الأبراج والفلك .. بين الحقيقة والضلال .. بقلم جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
13 يناير، 2022
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
743 زيارة

لا شك أن كثير من البشر يعتقد بصدق التنبؤات الفلكية أو تنبؤات المنجمين السنوية ، وينتظرها وربما يبني عليها مخططاته المستقبلية كاملة ، خاصة بعض النساء اللاتي لا يجدن حرجا في الإيمان المطلق بالأبراج وحظوظها المتوقعة ، بل إن كثيرا من السياسيين ورجال الأعمال في العالم يثقون بشدة في توقعات الفلك المنتظرة ، بل إن بعضهم له مستشار خاص لحسابات الفلك وما يقوله الطالع ، ناهيك بالطبع عن تفشي هذا اليقين بين الفنانين والفنانات في مختلف بقاع الأرض على نطاق واسع ، ويبقى المواطن البسيط الذي قد يصدق وقد لا يصدق ولكنه يحرص أن يعرف ما يقوله الطالع ، رغم علمه أن تصديق المنجمين هو كفر بدين الله ، كما يقول خاتم المرسلين ، ولكنهم يدعون أنه على سبيل التسلية والعادة ، وهو ما يفرض علينا أن التعرض لهذا بموضوعية وحياد .

لا شك أيضا أن الله خالق كل شيء في كونه ، وأن كل شيء خلقه سبحانه يخضع لمنظومة متكاملة ومتبادلة التأثير ، بداية من الذرة والجزئ والخلية الأحادية ، ومرورا بخلق البشر إلى أكبر وأعقد خلقه في الكون تركيبا ، فلا شيء في خلق الله عشوائيا أو عبثيا .. {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 ، ولا توجد فوضى في نظام الخلق كاملا .. {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ }الأنبياء16، فلا تتخيل مثلا أن تعطل سيارتك فجأة لا علاقة له بقطع أحد الأشخاص لورقة شجر في الصين ، أو حتى ابتسامة ولدك الصغير لك صباحا ليس لها علاقة باشتعال الحرائق بغابات استراليا ، أو حتى صراخك في وجه زوجتك لا علاقة له بحادث تحطم طائرة في نيوزيلندا ، على العكس تماما ، فكل ما في الكون منظومة مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا ، وتتبادل التأثيرات بدقة متناهية ، حتى وإن كان عقلك المحدود القدرات والاستيعاب لا يستطيع إدراك ذلك ، فكل ما في الكون مخلوق بحساب محكم ودقيق ، ومرتبط ببعضه ارتباطا شديد الدقة .. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر49 .

وبمنتهى البساطة .. قد تستطيع أن توقن أن السماء سوف تمطر لو غابت الشمس وتلبدت السماء بالغيوم والسحاب الأزرق أو الرمادي ، ثم سمعت صوت الرعد ورأيت البرق يخطف بصرك ، وتلك هي مقدمات ، تماما كما عودنا سبحانه أن لكل شيء مقدمات ، كما تستطيع التنبوء ببركان يقترب من الانفجار لو ارتفعت درجة حرارة التربة أو المياه في البرك والمستنقعات القريبة ، أو رأيت دخانا يتصاعد من الأرض ، وكذلك نستطيع التنبأ بالأعاصير والزلازل وغيرها من الظواهر الطبيعية ، لأنها منظومة دقيقة ، وهو ما مكن البشر من حسابات المناخ وتحديد الفصول وما يعتريها من تقلبات ونوات وكوارث طبيعية تضرب بعض المناطق على الأرض ، وذلك من دراسة تأثيرات الأشياء على بعضها في طبقات الأرض أو الجو المحيط بها .

وبالتالي بنفس الأسلوب والطريقة يمكن متابعة تأثيرات حركة الأجرام السماوية على الأرض ، وعلى سكانها وظواهرها الطبيعية ، وكذلك على تفاعلات وردود أفعال المخلوقات على الأرض من جراء حركة الأجرام السماوية ، فمثلا نعرف جيدا أن أخطر الأيام على صحة الإنسان هي أيام اكتمال القمر أو ما يسميها المسلمون بالأيام البيض في كل شهر قمري ، وهي ليالي اكتمال ظهور القمر ويتواجد في السماء طوال الليل (وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) وقيل أنه سُمِّيت بِيضا لابيضاضِها ليلًا بالقمر ونهارًا بالشّمس ، ففي تلك الأيام يكون المد في البحار والمحيطات في أعلى درجاته وقيمه ، وكذلك تكون حالة الفوران والمد في سوائل جسد الإنسان ، لدرجة أن كثيرا من الناس يتأثر بشدة في تلك الأيام ، ولذلك يقول علماء الطب الحديث أنه يفضل الصيام في هذه الأيام .

وليس هذا فقط ما يؤثر على الإنسان ، بل إن لكل جسد مخلوق على الأرض ، دورات صعود وهبوط شهرية ، وتلك التي اكتشفها اليابانيون ويتابعها كل أصحاب الجنس الأصفر ويتابعها الغرب الآن بدقة خاصة للعاملين في الوظائف الحساسة ، كأجهزة المخابرات والقوات الجوية للطيارين ورواد الفضاء ، فدورة الجسد 23 يوما والتي في قمتها تشعر أنك تستطيع أن تفعل أي مجهود بدني ، وفي قاعتها تخشي نزول السلم ، ودورة العقل 32 يوما وفي قمتها تشعر أن تستطيع حل أي مشكلة ، وفي قاعها تخشي التعرض لأي مشكلة تحتاج للتفكير ، ثم الدورة الثالثة والأهم والتي يعتبرها البعض محصلة للدورتين السابقتين ، وهي ما يسمونها بالدورة النفسية أو العاطفية ، هي دورة قمرية مدتها 28 يوما ، وتبدأ الدورات مع الإنسان منذ يوم مولده ، وتعيد ترتيبها مرات ومرات بالحوادث الكبرى مثل الإصابة بالأمراض الحادة ، أو التعرض للحوادث الكبيرة ، فتجد الإنسان في قمة دورته في غاية النشاط والقوة والذكاء والتقبل العاطفي ، وفي قاع الدورة يكون ضعيفا ومحبطا وفي قمة غباءه الاجتماعي والنفسي ، وتظهر الدورات بوضوح في أبسط صورها المعروفة في الدورة الشهرية للإناث ، وتستخدم الفرق الرياضية الصينية واليابانية حسابات هذه الدورات لكل لاعب بها ، لتحديد الأيام التي يمكن الحصول على أكبر نتائج من اللاعبين ، وتلك أحد أسرار تفوق اللاعبين والفرق الصينية واليابانية في الدورات الأوليمبية .

ولا ننكر أن بعض الناس تستطيع أن ترى في مزاجه الخاص ملامح ما سوف يحدث من حوله ، وهي قدرة متوفرة لكثير من الناس ، إن لم يكن جميعهم خاصة السيدات أصحاب الرؤى النفسية الراقية ، مثلما أحيانا تجد نفسك مهموما دون سبب ، ولا تعرف سببا محددا للإحباط الذي يعتريك ، ثم فجأة تسمع خبرا مؤسفا ، أو تتعرض لحادث مؤلم أو غير سار ، وتلك ما يسميه البعض بالحاسة السادسة ، وهذا كلاما تقريبيا ، فالحقيقة أن نفسك ترى دون عيون ما يقترب توقيت حدوثه وسوف يحدث بعد فترة ، وهو ببساطة إدراك للنفس لتتابعات منظومة حركة الحياة الدقيقة ، فالجسد البشري محدود بحدود المكان والزمان ، ولكن النفس (أصل الإنسان ولبه) لا يوقفها حدود المكان والزمان مطلقا ، والمشكلة الوحيدة هو اختلاط تخيلات ورؤى الرغبات والشهوات ووسوسة القرين مع حقائق تراها النفس ، خاصة لو كانت غير مقبولة من النفس ، ولا تتضح رؤى النفوس إلا بالتقدم في السن وازدياد الحكمة وارتفاع معدلات الاستغناء والاكتفاء في النفس البشرية .

ومن دقة منظومة الكون وتأثيرات الأجرام السماوية على المخلوقات في الأرض ، تعلم ابن آدم متابعة ارتباط مواقع الأجرام بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة للأرض ، ووجدوا علامات واضحة تربط ما بين الأحداث الجسام والخطيرة على الأرض وبين تواجد أجرام بعينها في مواقع محددة ، ومن هذا ظهر ت علوم الفلك والتنجيم ، ولكن المتبحرين في هذه العلوم يعلمون جيدا ، أنهم لا يملوكن الحقيقة مطلقا ، ولكنهم يرون ما هو متوقع بنسبة كبيرة ، فلا شيء مما يرونه مؤكد وقاطع ، بل إن بعضه يختلط عليهم زمنيا ومكانيا ، ولكنهم يعطون خطوطا عريضة بنسبة مقبولة لدى البعض ، فهم لا يرون إلا ما كتب الله لهم أن يرونه ، وما يرونه قد يكون ظلالا لأحداث مماثلة قد حدثت منذ قرون أو حتى حقب كبيرة مضت أو ما زالت بعيدة في حسابات المستقبل ، بل والأخطر أنها ربما تكون أحداثا لبعد زمني مختلف عن البعد الزمني الذي نحيا فيه على هذا الجزء من أرض الله ، والأبعاد الزمنية هي ببساطة ما تجعلك تستيقظ يوما وأنت واثق أن هناك حياة مماثلة في مكان وزمان آخر قد زرته خلال نومك ، ولكنك لا تستطيع مناقشته مع أحد .

أما عن الأبراج وطبائع البشر ومستقبلها ، فهذا خداع كبير يمارسه أصحابه ، فنعم هناك تأثير لتوقيت ميلاد الإنسان على طبائعه وسلوكياته وبالتالي مستقبله ، ولكن ليس فقط توقيت ميلاده هو المؤثر ، بل هناك سبعة عوامل أساسية تؤثر بشدة في طبائع البشر وسلوكيات ومستقبل البشر ، أولها .. ماضيه قبل أن يولد فهو لم يأتي من عدم ، ولا علم له به ، إلا أنك سوف تجده كبقايا نفسية واضحة في كل نفس متعلقة بماضيها ، ويكون واضحا في أصحاب العقد الغير مسببة ، مثل من يكره الماء أو ترعبه الأماكن المرتفعة بلا سبب ، أو من يكره الزواج بلا سبب ، وثانيها .. نوعه (ذكرا أو أنثى) حيث تفرض الهرمونات رغبات وشهوات وسلوكيات بعينها ، وثالثها .. الجينات الوراثية التي جاءت لجسده من والديه ، ورابعها .. معطياته الشخصية (نفسا وجسدا) ، وخامسها .. كيفية تربيته ونشأته ، وسادسها .. الظروف والأحداث المحيطة بحياته ، وسابعها .. توقيت ميلاده (وهو تابع لتوقيت تلقيح البويضة بواسطة الحيوان المنوي) ، ولذلك وبالرغم من صدق متابعة المنجمون لحركة الأجرام السماوية ، إلا أنه دوما هناك اختلافات جوهرية ما بين النفوس ويتحكم في ذلك نوايا النفس ، فلا تتفق نوايا البشر بتفاصيلها مع بعضهم البعض مطلقا ، فنوايا النفوس لا تبنى على العوامل فقط ، ولكن تحركها آلاف بل ملايين العوامل الخارجية والداخلية ، لدرجة أن نوايا البعض قد تتغير جذريا لو أحس بألم في أصبع قدمه أو صداعا في رأسه ، أو تذكر شيئا يخطف قلبه مثلا .

وذلك إعجاز الله في خلقه ، واستئثاره وحده بمقدرات خلقه في حياتهم من قبل ومن بعد ، فهو وحده من يستطيع خلق الأسباب وتجميعها حول عبده ، وهو وحده الذي يستطيع تغيير المعطيات حول الإنسان فيتغير قدر الإنسان بها ، ولا يقبل سبحانه تدخل عباده في قدره وما كتبه على خلقه ، ولذلك وبالرغم من صدق المنجمون في بعض ما يقولونه ، إلا أن ذلك لا يحدد مدى تأثيره الحقيقي على ابن آدم ، فقد يصيب الزلزال بيتا تسكنه ، فتتغير معالم حياتك بالكامل بعدها لأفضل وأروع مما كنت تحلم به ، لأنك لا تعلم الحقيقة كاملة عبر الزمان والمكان ، وبالتالي فلا يجوز التصديق بما يقولونه مطلقا ، وصدق رسول الله في قوله .. “كذب المنجمون ولو صدقوا” ، وصدق في قوله .. “من آتى منجما وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد” .

أخيرا .. خلق الله النفوس ومنحها أجسادا لتحيا بها على الدنيا ، وجعل لها مقدرات تتناسب مع المهمة العامة وهي إعمار الأرض ، ولكنه اختص كل نفس بمعطيات تتناسب مع المهمة الخاصة التي جاء للدنيا لتنفيذها ، فلم يخلق الله شيئا عبثا أو بلا هدف أو غرض محدد ، ولا طائل ولا عائد من معرفة الطالع وما تخبئه الأيام القادمة ، بل إنه من أروع متع الدنيا أن لا يعرف ابن آدم ما سوف يحدث غدا ، وقمة الذكاء في التعامل مع الدنيا أن لا تشغل به بالك (نفسك وعقلك) ، أولا لأنه متشعب ويشتت طاقة الإنسان ، وثانيا .. أنك لا تملك تغييره مهما فكرت ودبرت ، وثالثا .. أن محاولتك التدخل مذمومة ومحرمة من الخالق العظيم ، ورابعا وهو الأهم .. أن قدر الإنسان وما كتبه الله له أو عليه هو وثيق الارتباط بنواياه ، والتي بصلاحها .. يصلح الله له تبعات قدره وقضاءه له أو عليه ، وليس هذا تخيلا إيمانيا أو ادعاءا بلا دليل ، بل قد أصبح هذا علوما حديثة متكاملة ، فنواياك السيئة تجذب إليك طاقات سلبية كفيلة بتجميع سوء تأثيرات الأحداث عليك ، ونواياك الطيبة تجذب إليك طاقات إيجابية هائلة .

وختاما .. لا تنسى أن ابتسامتك الدائمة سوف تجمع حولك طاقات إيجابية تجنبك كثيرا من تأثيرات سوء الأحداث عليك وعلى من حولك ، وبالتالي نكتشف .. أن وصية خاتم المرسلين (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ليست دعوة كسب الحسنات أو للتعاطف ونشر الأخلاق فقط ، ولكنها تعليمات علمية دقيقة لتحسين تأثيرات أحداث الدنيا على البشر كما أنها ذكاء وسعي لكسب رضا الله برضا خلقه وعياله عند رؤيتك مبتسما ، خاصة وأنك محاسب على كل همسة وحركة وسكنة في حياتك ، فأولى بالإنسان أن يهتم بما سوف يحاسبه الله عليه ، وبما يستطيع أن يحيا به حياة طيبة ، ألا وهي إصلاح نواياه وتقويمها ، فلا يضمرن نية لا يقبل مثلها من غيره على نفسه ، ليس لأن غيره قد لا يستحق ، ولكن لأنه هو نفسه لا يتمنى لنفسه السوء الذي سيصيبه منه الكثير كما أضمره في نواياه ، والأهم أن لا يضيع ابن آدم وقته وجهده في محاولة معرفة ما كتبه الله له أو عليه ، لأن خالق البشر قد اختص نفسه سبحانه وحده بمعرفته وتقديره .. {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان34 ، وكفانا قوله تعالى .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ….
جمال عمر