الوسواس الخناس .. وهلاك البشر … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
30 ديسمبر، 2021
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
1,124 زيارة

عجبا ترى كثيرا من الناس إن لم تكن الغالبية العظمى منهم ، يعيش حياته محترفا ارتكاب أخطاء أو ذنوب بعينها لا يستطيع التوقف عنها أو الفكاك منها ، حتى تصبح من سماته الأصيلة ، خاصة في خيالاته ونواياه ثم أقواله قبل أفعاله ، حيث تعلن الأقوال عن حقيقة فكر الإنسان وتوضح أسباب سلوكياته وتصرفاته في حركة الحياة ، وربما لا نلاحظ الخطأ أوالعوار في مفاهيم البعض ، ولكننا دوما نكتشف هذا لو اقتربنا منهم ، وتبادلنا الحديث معهم ، ولو فعلت هذا سوف تجد كثيرا من شبابنا يرتع بفكره وخيالاته في ممارسة شهوته الجنسية مثلا ، وبالطبع أيضا سوف تجد مثلهم فيمن تخطوا سن الشباب ولكن ذلك أصبح منهج حياة بالنسبة لهم ، فهم يهوون الحديث والمزاح حول هذا الموضوع ، وكثير منهم قد احترف مشاهدة الأفلام والصور الجنسية ولا يترك أنثى تمر أمامه دون أن يرمقها بنظرة نهمة ، وربما يمعن الدراسة المتفحصة لما خفي منها استدلالا بما يجده مكشوفا .

وسوف تجد آخرين مهووسون بالمال والغنى ، ولا يفارق خيال أحدهم أحلام الثراء السريع ، حالما بالمتع التي يصل إليها بامتلاكه المال ، وآخرين سوف تجدهم يحلمون بالشهرة ، والبعض بالسلطة ، وآخرين أسرى لفكرة التربص بالآخرين وتفنيد الأخطاء والانتقاد والاعتراض ، وآخرين مهووسون بالسفر والترحال لمجرد تغيير المكان دون هدف ، وآخرين متيمين بمتعة الطعام وتجربة كل جديد منه ، حتى لو كان سيئا ولا يتناسب معه ، وآخرين سوف تجدهم ضحايا لفكرة الخوف من المرض ، والبحث عن أدوية وعقاقير تحفظ لهم صحتهم ، وتطيل أعمارهم ، وآخرين تخطف نفوسهم وقلوبهم فكرة جمالهم ووسامتهم والحفاظ عليها والاستزادة منها ، خاصة بين النساء والفتيات ، وربما يجد البعض مريض بتميزه ، فهو لا يترك فرصة لإظهار تفرده وتميزه عن الآخرين بمختلف الأساليب والصور .

ولا شك أن فطرة النفس البشرية فيها كل هذا ، فكلنا يريد أن يستمتع وأن يتميز وأن يكون غنيا وصحيحا وقويا ومرغوبا ومشهورا ومحبوبا وربما خالدا حتى بعد موته ، فالكل بداخل نفسه كل هذه النوازع والدوافع ، ولكن بدرجات متفاوتة تبعا للتربية والنشأة وظروف ومعطيات حياته ، كما يساعد سوء استخدام البشر لصفة الإبداع الفطرية في نفوسهم على الانحراف بكثير من هذه النوازع ، رغم أن صفة الإبداع الفطرية (الرغبة في الإتيان بالجديد) قد منحها الله لـ “بني آدم” لتعينهم على تنفيذ مهمة العبودية التي خلقهم من أجلها ، وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، ولكن سوء استخدام الإبداع ينحرف بسلوك ابن آدم وفكره ، فيصبح وبالا على نفسه وغيره ، خاصة وأن النفس البشرية رغم أنها عاشقة للخير .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، ورغم أن النفس البشرية أيضا لوامة لنفسها وغيرها لدرجة قسم الله بها .. {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ }القيامة2 ، إلا أن النفس البشرية أيضا أمارة بالسوء .. {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53 ، وكذلك ولو أطلق للنفس البشرية فسوف تفجر وتفعل ما تشاء .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، وكل ذلك في إطار منح الله لابن آدم فرصة الخيار ما بين الخير والشر .. {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }البلد10 ، وكذلك قوله تعالى .. {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }الإنسان3 .

