
لا شك أن لله نفحات وبركات وآيات ، أيام وساعات وربما سنوات ، يفتح لله فيها أبواب قربه ورحمته لخلقه لعلهم ينعمون فلا يشقون بعدها أبدا ، ولكن لله أيضا نفحات دائمات جعلها سبحانه في حروف وكلمات أنزل بها آيات بينات ، فيها علم ومفاهيم بين ثنايا آياته البينات ، ومن أحد أهم نفحات الله في كتابه آية مررنا عليها عشرات ومئات وربما آلاف المرات ، ولكن فهمنا لها انحصر فيما قاله علماؤنا الأوائل ، وشاكرين لهم اجتهادهم ، ولا نلوم عليه قصور فهمهم عند حدود قدرات فهمهم ، والتي تلائمت مع سماحيات عصرهم للفهم والتدبر ، فلله في خلقه شئون ، ولا يفتح الله أسرار علومه إلا بما شاء ، ولمن يشاء ، وآنى يشاء .

يقول سبحانه في آية قصيرة بليغة رائعة .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فيذكر الله ثلاثة مستويات وأسماء لمفاهيم أساسية ، طالما سقطنا في ضلالات فهمها ، وهي بالترتيب في الآية .. { العبادة … الدين … مناسك الخضوع والاستقامة (الصلاة ، الزكاة ، … ) } ، وفي هذه الآية يرتب الله علاقة كل منهما بالآخر ترتيبا بليغا معجزا ، يضع فيه دستورا للحياة على الأرض ، ويعلمنا الأسس الحقيقية لأي عمل يتم في كونه ، ونضرب مثالا بسيطا ولله المثل الأعلى ، ففي أي مؤسسة أو مكان عمل ، هناك نوعيات العمل المطلوب تنفيذها ، وهناك قيم ومفاهيم ومهارات وقدرات تمكن القائمين به من تنفيذ هذا العمل ، وهناك ضوابط تسيطر على عملية تنفيذ العمل ، وهي مراسم العمل التي تحكمها لوائح وقوانين .

كذلك المهمة الأعظم والأوحد ، والتي هي الغرض من خلق الإنسان وهي العبادة ، والعبادة الحقيقية بعيدا عن ضلالات التزوير والبهتان البشري ، هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، وهذه المهمة يحكمها (الدين) ويتحكم في تنتفيذها ، لأن الدين الحقيقي هو مفاهيم ومعتقدات الإنسان (الشخصية) والتي تتحكم تلقائيا في حركة حياة كل منا ، ولو استقامت مفاهيم كل منا تجاه الحياة لاستقامت أفعالنا وذلك هو دين كل منا ، ولضمان استقامة مفاهيمنا (ديننا) ، فرض الله مناسك خضوع واستقامة على رأسها الصلاة والزكاة والصيام … ، وهي ليست عبادات كما ندعي زورا وكذبا وبهتانا وافتراءا على الله بما لم يقله ولا أنزله في كتابه .

فالعبادة هي إعمار الأرض ، والدين هو مفاهيمنا التي تتحكم في أساليب إعمارنا للأرض ، والمناسك هي حوافظ لضمان استقامة ديننا (مفاهيمنا) ، وتلك هي أبسط مفاهيم الآية الكريمة .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، والتي بينت دستور الحياة على الأرض لعباد الله جميعا ، ونقصد بعباد الله أنهم جميع خلقه ، مسلمهم ومؤمنهم وملحدهم وكافرهم ، فكل إنسان جاء للدنيا هو من عباد الله ، وليس كما ادعينا كذبا وزورا أن العباد هم فقط من آمن بالله ، وقد أكد سبحانه وتعالى على ذلك في تسميته للكفرة والمشركين بلقب عبادي وأشهرها قوله تعالى … {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، وكذلك تأكيد على لسان نبي الله عيسى بن مريم ، في رده على سؤال ربه عمن كفروا واتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله .. بقوله .. { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }المائدة118.

