وما أؤتيتم من العلم .. إلا قليلا (1) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
27 يناير، 2022
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
895 زيارة

اتفقنا من قبل أنه .. أنا وأنت وكل البشر .. بكل ما وصلنا له من تقدم .. مجرد .. لا شيء .. ، وكلما طال بك العمر في الدنيا تكتشف ما لم يكن يخطر على بالك ، وما كنت لتفهمه ولا تتخيل حدوثه من قبل ، فكلما طال بك العمر أكثر يزداد يقينك بأن كل ما تعلمته من الدنيا مجرد لا شيء ، وهو تحديدا ما يقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ، { .. وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً .. }الحج5 ، ولكننا كالعادة لا ننتبه لما يقوله سبحانه إلا عندما تصدمنا حقيقته ، لأننا حقيقة لا ندرك معنى قوله تعالى .. { .. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فكل ما نعرفه من العلوم على الأرض حتى اليوم ، لا يزيد عن كونه قليل القليل ، كأنك تراقب مستعمرة من النمل تبني جحورها ، وهي تظن أنها قد فعلت المستحيل ، وهي لا تدري أن قليل من الماء أو صخرة صغيرة قد تحول كل هذا العالم الذي يبنونه لخراب ، وكذلك الإنسان وكل ما يصاحبه من مخلوقات تحيا على الأرض أو في جوفها ، فهم جميعا وأرضهم التي يحيون عليها لا تمثل في الكون أكثر من ذرة رمل على شاطيء بحر السديم السماوي .

ولا يصح أن نتوغل كثيرا في خلق الكون الذي لا نعرف عنه سوى قشور نبني عليها تخيلات واستنتاجات ، ولا داع لأن نذهب بعيدا قبل أن نعرف أولا “من نحن ؟؟” ، وقبل أن نغرق في البحث عن حقائق ونظريات حول غيرنا من خلق الله ، لذلك لابد وأن نبدأ بحقيقة خلق الإنسان وتركيبه وتفاعلات مكوناته ، فالإنسان مكون من نفس (هي الأصل) ، وهي التي يهبها الله جسدا حيا لتحيا به على الأرض ، فتحتله وتسيطر عليه لتستخدمه ، فلا تزيد العلاقة بينك وبين جسدك عن علاقتك بسيارتك ، التي تقودها من مقعد القيادة وأدوات القيادة ، ولكن الفارق هنا في روعة ودقة المركبة ، فمن صنع لك مركبتك هو الخالق العظيم ، وإبداعه أنه جعل العلاقة بينك وبين مركبتك سلسة ووثيقة وناعمة وفي أعلى مستويات التوافق والتناغم لدرجة أننا جميعا لا نفرق بيننا (كنفوس) وبين أجسادنا التي نحيا فيها بالإيجار ، وإيجارها هو إطعامها ونظافتها وعلاجها وحمايتها ، ومن روعة التناغم أنك تشعر بل ومتأكد أنك وجسدك جزء واحد ، ولكنه في النهاية هو وسيلة تعاملك وإحساسك وتفاعلك مع معطيات الحياة من حولك ، كما أن هذه الجسد هو وسيلة تعارف البشر فلكل إنسان مواصفات جسدية يعرفه غيره بها ، ولكنها في النهاية مجرد مطية ووسيلة تعارف تدل على صاحبها (النفس) .

ولذلك يجب أن نبدأ بالتعرف على حقيقة النفس (صاحبة الأمر) ، ثم نعود للجسد (المطية المستخدمة) ، فهذا الإنسان “النفس” يسيطر ويقود جسدا حيا (فيه روح) لأجل محدد (مسمى) ، وعندما ينتهي هذا الأجل ، سوف يسترد الخالق سر إحياء الجسد (الروح) ، وتذوق النفس آلام خروج هذه الروح من الجسد {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، مع العلم أن النفس لم تحضر ولم تشاهد ولم تعاصر دخول هذه الروح لهذا الجسد منذ أن كان حيوانا منويا في جسد ذكر حي (فيه روح) ، وبويضة في جسد أنثى حي (فيه روح) ، ولكن الله شاء أن تحضر النفس وتذوق آلام خروج هذه الروح من هذا الجسد ، احتراما من النفس لهذا الجسد الذي استخدمته لـ (أجل مسمى) ، وعند هذه اللحظة تكون النفس قد فقدت وسيلة تعاملها مع الأحياء على الأرض ، رغم أنها تراهم وتسمعهم وتشعر بهم ، ولكن النفس عند هذه اللحظة ، تكتشف فجأة حقيقتها وكثير من الحقائق التي كانت مخفية عنها ، فسرعان ما تفقد اهتمامها بكل من حولها وهي تغادر الجسد ، خاصة وأنها قد كشف عنها غطاءها وهو قوله تعالى .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، فعند الوفاة تسترد النفس ذاكرتها عن حقيقتها التي غابت عنها طوال وجودها في هذا الجسد الذي تغادره ، وبالتالي حقيقة الحياة والموت .

فالنفس يتوفاها ربها فهي ولذلك يقول سبحانه .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالنفس لا تموت بمعنى الفناء ولكن موتها هو فقدانها الجسد الذي كانت تستخدمه وتتعامل به مع الحياة والأحياء فيها ، بمعنى خروجها منه بلا قدرة على العودة له ، ولذلك يدقق الله المعنى بقوله تعالى تذوق الموت (آلام خروج الروح من الجسد) وهو ما يقوله سبحانه .. “كل نفس ذائقة الموت” ، وتتكرر عملية توفي الله للنفس كل يوم وكلما نام الإنسان ، فيتوفى الله نفسه ، ثم يتركها لتعود للجسد ، حتى إذا انتهى أجل النفس مع الحياة ، يتوفاها الله بلا عودة للجسد ، ولا حاجة لبقاء الجسد حيا ، فيسترد الله سر إحياء الجسد (الروح) ، فيموت الجسد حرفيا ، ويبدأ في التحلل ليعود ترابا .

ولا يتحدث سبحانه عن عملية خروج الروح من الجسد مطلقا ، فالروح من أمر الله ودخولها وخروجها وحركاتها من أمر الله وحده ، فلا يذكرها سبحانه لخلقه وعبيده في كتاب العلوم الأزلي (القرآن العظيم) ، بل يتحدث سبحانه عن النفس فقط ، وبالتالي فلا صحة لما فهمناه بالخطأ ، وكان سببا في الخلط ما بين النفس (أصل الإنسان) ، وبين الروح التي هي سر الله لإحياء الجماد (الجسد) ، فملك الموت لا علاقة له بالأرواح مطلقا ، فهو يتوفى الأنفس التي انتهى أجلها ، ومعه ملائكة موكلة بهذا العمل ، فيقول سبحانه وتعالى …. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11، ولا يجوز الخلط بين توفي الله للنفوس في الدنيا عند انتهاء أجلها ، وبين توفي الله للنفوس يوك القيامة ، ففي الدنيا يؤكد سبحانه على تكرار توفيه للنفوس بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 ، وقوله تعالى .. {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }النحل70 .

ولا شك أن هناك آيات عديدة لتوفي الملائكة للنفوس في الآخرة يوم الحساب {وليس عند الموت في الدنيا} ، وتلك الآيات .. كان سوء فهمنا وتفسيراتنا لها .. سببا في الخلط بين التوفي في الدنيا والتوفي في الآخرة ، وهو ما كان سببا في كثير من الضلالات والبهتان ، وأدلة استخدمها المضللون لإثبات وجود حساب وعذاب ونعيم عند الموت وقبل يوم القيامة ، وهو ما تنفيه آيات القرآن العظيم ، وتتعدد آيات توفي الملائكة للنفوس يوم القيامة .. مثل قوله تعالى .. {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل32 ، وقوله تعالى .. {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل28 ، وقوله تعالى .. {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ }الأنفال50 ، وقوله تعالى .. { .. وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }الأنعام93 ، وقوله تعالى .. {… حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ }الأعراف37 ، وكلها آيات تتحدث عن توفي الملائكة للنفوس يوم القيامة ، تسوقهم إلى جزائهم من ربهم الجنة أو الجحيم ، ولا علاقة لهذه الآيات بتوفي النفوس على الأرض للموت ، ولا يجوز الخلط بينه وبين ما يحدث من توفي النفوس يوم القيامة .

ونتوقف هنا عند حقيقة أننا احترفنا إساءة فهم آيات الله ، لأننا لا نجرؤ على مراجعة مفاهيم العلماء الأوائل وتفسيراتهم لهذه الآيات ، والتي اعتبرناها مسلمات ، واتخذنا منها أساسيات للعقيدة والإيمان ، لأن معظم رجال الدين يرفضون مجرد التفكير أو المراجعة لتفسيرات الأوائل ، ويعتبرون مناقشتها فسقا وهرطقة ، بل والبعض يعتبر مناقشتها شركا أو كفرا بالله ، رغم أن الحقيقة هي مجرد سوء فهم ، وتفسيرات خاطئة متجاوزة لآيات واضحة ومحكمة ، بل وتفسرها آيات أخرى توضح معانيها كما عودنا الله في كتابه ، وليس هذا فقط ، بل إن إيماننا بتلك التفسيرات المغلوطة كان سببا في تصديقنا لكثير من الأساطير العجيبة مثل الثعبان الشجاع الأقرع ، والمطرقة التي يضرب بها الميت في قبره ، فيهوى بها سبعين خريفا في الأرض أو جهنم ، والقبر الذي يتحول لحفرة من حفر النار ، أو يصبح روضة من رياض الجنة ، وهو ما عاد بالمسلمين لعصور الرومان وخرافتهم ، وحياة القبور وأساطير ما وراء الطبيعة ، فثبتت كثيرا من الخرافات التي دخلت علينا ، خاصة فيما يحدث للنفس بعد الموت حتى يوم القيامة والحساب ، والذي لم يأتي موعده (بحسابات موقعنا الزمكاني) حتى اليوم ، ولنا في هذا حديثا قادما ..
جمال عمر