وتتوازن الشهوات والنوازع الفطرية مع فطرات النفوس على حب الخير ، وفطرة الضمير (النفس اللوامة) ، والرغبة الفطرية للاستقامة ، ولا شك أن كل ما سبق هي عوامل داخلية تمثل نوازع ورغبات ودوافع فطرية في نفس ابن آدم ، تتصارع وتتحكم في نواياه ، وبالتالي في تصرفاته (أقواله وأفعاله) ، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد مطلقا ، فهناك عوامل خارجية متعددة ترجح كفة الخير أو الشر ، وتؤثر وبشدة في نفس الإنسان ، وبالتالي نواياه وتصرفاته ، وعلى رأسها فتن الدنيا من حوله ، ورغبته في أن يقلد ما يراه في تصرفات غيره من البشر ، فابن آدم يصاحبه نوعان متناقضان متصارعان ، الأول ملك كريم لا يأمرك ولا يذكرك إلا بكل خير ، ويحذرك من كل شر ، والآخر شيطان مريد كافر ، لا يأمرك إلا بكل شر وظنون وشكوك وفساد وفجور ، وأنت مخير أن تطيع ما تشاء وتهوى منهما .

ولا شك أو هذا “الوسواس الخناس” هو الأخطر والأكبر تأثيرا على نوايا ونفوس البشر ، وخطورته في اختفائه وعدم الإحساس بوجوده ، حيث أنه عادة لا يشعر الإنسان بوجوده مطلقا ، إلا لو كان تقيا نقيا ورعا وصاحب ضمير حي ويقظا على الدوام ، وكذلك كان واعيا وعالما بحقيقة تركيب الإنسان وما يحيطه ويؤثر فيه ، ويتدبر مفاهيم ما يحفظه ويقرأه من سور وآيات كتاب الله ، فكثير منا لم يتوقف مطلقا أمام مفهوم ومعنى “سورة الناس” في كتاب الله ، فمعظم المسلمين حفظوها صغارا وأصبحت تحتل مكانا كبيرا في صلواتهم ، ونقرأها دوما عند الأزمات والمشاكل ، ولكننا أبدا لم نتوقف لفهم معناها وأسباب أهميتها ، خاصة وأن الله سبحانه وتعالى يأمرنا فيها بالاستعاذة بقوله “قل أعوذ” ، بماذا نستعيذ ؟؟ ، “برب الناس ملك الناس إله الناس” وتلك ثلاثة صفات وأسماء لله تعالى ، وفي هذا تأكيد وقوة للاستعاذة ، فلابد أن يكون المستعاذ منه خطير ، وعدم الاستعاذة منه لابد وأن يكون خطيرا ومدمرا للإنسان ، وهو ما يقوله سبحانه .. “من شر الوسواس الخناس” ، ليس هذا فقط بل يحدد سبحانه أين يكمن هذا الوسواس بقوله تعالى .. “الذي يوسوس في صدور الناس” ، فما قصة هذا الوسواس الخناس ؟؟ ..

الوسواس الخناس هو القرين من الشياطين ، فلكل إنسان قرينا من الشياطين ، وكل طفل يولد .. يولد معه قرين من الشياطين ، وهذا تنفيذا لوعد الله لإبليس ألا يحاسبه إلا يوم القيامة ، وأن يتركه يوسوس لابن آدم بالشر ، بواسطة أبنائه وأتباعه ، ليثبت لله أن ابن آدم (الذي رفض إبليس السجود له) ليس أفضل منه ومن جبلته (الجن) ، الذين فسدوا في الأرض ، فاستبدلهم الله بالإنس ، وهي تلك القصة التي أورها الله في سورة الحجر ، ليس على سبيل التسلية ولكن ليكون ابن آدم على علم بما سوف يتعرض له في حياته ، فيقول سبحانه .. {{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{28} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ{29} فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{30} إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ{31} قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ{32} قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{33} قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ{34} وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ{35} قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{36} قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ{37} إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ{38} قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{39} إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{40} قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ{41} إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{42} وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ{43}.. }} .

فالوسواس الخناس هو شيطان كافر ، يكن في نفسه العداء للإنسان الذي ولد معه ، ويحيا من خلال الإنسان ، فيشاركه كل شيء يفعله ، ولذلك وجب الاستعاذة منه دوما ، وهو يعرف عن قرينه الأنسي كل شيء ، خاصة ما يثير انفعالاته ويخرجه عن هدوئه واستقراره ، ما يعجبه وما يستهويه وما يغضبه وما يفرحه ، ووظيفته المستديمة أن يوسوس لابن آدم في كل لحظة وفي كل حركة وسكنة ، فهو يستمتع بالسيطرة على الإنسان ، وسوف تسمع صوته دوما في داخل رأسك وصدرك خاصة عند التعامل مع الآخرين ، يقول لك “احذر فهذا يريد أن يفعل بك كذا وكذا” ، وهذا كذاب ، وهذا مجرم ، وتلك فاسدة ، فهو لا يدلك على إلا على كل شر ، وسوف تجده حاضرا بقوة عندما تبدأ الصلاة ، فيسرع برسم صور تلهيك حتى ولو كانت خليعة وجنسية ، وهو لا ييأس أبدا ، فلو كنت لا تستهويك الخلاعة ، فسوف يذكرك بما نسيته من الأشياء ، أو يدلك على ما ضاع منك ليلهيك عن صلاتك ، فهو لا يترك لحظة أو ثانية واحدة دون أن يوسوس لك ، خاصة لو كنت تفعل شيئا من الخير ، أو تمارس عملك بنجاح ، وكذلك من أهم لحظات وسوسته عندما تخضع لضغوط اختبار أو امتحان ، أو موقف حساس ويهمك نتيجته ، فتلك هي فرصته ليبث الخوف والهلع من الفشل في نفسك ، وكذلك يخوفك من كل المقربين لك ، ويشعل الشكوك والظنون في نفسك تجاههم ، ويصور لك أن هذه الأفكار هي من وحي ذكاءك وفطنة عقلك ، وتظهر علامات سيطرة الوسواس الخناس على الإنسان ، عندما تجد الشخص متشائما كئيبا ، أو “موسوسا” يسأل كثيرا ويفترض السوء ، ويشكك في كل خير ، ودائم القلق والانزعاج ، أو دائم الوجوم والصمت الحزين المنكسر ، أو دائم النميمة والحديث عن غيره بالسوء .

وما أكثر ما يسمع الإنسان في داخله لصوت قرينه ، فيقول لك .. {عارف يا فلان .. فهمتي يا فلانة .. يا سلام يا واد لو عملت كذا ، ويا سلام يا بت لو قولتي كذا ، فوقي يا بت ، صحصح يا فلان } ، فهو سوف يخاطبك بأجمل أسلوب يستهويك حتى لا تنتبه أنه وسواسك الخناس ، فتعتاد عليه وتستسلم له فيسيطر على كل أفكارك ويوجهها كيفما شاء ، والهدف لديه وحيد ، وهو أن تخرج من الدنيا كافرا ، وإن لم يكن .. فمشركا ، فإن لم يكن .. ففاسقا فاسدا ، فإن لم يكن .. فمجرما ظالما ، فإن لم يكن .. فحزينا يائسا من رحمة الله ، وأبسط وساوسه أن يشكك الإنسان في كل الناس حوله ، مستخدما أسلوب التخويف لتوجيه الإنسان .. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران175 ، وأولياؤه هم الذين يصدقونه ويطيعونه ، وأبسط وسائل محاربته وتقليل تأثيراته هو الاستعاذة الدائمة كلما خطر على فكرك وخيالك شيئا سيئا أو شرا أو شكا أو حزنا ، والأهم التمسك بحسن الظن بالله في خلقه ، لأن كل خلق الله بيد الله وقادر على أن يجعلهم خيرا عليك ، لو أحسنت الظن بالله ، حتى ولو كانوا هم الشر بعينه ، فالله عند ظن عبده به ن خيرا أو شرا ، فإذا طننت أن الله لن يغفر لك فقد يئست من رحمة الله ، وذلك أكبر ذنوب العبد في الدنيا التي لا تغتفر ، فالله غفور رحيم ، ويغفر الذنوب جميعا ، وهو أرحم بعباده من الأم برضيعها ، وسبحانه قد تحدى الملائكة بابن آدم قائلا {إني أعلم ما لا تعلمون} ، فهل سيخذله ابن آدم ؟؟ .

ومن أخطر ما يفعله الوسواس الخناس أن يقوم بدفع قرينه الإنسان في اتجاه التقرب من الله ، فيدفعه للصلاة والصيام والالتزام بحجة أنه فرط وقصر كثيرا في حق الله ، وذلك فقط عندما يلمس في نفس الإنسان لمحة الكبر والغرور ، فيوسوس له بالتشديد في الفروض والنوافل ، ثم يذكره دوما أنه أفضل من كثير من البشر ، وأنه يفعل ما لا يفعله معظم الناس ، وأنه لابد أن يكون سيدا ومميزا عليهم ، فترى كثيرا من الملتزمين متجهمين متنطعين ، ويرون أن معظم الناس فسقة وفاسدين ولا يستحقون المعالمة الحسنة ولاالاحترام ولا التعاطف ، ويكرهون من يخالفهم الفكر ، بل وربما يستحلون دماءهم وأعراضهم وأموالهم ، تماما مثلما يفعل تجار الدين ، وأتباعهم من الجهلاء والحمقى والمتنطعين باسم الدين والتدين ، وذلك تحديدا ما استخدمته الماسونية بواسطة المخابرات البريطانية عندما أنشئت الوهابية وإخوان المسلمين والسلفيين والجماعات المنبثقة منهم لاختراق المجتمعات المسلمة ، وذلك باختيار المهمشين والجهلة والمجرمين ، والرغبين في التميز والشهرة والسيادة ، وصنعت منهم أمراء ومشايخ وقادة باسم الدين ليخربوا بلادهم ويهدموا قيم الدين والأخلاق .

ولا يعتق الوسواس أحدا مطلقا ، حتى العلماء والمشايخ ، فترى كثير من ممن احترفوا العلم ينظرون لغيرهم نظرة استعلاء ، فغيرهم جاهل لابد أن يستمع ويطيع ، وهو ليس مجبرا أن يسمع ممن يعتبرهم جهلاء وأقل منه علما ، وكثير من علماء الدين يقعون يسهولة في فخاخ وسواسهم الخناس ، فترى أحدهم يدفعه وسواسه الخناس ليستمتع بتذكير الناس دوما أنه العالم والأستاذ الذي لا مثيل له ، وأنه سوف يقول لك معلومة بتلاتة مليار دولار ، ولن يقولها ولم يقلها أحد من قبله ، وهو لا يدري أن وسواسه الخناس يصنع له بكلماته الرفض والعداء ، وكان أولى أن لا يفعله بلسانه ، حتى الوالدين في البيوت يلقي وسواسهم الخناس على ألسنتهم كلاما ينفر النفوس ويحزنها ، فتصطبغ حوارات كثير من الأسر والإخوة والعائلات بالتربص والرفض والخصام ، وكل إنسان منهم لا يدري أنه أسير مطيع خاضع لوسواسه الخناس ، ولا فكاك منه إلا بكثرة ذكر الله والاستعاذة منه ، ولعل الله يهديه كما هدى قرين رسول الله الذي قال عندما سألوه ، ألك قرين يا رسول الله ؟؟ ، قال نعم .. ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير .

ولا شك أن جهل أطباء النفس بوجود هذا الوسواس الخناس وتجاهل تأثيره على مرضاهم ، يعد سببا رئيسيا في معدلات ونسب الفشل الكبيرة للأطباء النفسيين مع مرضاهم ، فمريض الوسواس القهري ، ومريض الاكتئاب وغيرهم كثير من المرضى النفسيين يكونون ضحية لوسواسهم الخناس الذي استولى عليهم ، وأمسك بنقاط ضعف الإنسان وعلى رأسها خوفه من الفشل أو الخسارة ، أو خوفه من مشاكل الحياة ، وسوء أخلاق البشر ، وكذلك مريض الفصام هو شخص اعتاد أن يستمتع بالحديث مع وسواسه الخناس ، بل والأخطر أنه يكون المريض قد تعرض نتيجة أفعال نجسة كالسحر والذوذ لبعض الجن الكافر وأصبح يراهم ويسمعهم ، فينفصل عن الواقع تماما ، ولا شك أن مريض الإدمان .. وبنسبة أكبر من 90% هو ضحية وسواسه الخناس المسيطر عليه تماما ، ولا يستمع ولا يستجيب إلا له ، وسوف تجد الغالبية العظمى من الإرهابيين باسم الدين كانوا قبل أن يلتموا ويتشددوا من أفسد البشر وضحايا لوسواسهم الخناس ، والذي لعب بنفوسهم باسم الدين ليوقعهم في شرور نفوسهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وذلك ما يجعلنا نقول لأطباء النفس ، اعرفوا وتعلموا طبيعة خلق النفس والمؤثرات عليها من الخالق العظيم ، فهو أعلم بما خلق ، قبل أن تصدقوا بشرا وضعوا أسس علومهم من تجارب على المختلين نفسيا .

وعند انتهاء أجل الإنسان لا يموت الوسواس معه ، لأن أعمار الجن بالألف سنة ، ولكن يصبح حرا ووحيدا يبحث عن نفس أخرى ليحيا من خلالها ضيفا ثقيلا ومدمرا على الإنسان المفرط في حماية نفسه ، وعلى قرينه المرافق له ، وهذا موضوع آخر خطير ونراه كثيرا في بعض المصابين بالصرع ، نتيجة مس الجن له لأنه فرط في حمايته لجسده ، فاستولى عليه جني آخر ليحيا من خلاله ، ولذلك لا يجب أن نترك أطفالنا في أماكن موحشة أو دورات المياه بمفردهم ، ولا يجب أن ننفرد بنفوسنا لنبكي ونحزن ونحقر أنفسنا ، لأن هناك شياطين تتربص بالإنسان لتجده في لحظات ضعف حيث تتخلى النفس عن الجسد ، وتتركه دون حماية والتي تتمثل في الثقة في الله والتفاؤل ، وأهم وأكبر وسائل الحماية هو ذكر الله واسمه سبحانه ، خاصة في الصلاة ، وبالتالي لا يجب إهمال قراءة القرآن والصلاة .. {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 ، فالقرآن للمسلمين وذكر اسم الله لغير المسلم يفرض حماية على جسد الإنسان ونفسه ، والتفريط فيها هو أخطر ما يسقط الإنسان في شروره .

أخيرا .. يجب أن ننتبه للدجالين ومن يدعون أنهم يحضرون نفس بشر قد مات ، لأن هذا مستحيل حدوثه ، ولكن الدجال يستحضر الجني الذي كان قرينا للميت (الذي كان وسواسا خناسا له) ، والذي يعرف كل أسرار الميت ، فيبهر الحاضرين بما يعرفه ، ويسيطر عليهم ليبتزهم ، وربما يمس أحدا منهم ، كما يجب الحذر من الدجالين الذين يعملون الأعمال ويفكون السحر ويجلبون الحبيب ويحلون المشاكل المستعصية ، لأن كل منا قادر على فعل ما يفعله الدجال ، وفقط .. بدعاء صادق من القلب لله تعالى مصحوبا بثقة في أن الله سيستجيب له ، حتى وإن كان مذنبا مخطئا ومفرطا ، وهذا وعد الله بقوله تعالى .. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }البقرة186 ، فهو يجيب دعوة الداع أيا كان مؤمنا أو كافرا أو مشركا أو فاسقا ، وكما يقول سبحانه وتعالى في حديثه القدسي “كفاه أن عرف أن له ربا يدعوه” ، فكل الخلق عياله ورعيته وأحبابه أيا كان دينهم وإيمانهم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
جمال عمر
احسنت ا. جمال مقال مشوق وتفرد بمرادفات كثيرة شيقة وارجو ان تتفرد بمقال عن الوسواس القهري