الوسواس الخناس .. وهلاك البشر … بقلم : جمال عمر

عجبا ترى كثيرا من الناس إن لم تكن الغالبية العظمى منهم ، يعيش حياته محترفا ارتكاب أخطاء أو ذنوب بعينها لا يستطيع التوقف عنها أو الفكاك منها ، حتى تصبح من سماته الأصيلة ، خاصة في خيالاته ونواياه ثم أقواله قبل أفعاله ، حيث تعلن الأقوال عن حقيقة فكر الإنسان وتوضح أسباب سلوكياته وتصرفاته في حركة الحياة ، وربما لا نلاحظ الخطأ أوالعوار في مفاهيم البعض ، ولكننا دوما نكتشف هذا لو اقتربنا منهم ، وتبادلنا الحديث معهم ، ولو فعلت هذا سوف تجد كثيرا من شبابنا يرتع بفكره وخيالاته في ممارسة شهوته الجنسية مثلا ، وبالطبع أيضا سوف تجد مثلهم فيمن تخطوا سن الشباب ولكن ذلك أصبح منهج حياة بالنسبة لهم ، فهم يهوون الحديث والمزاح حول هذا الموضوع ، وكثير منهم قد احترف مشاهدة الأفلام والصور الجنسية ولا يترك أنثى تمر أمامه دون أن يرمقها بنظرة نهمة ، وربما يمعن الدراسة المتفحصة لما خفي منها استدلالا بما يجده مكشوفا .

وسوف تجد آخرين مهووسون بالمال والغنى ، ولا يفارق خيال أحدهم أحلام الثراء السريع ، حالما بالمتع التي يصل إليها بامتلاكه المال ، وآخرين سوف تجدهم يحلمون بالشهرة ، والبعض بالسلطة ، وآخرين أسرى لفكرة التربص بالآخرين وتفنيد الأخطاء والانتقاد والاعتراض ، وآخرين مهووسون بالسفر والترحال لمجرد تغيير المكان دون هدف ، وآخرين متيمين بمتعة الطعام وتجربة كل جديد منه ، حتى لو كان سيئا ولا يتناسب معه ، وآخرين سوف تجدهم ضحايا لفكرة الخوف من المرض ، والبحث عن أدوية وعقاقير تحفظ لهم صحتهم ، وتطيل أعمارهم ، وآخرين تخطف نفوسهم وقلوبهم فكرة جمالهم ووسامتهم والحفاظ عليها والاستزادة منها ، خاصة بين النساء والفتيات ، وربما يجد البعض مريض بتميزه ، فهو لا يترك فرصة لإظهار تفرده وتميزه عن الآخرين بمختلف الأساليب والصور .

ولا شك أن فطرة النفس البشرية فيها كل هذا ، فكلنا يريد أن يستمتع وأن يتميز وأن يكون غنيا وصحيحا وقويا ومرغوبا ومشهورا ومحبوبا وربما خالدا حتى بعد موته ، فالكل بداخل نفسه كل هذه النوازع والدوافع ، ولكن بدرجات متفاوتة تبعا للتربية والنشأة وظروف ومعطيات حياته ، كما يساعد سوء استخدام البشر لصفة الإبداع الفطرية في نفوسهم على الانحراف بكثير من هذه النوازع ، رغم أن صفة الإبداع الفطرية (الرغبة في الإتيان بالجديد) قد منحها الله لـ “بني آدم” لتعينهم على تنفيذ مهمة العبودية التي خلقهم من أجلها ، وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، ولكن سوء استخدام الإبداع ينحرف بسلوك ابن آدم وفكره ، فيصبح وبالا على نفسه وغيره ، خاصة وأن النفس البشرية رغم أنها عاشقة للخير .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، ورغم أن النفس البشرية أيضا لوامة لنفسها وغيرها لدرجة قسم الله بها .. {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ }القيامة2 ، إلا أن النفس البشرية أيضا أمارة بالسوء .. {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53 ، وكذلك ولو أطلق للنفس البشرية فسوف تفجر وتفعل ما تشاء .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، وكل ذلك في إطار منح الله لابن آدم فرصة الخيار ما بين الخير والشر .. {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }البلد10 ، وكذلك قوله تعالى .. {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }الإنسان3 .