فالعبادة هي فعل تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، ومفهوم مسمى (عابد) .. هو من يؤدي وينفذ مهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها بإرادته ، وبالتالي فمن المنطق أن ينفذ المخلوق مراد الخالق من خلقه له بفطرة خلقه ، ولذلك جعل الله إعمار الأرض (العبادة) فطرة في نفوس كل خلقه ، فكل إنسان يولد حريصا بفطرته على استمرار حياته ، وكذلك على أن يحيا يأكل ويشرب ويتزوج ويبني ويمتلك ويعيش حياته بأفضل ممن سبقوه ، وهذا هو إعمار الأرض (العبادة) ، ولذلك فمن ناموس الكون أن من يتقن إعمار شيء يجعله الله سيدا عليه ، فلو كنت متقنا لرعايتك لأهلك ، جعلك الله سيدا عليهم ، ومن يتقن إعمار الأرض جعله الله سيدا عليها ، حتى وإن كان كافرا أو ملحدا أو مشركا .

وذلك لأننا نأتي الدنيا بمعطياتنا التي لا حيلة لنا فيها سوى أن نختبر فيها ، ومنا القيم والمفاهيم (الدين) والتي نرثها بالميلاد والبيئة ، ونصبح بعقولنا مسؤلين عن تصحيح وتقويم هذه المفاهيم ، حتى لو كانت تتعارض مع أهوائنا وشهواتنا ورغباتنا وفتن الدنيا ووسوسة الشياطين ، فالدين هي قناعات الإنسان التي تتحكم في أفكارة وظنونه وردود أفعاله ، فالدين هو مفاهيم الإنسان التي تحكم حركة حياته ، فإن توافقت مع ما يأمر به الله ، فهو على دين الله ، وإن اختلفت فهو مخالف لدين الله بقدر اختلاف معتقداته ، فأنت ترى مثلا أن السائل أو المتسول مجرم لا يستحق العطاء ، ولكن غيرك قد يرى أنه يستحق العطاء ، وكفاه مذلة السؤال ، وهناك يخضع لما أمر الله به ، { وأما السائل فلا تنهر) ، ويرى أنه يضع الصدقة في يد الله قبل يد السائل ، وتلك درجات متفاوتة من المفاهيم ولكل درجة حساب مع الله ، وكذلك مثلا .. أنت ترى أن النساء رحمة من الله ، وغيرك يرى أنهن لعنة وسبب كل بلية ، وغيركما يرى ما أمر الله ورسوله به ، (ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم) ، وتلك درجات مختلفة ولكل درجة حساب عن الله ، وبعض الناس يعشق الكذب ، والبعض يرفضه من غيره ولكنه يستبيحه لنفسه ، والبعض يكرهه ولكنه يقع فيه ، والبعض لا يقبله ولا يفعله ولكنه فظا في تعاملاته من أجل الحقيقة ، وتلك كلها مفاهيم متفاوتة لشيء واحد ، تتحكم في أساليب ممارسة البشر لحركة الحياة لأنها (الدين) ، وخلاصة القول أن مجمل مفاهيمك وقيمك التي تحكم حركة حياتك هي دينك الذي تجاهد نفسك لتقويمه وجعله مطابقا لما يأمر به الله .

أما المناسك (الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج – ذكر الله) ، فهي ليست عبادات مطلقا ، ولكنها مراسم خضوع لله والهدف منها الحفاظ على استقامة مفاهيمك (دينك) ، فكلما خضعت لله واقتربت منه استحييت أن تعصاه وتخالف ما أمر به ، وإن أخطأت تستغفر وتتوب وتعود إليه نادما تائبا ، ورغم أن المناسك ليست هي العبادات ولا السبب الذي خلقنا الله من أجلها مطلقا ، ولكن تركها وإهمالها خطيئة كبرى ، لأنها كفر بقيومية الله مثل إبليس ، لأنك بتركها تظن أنك أعلم بما يصلح حالك من ربك الذي خلقك وسواك ويعلم عنك ما لا تعلمه ، فلن تكون الصنعة أعلم بحالها من صانعها ، ولله المثل الأعلى .

وكذلك (العبادة) … وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، فمن تركها وأهملها مدعيا أن العبادات هي المناسك فهو كافر بقيومية الله عليه ، لأن يظن أنه أعلم من الله بالغرض من خلقه ، أما من تعمد الإفساد في الأرض فقد أعلن الحرب على الله ، ولذلك توعده الله بالعقاب الشديد بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة ، بل وفرض له عقوبة لم يفرضها الله على تارك صلاة أو مشرك أو كافر ، في أشد آيات العقاب على الإطلاق ، وهي التي نسميها آية الحرابة .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، وفي مقابل ذلك وعد الله من يتقن إعمار الأرض أن يقربه ويعلمه ويهديه خاصة العلماء منهم .. { … إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28 ، ثم جعله سيدا على غيره من الكسالى والجهلاء والمهملين في إعمار الدنيا ، وهو ما نراه ونعاني منه ونشتكي منه دوما .

أما الكفر بقيومية الله تعالى على خلقه .. فهو أكثر ما يقع فيه البشر في حياتهم ، لأن قيومية الله تعني { قدرة الله المطلقة + علم الله المطلق بخلقه + أمانة الله المطلقة على عباده } ، فإذا ظننت أنك أو أي مخلوق يستطيع فعل شيء دون مشيئة الله وقدرته فقد كفرت بقيومية الله ، وإذا ظننت أنك تعرف مصحلتك كأن ترى أنك بخير دون صلاة مثلا ، فقد كفرت بقيومية الله ، وإذا طننت أن الله لا يريد صالحك أو أنه سبحانه يريد إهانتك فقد كفرت بقيومية الله ، وتلك كانت خطيئة إبليس عندما ظن بأن أمر الله له بالسجود لآدم هو إهانة له ، فإبليس لم يكفر بوجود الله ولا قدرته ولا عزته ولا جلاله ، ولكنه شك في أمانة الله عليه ، وكذلك يفعل كثير من الناس عندما يخشى بشرا ، أو يسيء الظن بالله ، فيقول بلسانه مثلا .. (دي أيام سودة) ، (نحن في زمن غابر) ، (لا أمل في خير) ، وغيرها من عبارات التشاؤم المماثلة والمنتشرة ، فهي عبارات كفر بقيومية الله ، وعقوبتها من الله أن يكتب على قائلها أن يذوق مرارة ما قاله بلسانه جهلا وكفرا بقيومية الله .

ومن قيومية الله جاءت قوامة الرجل على المرأة ، فالقوامة هي (علم + قدرة + أمانة) ، فلابد للرجل أن يكون أكثر (علما) بحركة الحياة من زوجته ، وإلا فلن تستقيم حركة الحياة بينهما ، فتسقط القوامة ، لأن الزواج هو علاقة خضوع واحتواء متبادل ، وكذلك لابد للرجل أن يكون (قادرا) على تلبية احتياجات زوجته المادية والنفسية والجسدية ، واختلال قدراته يخل بشروط صحة الزواج ويسقط قوامته ، وكذلك لابد للرجل أن يكون (أمينا) على زوجته كأمانته على نفسه وأكثر ، وإلا سقطت قوامته ، فالقوامة مسئولية كبرى تحتاج من الرجل أن يربي نفسه ويقومها قبل أن يصبح مسؤلا عن قوامة على امرأة وبيت وحياة جديدة ، ولكن الحال بين العامة يشابه كثيرا ما يحدث مزرعة المواشي ، وتتعاقب أجيال جاهلة بمفاهيم القوامة تتوارث الجهل والفشل وتشكو وتصرخ من نتاج إصرارها على الجهل والضلال ، وهرولتها خلف علوم النفس والأسرة المستوردة من كفرة وملحدين ومشركين بحجة أنهم متقدمين علميا ، حتى انتشر الانحلال والانحراف وظهر الشذوذ في بلاد المسلمين وتفشى الطلاق والتفكك بين الأسر والعائلات ، وما زلنا نبحث عن الحلول لدى البشر ، مصرين على تجاهل آيات الخالق العظيم في كتابه الكريم .

أخيرا .. كانت تلك بعض نفحات مفاهيم من كتاب الله ، والتي أهداها الله للمتدبرين لآياته ، ولعلهم يعلمون ، ولعلهم يتفكرون ، ولعلهم يعقلون ، ولعلهم يتدبرون ، ولعلهم يرشدون ، ولعلهم يهتدون ، وحسبنا قوله تعالى .. {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 ، والله يهدي من يشاء ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر