ماذا .. تنتظر من الدنيا ؟؟ (4) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
20 يونيو، 2023
غير مصنف
715 زيارة

توقفنا من قبل عند توفي ملك الموت ومعه رسل الله للنفس التي انتهى أجلها ، وعلمنا أنه لا علاقة بين النفس (أصل االإنسان) وبين الجسد الذي تغادره بعد لحظة الموت مطلقا ، فالجسد يدفن ليتحلل ويعود لأصله ترابا ، ولكن النفس لا تدخل القبر ولا تبقى فيه كما تدعي الأساطير والأحاديث المكذوبة والموضوعة ، فلا بقاء في القبر للنفوس ولا عذاب ولا نعيم في القبر ، ولا توجد آية واحدة تصرح أو تلمح بحياة القبور ونعيمها وعذابها ، حتى آية فرعون .. { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } غافر 46 ، فلم ينتبه المستدلون بها على عذاب القبر ، أن آل فرعون هم من يعرضون على النار ، ولا تعرض النار عليهم ليروها ويتعذبون برؤيتها ، بل هي النار التي تتساءل دوما عمن يدخلها ، فيعرضون عليها ، بدليل أن الكافرين جميعا يفاجئهم استيقاظهم لقيام الساعة .. فيقولون .. { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يس52 ، وقوله تعالى في الكافرين .. { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } النحل21 ، بل وذكر سبحانه وتعالى مصير النفس بعد فقدها الجسد (وسيلة التعامل مع الحياة) في كثير من الآيات ، ولكننا هجرنا مفاهيم القرآن العظيم ، واستسلمنا لضلالات البشر.

وصدق الله في قوله .. { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } الأنعام38 ، فقد استعرض سبحان مراحل الموت لابن آدم ، ورد على أهم أسئلة النفس في لحظة انتهاء أجلها في ثلاثة آيات متتاليات من سورة الواقعة قال فيها .. { نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ (60) عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ (61) وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ (62)} ، فأول تساؤلات الإنسان لحظة موته هو عن الأهل ومن سيتركهم ويغادرهم ، فيرد الله عليه بأنه سبحانه سوف يستبدل مكانه بآخرين ، وثاني التساؤلات هو إلى أين هو ذاهب ؟؟ ، فيرد الله عليه { وننشئكم فيما لا تعلمون } ، كيف ينشأنا سبحانه ؟؟ ، هل سنذهب لنشأة جديدة ؟؟ ، نعم وقد شاء الله أن لا نعلم عن هذه النشأة الجديدة شيئا قبل موعدها ، ولكن الله يبسط الأمر لنا ، فيخبرنا أنها نشأة مماثلة لتلك التي نعرفها جيدا ، خاصة لو تذكرناها ( (61) وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ) لأنها تحدث كل يوم وتنهتي بميلاد إنسان جديد ، ومعنى ذلك قد أكده الله في سورة النجم بقوله .. وَأَنَّ { عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ } النجم 47 ، وبالطبع (الأخرى) هنا ليست يوم القيامة ، والتي ذكرها سبحانه بقوله .. { ثمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } العنكبوت 20 ، فنشأة يوم القيامة هي (الآخرة) ، أما (الأخرى) فهي تكرار للنشأة التي يغادرها بان آدم بالموت ، ولكن هل يحدث ذلك مرة واحدة أم يتكرر ، وكيف ولماذا يتكرر وإلى متى ؟؟؟ .

ويتبادر للذهن سؤال هام وخطير ، كرره من كان قبلنا كثيرا ، وذكره سبحانه بقوله على لسان الكافرين { أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } الإسراء49 ، وهذا التعجب مبني على اعتقاد تاريخي خاطيء للبشر ، بأن حياتهم في الدنيا هي لمرة واحدة فقط ، فيرد الله عليهم بأنهم واهمون ويتخيلون ما يخالف العلم والحقيقة ، فيقول فيه سبحانه ، وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } الجاثية 24 ، بل إنه سبحانه يسألنا بقوله تعالى .. { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } البقرة 28 ثم يكرر الله بلاغه للبشر ليؤكد لهم بأنه سبحانه يبدأ خلق الإنسان ويعيده في ستة مواضع من كتابه العزيز ، ثم يوضح في أحدها سبب الإعادة للخلق في سورة يونس بقوله تعالى .. {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} يونس4 ، فسبحانه يعيد الخلق مرات ومرات ، وذلك لتستكمل كل نفس جميع أنواع وأشكال الاختبارات في الدنيا ، وبذلك يمحص الله إيمانه ، حتى لا يكون لنفس عند الله حجة يوم القيامة بأنها ظلمت في اختباراتها ، فلابد من اختبار النفس في جسد ذكر ، وفي جسد أنثى ، ومسلما ويهوديا وملحدا وصابئا ، وأبيضا وأصفرا ، وغنيا وفقيرا ، وحقيرا وشريفا ، وقويا وضعيفا ، فلا يجد يوم القيامة حجة في نفسه ، أنه لم يمر بشكل من الاختبارات مثل غيره ، فيدعي أنه لو ناله لارتقى به .

وخلاصة آيات الله .. أن النفس بعد مغادرتها الجسد وانتهاء أجلها في رحلة اختبارها في الدنيا ، لا تدخل قبرا مع الجسد الفاني كما تدعي أساطير المضللون ، ولكن يكون لديها أربعة احتمالات لمصيرها تعتمد بدرجة كبيرة على نتائج رحلة اختبارها الأخيرة ، وهذه الاحتمالات يمكن تلخيصها في أربعة احتمالات رئيسية هي { الأول .. عودة النفس للدنيا لتتنعم بنعيمها حتى يوم القيامة دون اختبارات أو كبد ، والثاني .. أن تعود النفس للدنيا لتستكمل اختباراتها بجسد جديد ومعطيات جديدة وبيئة جديدة مختلفة ، والثالث .. أن تعود النفس للدنيا لترد ديونا قد تحملتها النفس في رحلتها مثل القتل والتعذيب ، والاحتمال الرابع .. أن تظل النفس بلا حياة حتى يوم القيامة } .

أما الاحتمال الأول وهو في حالة رائعة ومتميزة ، وتتحقق بنجاح النفس بامتياز في اختبارها الأخير وارتقت إلى مكانة (السابقون) ، وأؤلئك هم الفائزون ، حيث يتمتع أصحابها بمميزات عظيمة ، أولها أنهم قد أصبحوا من المقربين .. فيقول فيهم سبحانه .. ﴿ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الواقعة11 ، وثانيها أنهم قد أصبحوا من (السابقين) لأنهم قد سبقوا غيرهم من البشر بإنهاء مرحلة اختباراتهم ، فلن يعودوا للاختبار في الدنيا مرة أخرى ، ولكن سيعودون للتمتع بالدنيا حتى قيام الساعة ، وهؤلاء لا ينالوا هذه المكانة إلا لو كانوا من النبيين والصديقين والشهداء .

وحدد الله مكافآته لهذه الفئة (السابقون) بثلاث مكافآت هي { روح وريحان وجنة نعيم } ، فالأولى هي روح يضعها في الجسد الذي يريده ليحيا به الدنيا ، وله رزقه إلى يوم القيامة ، ولكن شرطا ألا يكون جسدا قد دخله من قبل ، وفي ذلك يقول سبحانه .. وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } آل عمران 169 ، فهم يعودون للدنيا في أجساد جديدة ، ولكنهم ليسوا في أجساد نعرفهم بها ، فهم عند ربهم وليسوا عندكم ، أما المكافئة الثانية فهي (ريحان) وهي قمة الراحة فلا شقاء ولا كبد في هذه الحياة ، فقد انتهت مرحلة الاختبار ، وانتقلت النفس لمرحلة الراحة من عناء الدنيا ، ثم تكون المكافئة الثالثة ويه (جنة نعيم) ، تتنعم فيها النفس بمتع الدنيا نعيما لا سقم فيه ولا أمراض وكبد ومعاناة مرة أخرى ، ويتبادر للذهن أسئلة أهمها ، وأين هم وهل يوجد في الدنيا اليوم من يعيشون منذ قرون طويلة مضت يتنعمون في انتظار قيام الساعة ، نعم ولكن شاء الله أن يخفيهم بين عباده فلا يستدل عليهم ولا يعرفهم أحد ، ولله في خلقه شئون .

أما الاحتمال الثاني ، فهو الشائع .. ، وفيه تعود النفس للدنيا في نشأة جديدة بمعطيات جديدة تتوقف على عد عوامل أولها .. أن تكون النفس قد استوفت ديونها السابقة سواء بالقصاص منها في نشأة انتهت من قبل ، أو تكون النفس قد كذبت عند سؤالها وقد تم ترحيل الدين ليوم القيامة ، وثانيا .. مدى نجاح النفس في اختباراتها السابقة ، وثانيها .. الاختبارات المتبقية والتي لم تتعرض لها النفس مسبقا في حيواتها السابقة ، وثالثا .. الاختبارات التي فشلت النفس في النجاح فيها من قبل في حيواتها السابقة ، ولذلك كلما خرجت النفس من الدنيا وهي قريبة من ربها كلما كانت اختباراتها التالية أخف وطأ وأيسر عليها ، فينشأها الله في جسد قد تم إعداده لها واكتمل نموه وفي نهاية الشهر الرابع للحمل ، وتتم عملية الإنشاء برعاية ربانية كاملة ، لتبدأ النفس رحلة اختبار جديدة ، وهي لا تذكر شيئا من كل حيواتها السابقة ، وذلك هو قمة العدل بين النفوس وتحييدا لأية عوامل سابقة مؤثرة على عدالة الاختبار .