وتتوازن الشهوات والنوازع الفطرية مع فطرات النفوس على حب الخير ، وفطرة الضمير (النفس اللوامة) ، والرغبة الفطرية للاستقامة ، ولا شك أن كل ما سبق هي عوامل داخلية تمثل نوازع ورغبات ودوافع فطرية في نفس ابن آدم ، تتصارع وتتحكم في نواياه ، وبالتالي في تصرفاته (أقواله وأفعاله) ، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد مطلقا ، فهناك عوامل خارجية متعددة ترجح كفة الخير أو الشر ، وتؤثر وبشدة في نفس الإنسان ، وبالتالي نواياه وتصرفاته ، وعلى رأسها فتن الدنيا من حوله ، ورغبته في أن يقلد ما يراه في تصرفات غيره من البشر ، فابن آدم يصاحبه نوعان متناقضان متصارعان ، الأول ملك كريم لا يأمرك ولا يذكرك إلا بكل خير ، ويحذرك من كل شر ، والآخر شيطان مريد كافر ، لا يأمرك إلا بكل شر وظنون وشكوك وفساد وفجور ، وأنت مخير أن تطيع ما تشاء وتهوى منهما .

ولا شك أو هذا “الوسواس الخناس” هو الأخطر والأكبر تأثيرا على نوايا ونفوس البشر ، وخطورته في اختفائه وعدم الإحساس بوجوده ، حيث أنه عادة لا يشعر الإنسان بوجوده مطلقا ، إلا لو كان تقيا نقيا ورعا وصاحب ضمير حي ويقظا على الدوام ، وكذلك كان واعيا وعالما بحقيقة تركيب الإنسان وما يحيطه ويؤثر فيه ، ويتدبر مفاهيم ما يحفظه ويقرأه من سور وآيات كتاب الله ، فكثير منا لم يتوقف مطلقا أمام مفهوم ومعنى “سورة الناس” في كتاب الله ، فمعظم المسلمين حفظوها صغارا وأصبحت تحتل مكانا كبيرا في صلواتهم ، ونقرأها دوما عند الأزمات والمشاكل ، ولكننا أبدا لم نتوقف لفهم معناها وأسباب أهميتها ، خاصة وأن الله سبحانه وتعالى يأمرنا فيها بالاستعاذة بقوله “قل أعوذ” ، بماذا نستعيذ ؟؟ ، “برب الناس ملك الناس إله الناس”  وتلك ثلاثة صفات وأسماء لله تعالى ، وفي هذا تأكيد وقوة للاستعاذة ، فلابد أن يكون المستعاذ منه خطير ، وعدم الاستعاذة منه لابد وأن يكون خطيرا ومدمرا للإنسان ، وهو ما يقوله سبحانه .. “من شر الوسواس الخناس” ، ليس هذا فقط بل يحدد سبحانه أين يكمن هذا الوسواس بقوله تعالى .. “الذي يوسوس في صدور الناس” ، فما قصة هذا الوسواس الخناس ؟؟ ..

الوسواس الخناس هو القرين من الشياطين ، فلكل إنسان قرينا من الشياطين ، وكل طفل يولد .. يولد معه قرين من الشياطين ، وهذا تنفيذا لوعد الله لإبليس ألا يحاسبه إلا يوم القيامة ، وأن يتركه يوسوس لابن آدم بالشر ، بواسطة أبنائه وأتباعه ، ليثبت لله أن ابن آدم (الذي رفض إبليس السجود له) ليس أفضل منه ومن جبلته (الجن) ، الذين فسدوا في الأرض ، فاستبدلهم الله بالإنس ، وهي تلك القصة التي أورها الله في سورة الحجر ، ليس على سبيل التسلية ولكن ليكون ابن آدم على علم بما سوف يتعرض له في حياته ، فيقول سبحانه .. {{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{28} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ{29} فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{30} إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ{31} قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ{32} قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{33} قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ{34} وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ{35} قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{36} قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ{37} إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ{38} قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{39} إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{40} قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ{41} إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{42} وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ{43}.. }} .

