رغم أنف العالم .. مصر قادمة ، قادمة بحقها في الدور التاريخي للبشرية ، قادمة بقدرات شعبها والمتراكمة والجبارة والمكبوتة منذ قرون طويلة ، قادمة بأصولها وثرواتها وملكات أبنائها ، قادمة بتراثها وحاضرها ومستقبلها المسطور من قبل البشر ، وليس هذا حلما ولا مجرد أماني ولا خيالات العشق لهذا الوطن ، بل هي حقيقة تسطرها تراتيب الأحداث ، خاصة خلال وما بعد ثورات الربيع العبري ، وفشلها الذريع في إخضاع وتفكيك مصر مثل أخواتها كما كان مخطط لها ، والتي ثارت لتنفض عن كاهلها حشرات التاريخ البشري المسماة بـ (إخوان المسلمين الماسونية” ، ولم ينخدع شعبها باسم الدين كغيرها ، وكانت أبرز علامات ذلك أن سخر الله لها من يقود مسيرتها في أحلك أزمات التاريخ ، وينقذها من التقسيم والضياع ، ويحولها لقوة كبرى في سنوات قليلة ، وهو ما يبهر الأعداء والمتربصين قبل أهلها ، وتثبته شهادات المراقبين والمحللين .

ولا ضرر ولا ضرار من غفلة بعض شعبها ، ونسيانهم ما كنا على حافته ، وغفلتهم عما يحاك لهم ويدبر لهم في الخفاء والعلن من مؤامرات ، فكل الشعوب عادة ما يكون فيها أمثال هؤلاء المنتمين لفئات القطيع ، لا يعنيهم إلا أن يأكلوا ويتمتعوا وينهلوا من خيرات أوطانهم ، ولو على جثث غيرهم من البشر ، فوجود أمثال هؤلاء هو ضربا من ضروب حكمة الخالق في خلقه ، مثل وجود الليل لنعرف قيمة النهار ، وليس غريبا أن يكون منهم من له صوت مسموع بين الناس مثل كثير من بغبغاوات الإعلام ، الذين يرددون شعارات من يدير عقولهم ويمول وجودهم على واجهات الإعلام ، ويعزز وجودهم بتدخلات سياسية ، مطالبين بقيم براقة المسميات وخادعة المضمون مثل الحرية و”حقوق الإنسان” .

حقوق الإنسان التي صدعوا رؤوسنا بها ، وصوروا لنا أنها شيئا مخالف لما نعرفه ، خاصة دكاكين وحوانيت حقوق الإنسان الممولة من الغرب وأمريكا ، فلا يوجد بشر لا يعرف حقوقه كإنسان ، والتي تبدأ بحقوقه في الحياة بكرامة وآمان ، بداية من حقه في العمل والتنقل والفكر ، ولكن .. قبل أن تصل حقوق الإنسان لما يسمونه بـ “حرية التعبير” ، ألا يجب أن يكون صاحب الرأي مثقف مستنير وأمين فيما يقوله ، أم هي تفجير لغوغاء القطيع والتي تنتهي بدمار أمة مثل ما نراه اليوم حولنا كمثال محلول ، ثانيا وهو الأهم .. أليس علاج الملايين من مرض مزمن مثل “فيروس سي” هو من أفضل حقوق الإنسان وله أولوية على كل موضوع ، ولنسأل أنفسنا .. من في العالم عالج ملايين شعبه مجانا ، ومن هي الدولة التي نفذت مشروع مثل (100 مليون صحة) عبر تاريخ البشرية ، ومن هي الدولة التي اقتحمت كارثة العشوائيات على أرضها بمثل هذه القوة والإيجابية ، مع العلم أن دولا كبرى مثل فرنسا لديها سبعة ملايين يعيشون في العشوائيات ، وأمريكا نفسها بها أكثر 25 مليون شخص يعيشون في عشوائيات تحت خط الفقر ومنهم أكثر من ثلاثة ملايين ينامون تحت الكباري في نيويورك وحدها ، فأين حقوق الإنسان لهؤلاء ، أم حقوق الإنسان لا يعرفونها إلا لعملاءهم من المجرمين والإرهابيين الذين يخربون الأوطان لحسابهم .

ثانيا .. هل حرية التعبير للبعض ومعظمهم من الممولين والعملاء والمغيبين ، هي أهم من حق الغالبية العظمى في الحياة الكريمة آمنين ؟؟ ، بمعنى أنك معترض وتريد أن تتظاهر وتغلق الشوارع وتعطل العمل والإنتاج والدراسة وتصيب الحياة بالشلل ، فقط من أجل أن يستجيبوا لرأيك مرغمين ، ولا اعتبار لمخاطر توقف الحياة الذي يهدد حياة الغالبية العظمى من الشعب ، أم من الأولى أن نتذكر .. أن حريتك كإنسان تتوقف عند حدود حقوق وحرية الآخرين ، فمن حقك أن تعترض وتخالف ، ولكن ليس من حقك أن تمارس اعتراضك بما يحرمني من حقي في الأمان والحياة الكريمة بالغذاء والتعليم والعلاج والسكن ، نعم .. من حقك أن تخالف وتعترض كيفما شئت ، ولكن ليس من حقك التعرض لحقوقي أو لقمة عيشي أو معتقداتي وكرامتي ، ومن يتخيل خلاف هذا فهو مغرض أو متآمر أو أحمق متغابي يجب ردعه بما يوازي تهديده لحياة غيره .

نعم .. من حق أي إنسان أن يعتقد ما يشاء ، ولكن ليس من حقه أن يفرض فكره ومعتقداته على غيره جبرا أو بالقوة ، أو بالتظاهر وقطع الطرق وتعطيل أرزاق غيره من البشر ، أو تخريب منشأة هي مصدرا لرزق غيره من البشر ، نعم .. من حقك أن تكره ولكن ليس من حقك أن تسب أو تلعن أو تحقر من يخالفك ، أو تدعي عليه كذبا وافتراءا لتشوه صورته ، لأن حقوقك لا تعني إهدار حقوق غيرك ، وحريتك لا تعني خسارتي لحقوقي ، خاصة لو كانت حريتك سوف يدفع ثمنها شعبا أو مجتمعا بأكمله ، مثلما رأينا كيف دفع السورييون والعراقيون واليمنيون والسودانيون والليبيون والتونسيون ثمن حرية البعض من الممولين ، تحت شعارات الحرية والديموقراطية ، وكيف تآمرت دول كبرى كأمريكا والغرب ودربت شبابا ودفعتهم لإشعال الثورات ، وأسمتها ثورات الربيع العربي ، والنتيجة شعوبا مشردة في معسكرات اللاجئين ، ودولا كانت قوية تتهالك وتتفكك وتقسم لكيانات متناحرة تماما مثلما تم التخطيط لها بواسطة برنارد لويس (مهندس سايكس بيكو 2) ، والتي لم يستحوا من إعلان ذلك ، بل وتسريب وثاقها كاملة ، معلنين أن العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا فهم لا يعملون .

ولذلك عار عليهم جميعا أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان ، لمن حاول هدم وطن مثل مصر ، ومن يحرض على تخريبها ونشر الفوضى وتكدير السلم العام لشعب ما زال يجاهد ليقف على قدميه بعد تورطه في ثورات الربيع العبري ، وبعد أن تخلص من عملاء الغرب “إخوان المسلمين” ، وعار عليهم أن يطالبوا بحقوق المجرمين على حساب حقوق شعب بأكمله ، وعار عليهم أن يكرروا ترديد هذه الاسطوانه المفضوحة والفاشلة مرة ثانية ، فمصر لن تصبح العراق ولا سوريا ولا ليبيا ولا السودان ، ولن تسقط مصر في فخ الديموقراطية مرة أخرى ، وكفانا أننا ما زلنا نحارب فسادا صدروه لنا واستشرى منذ أكثر من نصف قرن ، وخرابا اقتصاديا أنهك كاهل المصريين لعقود طويلة ، وما زلنا نبني دولة تهالكت عبر سنوات طويلة ، وكفانا حماقة في تصديق أكاذيب الغرب وشعاراتهم الجوفاء والتي لا وجود لها في بلادهم ، ولا يسمحون بها من قريب أو بعيد .

ولعلنا نذكر جيدا مقولة صارخة تقول .. “عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فلا تحدثني عن حقوق الإنسان“ .. جملة شهيرة قالها يوما رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كاميرون” في عام 2011م ، بعدما أمر بإطلاق الرصاص الحي على مظاهرات عمال المناجم وسقط أكثر من ستين قتيلا ومئات المصابين ، ولم يكتف بهذا بل أمر بمحاكمة عاجلة لأكثر من (650) شخصا ، وتمت محاكمات سريعة استمرت ليلا ونهارا انتهت في أقل من أسبوع وسجنت أكثر من (200) مئتي شخص ، وفرض حظر التجول وإجراءات مشددة حتى تم إخماد إضراب وتظاهرات عمال المناجم ، وكذلك بعدها بسنوات قليلة عندما تعرضت بريطانيا لحادث إرهاب فردي في يونيو 2017م ، قالت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي ، إنها “ستمزق” قوانين حقوق الإنسان في بلادها من أجل محاربة الإرهاب ، بما يسهل ترحيل أو فرض قيود على حركة من يشتبه بأنهم متشددون ، ممن لا تتوافر أدلة كافية لمحاكمتهم ، فهل هم أوعى وأحرص على بلادهم منا أم هو الكيل بمكيالين كالعادة .

أما عن بلاد العم سام (أمريكا) أرض الحريات ومرتع دكاكين حقوق الإنسان ، فحدث ولا حرج عن عدد المختفين قسريا بواسطة أجهزة الأمن الأمريكية التي بلغ عددها (17) سبعة عشرة جهازا أمنيا ، منها (8) ثمانية أجهزة عسكرية ، وتسعة أجهزة مدنيه لها سلطة القبض والاحتجاز والاعتقال لمن تشتبه فيهم على الأرض الأمريكية وخارجها بلا حدود أو قيود ، وكفى أن تعرف عدد المعتقلين بلا محاكمات في معتقل جوانتنامو في القاعدة الأمريكية جنوب شرق كوبا قد تجاوز الألفي شخص ، وجميعهم أشخاص مصنفين كإرهابيين لدى الحومة الأمريكية ، وهو معتقل لا يخرج منه إلا الأموات ، أو من يقبل العمل كعميل أمريكي في بلاده ، مثل من يحكمون أفغانستان اليوم ، فجميعهم ممن تربوا لسنوات طويلة كمعتقلين في جوانتنامو ، ولا عجب أن يتم القبض على ستة من أعضاء الكونجرس في أحد المظاهرات لتجاوزهم الرصيف المسموح بالتظاهر عليه ونزولهم لعرض الطريق ، وتم احتجازهم لأكثر من 48 ساعة ، قبل نجاح وساطة الكونجرس للإفراج عنهم على ذمة قضية أمن قومي ، ولكن في مصر يطالبون بحرية من حرض وخطط لقتل ضباط الجيش والشرطة ، وتزعم نشر الفوضى والعصيان المدني لشل الحياة في مصر ، ولا مانع أن تطالب أمريكا بالإفراج عن قيادات إخوانية ، ضبط في بيوتها مليارات الدولارات والأسلحة والمخططات لعمليات إرهابية ، باسم حرية التعبير والمعارضة السياسية .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