أما الاحتمال الثالث .. فهو مرحلة مؤقتة .. لأن عودة النفس للحياة هذه المرة يكون من أجل أن ردها ديونا بعينها (قصاص) ، والتي قد تحملتها عن عباد الله وخلقه أثناء حياتها التي غادرتها مثل القتل والتعذيب وإذلال بعض خلقه ، ولكن لهذه العودة شروطا ، أهمها أن تكون النفس صادقة عند سؤالها عن ديونها بعد خروجها من الجسد السابق للوفاة ، وهو قوله تعالى .. { فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } الواقعة 86 ، 87 ، فمن قتل نفسا ولم يحاسب عليها في حياته ، فلابد من عودته للدنيا في نشأة جديدة وبنفس ظروف وحال ضحيته التي قتلها ، ويرزقه الله بمن يقتله بمثل ما قتل هو ضحيته في حياته السابقة ، وذلك تفسير ما كنا نتلاوم ونحزن من أجله عندما نرى طفلا أو شابا يقتل غيلة ونتعجب ما ذنبه ، وماذا فعل ليموت مقتولا ، والحقيقة أنه قصاص الله العادل لخلقه من خلقه ، (افعل ما شئت فكما تدين تدان) ، وكذلك عندما نرى شخصا خاضعا لمن يعذبه في الدنيا ولا يعترض ولا يرفض ، ونتعجب لأننا لا نعرف أنها ديون على النفس يتم ردها بتدبير الله ، ونشأة رد الديون هي حالة مؤقتة ، وبعد انتهاء الرد ، لابد أن تعود النفس لاستكمال رحلات اختباراتها.

وأما الاحتمال الرابع .. فهو أن تكون النفس قد حققت الامتياز في الجحود والكفر بالله وهي تعلم ، مثل فرعون وهامان وأبي جهل ومردة الإنس المعلنون الحرب على الله والمفسدون في الأرض وهم يعلمون ، فهؤلاء لا يعودون لرحلة الاختبارات مرة أخرى ، لأنهم قد خسروا الاختبار كاملا ، وحسابهم عند ربهم ، فإما يكفلهم الله برحمته لعمل قدموه لوجه الله يوما ، أو يكونون كما وعدهم سبحانه وتعالى وقودا للنار مع مردة الجن والإنس ، وهؤلاء يظلون نياما بلا حياة (أموات) ولا يشعرون ولا يعلمون متى يبعثون مرة أخرى ، وهؤلاء من يقول فيهم سبحانه () النحل21 ، ويفزعون عند إنشاءهم النشأة الآخرة للحساب فيقولون .. { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يس52 .

فالنفس في الدنيا هي الآن في أحد رحلات اختباراتها المتعددة ، وقد وصلت لهذه الرحلة ، لأنها ما زالت تنجح في رحلاتها السابقة ، ولديها فرصة أن تستمر في نجاحاتها كاحتمال أول ، والاحتمال الثاني أن لديها الفرصة لتصبح من السابقين المقربين فتنهي رحلات اختباراتها هذه المرة ، ولكنها .. يجب أن تحذر جيدا أن لا تقع في مستنقع الديون لخلق الله ، فهذا سيمنعها أن تكون من السابقين هذه المرة ، وتؤجله لمرة أخرى بعد سداد الديون ، كما يجب أن تحذر جيدا أن تقع في المحظور بالكفر والجحود بقيومية الله فتخسر كل شيء ، ولابد أن ينتبه الإنسان أن كل ما لديه وما يملكه من متع الدنيا وثرواتها بل وصحته وجسده وقدراته ومعالم دنيته ، هي ليست مستحقات له ، ولكنها جميعا مجرد معطيات اختبارات ، وهو محاسب عليها ، ولا شيء يعطى للإنسان في الدنيا لأنه يستحقه سواء كانت خيرا أو شرا ، فكل المعطيات هي أسئلة اختبارات متواصلة ومتدرجة ، وبالتالي لا داع أن يكون أحد المعطيات هو الفتنة التي تفسد رحلة الاختبار كاملة ، وما أكثر الفتن في المعطيات ، بداية من الشهوات والمتع ، خاصة الأهل والأحباب ، فأنت قد مررت من قبل ربما بمئات أو آلاف من الأهل والأقارب والأحباب ، ولكنك لا تذكر منهم أحدا ، بل ولا تذكر من حيواتك السابقة شيئا ، لأن هذا هو عدل الله في اختبارات الله ، ليتساوى الجميع في عدم تذكر شيئا من ماضي اختباراتهم ، وإلا لتفاخر ولعلا بعضهم على بعض بما هو ليس إلا معطيات اختبار .. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } الأنعام 165 .

ولو زدنا من الشعر بيتا .. ، لعلمنا أننا في يوم القيامة لن نتذكر أحدا ولن نسأل على أحد ، فمعظم النفوس حولك ستكون قد مررت بهم في صور أهلك أو أقاربك أو معارفك خلال رحلات اختبارك الطويلة ، وكذلك جميع النفوس حولك قد مرت بمعظم النفوس غيرها وكان لها علاقات معها ، ولو تخيلت الصورة كاملة فسوف تكتشف أن جميع النفوس لبعضها البعض هم أحباب وأقارب وأهل ومعارف ، وكذلك ربما هم أيضا أعداء وخصوم ، وقل ما شئت ، فمعطيات كل حياة تختلف عن بقية الحيوات ، ولذلك يقول سبحانه .. { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } المؤمنون 1010 ، وكذلك هنااك سبب أهم يوم القيامة سوف يفقد النفس أسباب السؤال عن الأنساب والمعارف ، وهو أن النفس التي قسمها الله نصفين ، لدخول الدنيا في صورة ذكر أو أنثى ، قد عادت نفسا واحدة كاملة (غير ناقصة) بقيام الساعة ، وهو ما ذكرنا به الله في بلاغ عن أحد مشاهد يوم القيامة بقوله تعالى .. { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } التكوير7 ، وبالتالي فنتيجة لتزويج النفوس ، قد اختفت الأنساب تماما ، فقد اختفى الوالدان والأقارب ولم يبق سوى نفوس كاملة ، كما أنهم بالتالي ليس لديهم ما يتساءلون بشأنه ، فكلهم كانوا يتعاملون مع بعضهم البعض في إطار الاختبارات على الدنيا التي اختفت بكل معطياتها بما فيها قسمة النفوس .

فالأمر جلل ، واالموضوع أكبر من كل خيالاتنا وضلالاتنا وأساطيرنا البشرية الضعيفة ، ولذلك كثيرا ما يتحدى الله خلقه أن يأتوا بخلق مثل خلقه وكفانا من الله قوله تعالى .. { هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } لقمان 11 ، وسبحانه الذي علمنا وفصل لنا خلق النفس وإنشاءها في الأجساد وحركاتها ومصيرها ، لم يترك شيئا لخيال الإنسان ، ولكنه سبحانه وضح حدود كل شيء في آيات بينات محكمات ، ولكننا جهلنا وضللنا عندما أغلقنا أبواب الفهم والتدبر لها ، وربما كان للأولون أعذارهم في غلق أبواب التدبر والفهم ، لمحدودية مساحات استيعاب العلوم في نفوسهم وعقولهم في زمانهم ، وإذا كنا نحن اليوم في تكرار لرحلات الاختبار ، ولم يكن لدينا منذ قرون القدرة على استعياب وفهم علوم الله من كتابه ، فأعتقد أن الله يمنحنا الفرصة لنتعلم من كتابه العزيز ، ولا عذر لنا مرة أخرى ، فسوف يحاسبنا الله على تعنتنا وجحودنا وتمسكنا بالضلال الذي زرعناه فيما مضى من قبل وتوارثناه عن آبائنا ، وبالتالي فلا حجة لنا أن نقول ما يحذرنا الله منه .. { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } الأعراف 173 .

أخيرا .. تلك مسألة واحدة زورنا مفاهيمها فسقطنا في الضلالات التي أصبحت مقدسة ، فكل ضلالة يبنى عليها عشرات الضلالات ، وهذه المسألة تحديدا كانت سببا في نشأة مئات الضلالات والتي جعلت البشر جميعا ضحايا للظنون والافتراءات والأساطير ، وبسبب هذه الضلالة أصبحت حياة البشر جحيما مستعرا وسباقا محموما على مكاسب الدنيا ومتعها ، وكانت دافعا قويا لكثير من الفساد في الأرض بحجة أنها حياة واحدة نحيا فنموت ويهلكنا الدهر ، بخلاف عشرات الضلالات عن القبور ونعيمها وعذاباتها ، ولا نملك إلا قول الحق .. ولله في خلقه شئون .
جمال عمر