فالوسواس الخناس هو شيطان كافر ، يكن في نفسه العداء للإنسان الذي ولد معه ، ويحيا من خلال الإنسان ، فيشاركه كل شيء يفعله ، ولذلك وجب الاستعاذة منه دوما ، وهو يعرف عن قرينه الأنسي كل شيء ، خاصة ما يثير انفعالاته ويخرجه عن هدوئه واستقراره ، ما يعجبه وما يستهويه وما يغضبه وما يفرحه ، ووظيفته المستديمة أن يوسوس لابن آدم في كل لحظة وفي كل حركة وسكنة ، فهو يستمتع بالسيطرة على الإنسان ، وسوف تسمع صوته دوما في داخل رأسك وصدرك خاصة عند التعامل مع الآخرين ، يقول لك “احذر فهذا يريد أن يفعل بك كذا وكذا” ، وهذا كذاب ، وهذا مجرم ، وتلك فاسدة ، فهو لا يدلك على إلا على كل شر ، وسوف تجده حاضرا بقوة عندما تبدأ الصلاة ، فيسرع برسم صور تلهيك حتى ولو كانت خليعة وجنسية ، وهو لا ييأس أبدا ، فلو كنت لا تستهويك الخلاعة ، فسوف يذكرك بما نسيته من الأشياء ، أو يدلك على ما ضاع منك ليلهيك عن صلاتك ، فهو لا يترك لحظة أو ثانية واحدة دون أن يوسوس لك ، خاصة لو كنت تفعل شيئا من الخير ، أو تمارس عملك بنجاح ، وكذلك من أهم لحظات وسوسته عندما تخضع لضغوط اختبار أو امتحان ، أو موقف حساس ويهمك نتيجته ، فتلك هي فرصته ليبث الخوف والهلع من الفشل في نفسك ، وكذلك يخوفك من كل المقربين لك ، ويشعل الشكوك والظنون في نفسك تجاههم ، ويصور لك أن هذه الأفكار هي من وحي ذكاءك وفطنة عقلك ، وتظهر علامات سيطرة الوسواس الخناس على الإنسان ، عندما تجد الشخص متشائما كئيبا ، أو “موسوسا” يسأل كثيرا ويفترض السوء ، ويشكك في كل خير ، ودائم القلق والانزعاج ، أو دائم الوجوم والصمت الحزين المنكسر ، أو دائم النميمة والحديث عن غيره بالسوء .

وما أكثر ما يسمع الإنسان في داخله لصوت قرينه ، فيقول لك .. {عارف يا فلان .. فهمتي يا فلانة .. يا سلام يا واد لو عملت كذا ، ويا سلام يا بت لو قولتي كذا ، فوقي يا بت ، صحصح يا فلان } ، فهو سوف يخاطبك بأجمل أسلوب يستهويك حتى لا تنتبه أنه وسواسك الخناس ، فتعتاد عليه وتستسلم له فيسيطر على كل أفكارك ويوجهها كيفما شاء ، والهدف لديه وحيد ، وهو أن تخرج من الدنيا كافرا ، وإن لم يكن .. فمشركا ، فإن لم يكن .. ففاسقا فاسدا ، فإن لم يكن .. فمجرما ظالما ، فإن لم يكن .. فحزينا يائسا من رحمة الله ، وأبسط وساوسه أن يشكك الإنسان في كل الناس حوله ، مستخدما أسلوب التخويف لتوجيه الإنسان .. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران175 ، وأولياؤه هم الذين يصدقونه ويطيعونه ، وأبسط وسائل محاربته وتقليل تأثيراته هو الاستعاذة الدائمة كلما خطر على فكرك وخيالك شيئا سيئا أو شرا أو شكا أو حزنا ، والأهم التمسك بحسن الظن بالله في خلقه ، لأن كل خلق الله بيد الله وقادر على أن يجعلهم خيرا عليك ، لو أحسنت الظن بالله ، حتى ولو كانوا هم الشر بعينه ، فالله عند ظن عبده به ن خيرا أو شرا ، فإذا طننت أن الله لن يغفر لك فقد يئست من رحمة الله ، وذلك أكبر ذنوب العبد في الدنيا التي لا تغتفر ، فالله غفور رحيم ، ويغفر الذنوب جميعا ، وهو أرحم بعباده من الأم برضيعها ، وسبحانه قد تحدى الملائكة بابن آدم قائلا {إني أعلم ما لا تعلمون} ، فهل سيخذله ابن آدم ؟؟ .

ومن أخطر ما يفعله الوسواس الخناس أن يقوم بدفع قرينه الإنسان في اتجاه التقرب من الله ، فيدفعه للصلاة والصيام والالتزام بحجة أنه فرط وقصر كثيرا في حق الله ، وذلك فقط عندما يلمس في نفس الإنسان لمحة الكبر والغرور ، فيوسوس له بالتشديد في الفروض والنوافل ، ثم يذكره دوما أنه أفضل من كثير من البشر ، وأنه يفعل ما لا يفعله معظم الناس ، وأنه لابد أن يكون سيدا ومميزا عليهم ، فترى كثيرا من الملتزمين متجهمين متنطعين ، ويرون أن معظم الناس فسقة وفاسدين ولا يستحقون المعالمة الحسنة ولاالاحترام ولا التعاطف ، ويكرهون من يخالفهم الفكر ، بل وربما يستحلون دماءهم وأعراضهم وأموالهم ، تماما مثلما يفعل تجار الدين ، وأتباعهم من الجهلاء والحمقى والمتنطعين باسم الدين والتدين ، وذلك تحديدا ما استخدمته الماسونية بواسطة المخابرات البريطانية عندما أنشئت الوهابية وإخوان المسلمين والسلفيين والجماعات المنبثقة منهم لاختراق المجتمعات المسلمة ، وذلك باختيار المهمشين والجهلة والمجرمين ، والرغبين في التميز والشهرة والسيادة ، وصنعت منهم أمراء ومشايخ وقادة باسم الدين ليخربوا بلادهم ويهدموا قيم الدين والأخلاق .

ولا يعتق الوسواس أحدا مطلقا ، حتى العلماء والمشايخ ، فترى كثير من ممن احترفوا العلم ينظرون لغيرهم نظرة استعلاء ، فغيرهم جاهل لابد أن يستمع ويطيع ، وهو ليس مجبرا أن يسمع ممن يعتبرهم جهلاء وأقل منه علما ، وكثير من علماء الدين يقعون يسهولة في فخاخ وسواسهم الخناس ، فترى أحدهم يدفعه وسواسه الخناس ليستمتع بتذكير الناس دوما أنه العالم والأستاذ الذي لا مثيل له ، وأنه سوف يقول لك معلومة بتلاتة مليار دولار ، ولن يقولها ولم يقلها أحد من قبله ، وهو لا يدري أن وسواسه الخناس يصنع له بكلماته الرفض والعداء ، وكان أولى أن لا يفعله بلسانه ، حتى الوالدين في البيوت يلقي وسواسهم الخناس على ألسنتهم كلاما ينفر النفوس ويحزنها ، فتصطبغ حوارات كثير من الأسر والإخوة والعائلات بالتربص والرفض والخصام ، وكل إنسان منهم لا يدري أنه أسير مطيع خاضع لوسواسه الخناس ، ولا فكاك منه إلا بكثرة ذكر الله والاستعاذة منه ، ولعل الله يهديه كما هدى قرين رسول الله الذي قال عندما سألوه ، ألك قرين يا رسول الله ؟؟ ، قال نعم  .. ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير .

ولا شك أن جهل أطباء النفس بوجود هذا الوسواس الخناس وتجاهل تأثيره على مرضاهم ، يعد سببا رئيسيا في معدلات ونسب الفشل الكبيرة للأطباء النفسيين مع مرضاهم ، فمريض الوسواس القهري ، ومريض الاكتئاب وغيرهم كثير من المرضى النفسيين يكونون ضحية لوسواسهم الخناس الذي استولى عليهم ، وأمسك بنقاط ضعف الإنسان وعلى رأسها خوفه من الفشل أو الخسارة ، أو خوفه من مشاكل الحياة ، وسوء أخلاق البشر ، وكذلك مريض الفصام هو شخص اعتاد أن يستمتع بالحديث مع وسواسه الخناس ، بل والأخطر أنه يكون المريض قد تعرض نتيجة أفعال نجسة كالسحر والذوذ لبعض الجن الكافر وأصبح يراهم ويسمعهم ، فينفصل عن الواقع تماما ، ولا شك أن مريض الإدمان .. وبنسبة أكبر من 90% هو ضحية وسواسه الخناس المسيطر عليه تماما ، ولا يستمع ولا يستجيب إلا له ، وسوف تجد الغالبية العظمى من الإرهابيين باسم الدين كانوا قبل أن يلتموا ويتشددوا من أفسد البشر وضحايا لوسواسهم الخناس ، والذي لعب بنفوسهم باسم الدين ليوقعهم في شرور نفوسهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وذلك ما يجعلنا نقول لأطباء النفس ، اعرفوا وتعلموا طبيعة خلق النفس والمؤثرات عليها من الخالق العظيم ، فهو أعلم بما خلق ، قبل أن تصدقوا بشرا وضعوا أسس علومهم من تجارب على المختلين نفسيا .   

وعند انتهاء أجل الإنسان لا يموت الوسواس معه ، لأن أعمار الجن بالألف سنة ، ولكن يصبح حرا ووحيدا يبحث عن نفس أخرى ليحيا من خلالها ضيفا ثقيلا ومدمرا على الإنسان المفرط في حماية نفسه ، وعلى قرينه المرافق له ، وهذا موضوع آخر خطير ونراه كثيرا في بعض المصابين بالصرع ، نتيجة مس الجن له لأنه فرط في حمايته لجسده ، فاستولى عليه جني آخر ليحيا من خلاله ، ولذلك لا يجب أن نترك أطفالنا في أماكن موحشة أو دورات المياه بمفردهم ، ولا يجب أن ننفرد بنفوسنا لنبكي ونحزن ونحقر أنفسنا ، لأن هناك شياطين تتربص بالإنسان لتجده في لحظات ضعف حيث تتخلى النفس عن الجسد ، وتتركه دون حماية والتي تتمثل في الثقة في الله والتفاؤل ، وأهم وأكبر وسائل الحماية هو ذكر الله واسمه سبحانه ، خاصة في الصلاة ، وبالتالي لا يجب إهمال قراءة القرآن والصلاة .. {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }الإسراء45 ، فالقرآن للمسلمين وذكر اسم الله لغير المسلم يفرض حماية على جسد الإنسان ونفسه ، والتفريط فيها هو أخطر ما يسقط الإنسان في شروره .

أخيرا .. يجب أن ننتبه للدجالين ومن يدعون أنهم يحضرون نفس بشر قد مات ، لأن هذا مستحيل حدوثه ، ولكن الدجال يستحضر الجني الذي كان قرينا للميت (الذي كان وسواسا خناسا له) ، والذي يعرف كل أسرار الميت ، فيبهر الحاضرين بما يعرفه ، ويسيطر عليهم ليبتزهم ، وربما يمس أحدا منهم ، كما يجب الحذر من الدجالين الذين يعملون الأعمال ويفكون السحر ويجلبون الحبيب ويحلون المشاكل المستعصية ، لأن كل منا قادر على فعل ما يفعله الدجال ، وفقط .. بدعاء صادق من القلب لله تعالى مصحوبا بثقة في أن الله سيستجيب له ، حتى وإن كان مذنبا مخطئا ومفرطا ، وهذا وعد الله بقوله تعالى .. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }البقرة186 ، فهو يجيب دعوة الداع أيا كان مؤمنا أو كافرا أو مشركا أو فاسقا ، وكما يقول سبحانه وتعالى في حديثه القدسي “كفاه أن عرف أن له ربا يدعوه” ، فكل الخلق عياله ورعيته وأحبابه أيا كان دينهم وإيمانهم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. احسنت ا. جمال مقال مشوق وتفرد بمرادفات كثيرة شيقة وارجو ان تتفرد بمقال عن الوسواس القهري

اترك رداً على امير خضر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *