تغادره ، وبالتالي حقيقة الحياة والموت .

فالنفس يتوفاها ربها فهي ولذلك يقول سبحانه .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالنفس لا تموت بمعنى الفناء ولكن موتها هو فقدانها الجسد الذي كانت تستخدمه وتتعامل به مع الحياة والأحياء فيها ، بمعنى خروجها منه بلا قدرة على العودة له ، ولذلك يدقق الله المعنى بقوله تعالى تذوق الموت (آلام خروج الروح من الجسد) وهو ما يقوله سبحانه .. “كل نفس ذائقة الموت” ، وتتكرر عملية توفي الله للنفس كل يوم وكلما نام الإنسان ، فيتوفى الله نفسه ، ثم يتركها لتعود للجسد ، حتى إذا انتهى أجل النفس مع الحياة ، يتوفاها الله بلا عودة للجسد ، ولا حاجة لبقاء الجسد حيا ، فيسترد الله سر إحياء الجسد (الروح) ، فيموت الجسد حرفيا ، ويبدأ في التحلل ليعود ترابا .

ولا يتحدث سبحانه عن عملية خروج الروح من الجسد مطلقا ، فالروح من أمر الله ودخولها وخروجها وحركاتها من أمر الله وحده ، فلا يذكرها سبحانه لخلقه وعبيده في كتاب العلوم الأزلي (القرآن العظيم) ، بل يتحدث سبحانه عن النفس فقط ، وبالتالي فلا صحة لما فهمناه بالخطأ ، وكان سببا في الخلط ما بين النفس (أصل الإنسان) ، وبين الروح التي هي سر الله لإحياء الجماد (الجسد) ، فملك الموت لا علاقة له بالأرواح مطلقا ، فهو يتوفى الأنفس التي انتهى أجلها ، ومعه ملائكة موكلة بهذا العمل ، فيقول سبحانه وتعالى …. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11، ولا يجوز الخلط بين توفي الله للنفوس في الدنيا عند انتهاء أجلها ، وبين توفي الله للنفوس يوك القيامة ، ففي الدنيا يؤكد سبحانه على تكرار توفيه للنفوس بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 ، وقوله تعالى .. {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }النحل70 .

ولا شك أن هناك آيات عديدة لتوفي الملائكة للنفوس في الآخرة يوم الحساب {وليس عند الموت في الدنيا} ، وتلك الآيات .. كان سوء فهمنا وتفسيراتنا لها .. سببا في الخلط بين التوفي في الدنيا والتوفي في الآخرة ، وهو ما كان سببا في كثير من الضلالات والبهتان ، وأدلة استخدمها المضللون لإثبات وجود حساب وعذاب ونعيم عند الموت وقبل يوم القيامة ، وهو ما تنفيه آيات القرآن العظيم ، وتتعدد آيات توفي الملائكة للنفوس يوم القيامة .. مثل قوله تعالى .. {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل32  ، وقوله تعالى .. {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل28  ، وقوله تعالى .. {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ }الأنفال50 ، وقوله تعالى .. { .. وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }الأنعام93 ، وقوله تعالى .. {… حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ }الأعراف37 ، وكلها آيات تتحدث عن توفي الملائكة للنفوس يوم القيامة ، تسوقهم إلى جزائهم من ربهم الجنة أو الجحيم ، ولا علاقة لهذه الآيات بتوفي النفوس على الأرض للموت ، ولا يجوز الخلط بينه وبين ما يحدث من توفي النفوس يوم القيامة .

ونتوقف هنا عند حقيقة أننا احترفنا إساءة فهم آيات الله ، لأننا لا نجرؤ على مراجعة مفاهيم العلماء الأوائل وتفسيراتهم لهذه الآيات ، والتي اعتبرناها مسلمات ، واتخذنا منها أساسيات للعقيدة والإيمان ، لأن معظم رجال الدين يرفضون مجرد التفكير أو المراجعة لتفسيرات الأوائل ، ويعتبرون مناقشتها فسقا وهرطقة ، بل والبعض يعتبر مناقشتها شركا أو كفرا بالله ، رغم أن الحقيقة هي مجرد سوء فهم ، وتفسيرات خاطئة متجاوزة لآيات واضحة ومحكمة ، بل وتفسرها آيات أخرى توضح معانيها كما عودنا الله في كتابه ، وليس هذا فقط ، بل إن إيماننا بتلك التفسيرات المغلوطة كان سببا في تصديقنا لكثير من الأساطير العجيبة مثل الثعبان الشجاع الأقرع ، والمطرقة التي يضرب بها الميت في قبره ، فيهوى بها سبعين خريفا في الأرض أو جهنم ، والقبر الذي يتحول لحفرة من حفر النار ، أو يصبح روضة من رياض الجنة ، وهو ما عاد بالمسلمين لعصور الرومان وخرافتهم ، وحياة القبور وأساطير ما وراء الطبيعة ، فثبتت كثيرا من الخرافات التي دخلت علينا ، خاصة فيما يحدث للنفس بعد الموت حتى يوم القيامة والحساب ، والذي لم يأتي موعده (بحسابات موقعنا الزمكاني) حتى اليوم ، ولنا في هذا حديثا قادما ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *