السعادة .. في رمضان (1) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
31 مارس، 2022
اراء ومقالات, الشئون الدينية, المقالات والرأي
674 زيارة

كل عام وكل البشر على الأرض بكل الخير والصحة والسعادة ، بمناسبة شهر رمضان المعظم ، ولا نخص بالتهنئة المسلمين فقط ، مثلما يفعل تجار الدين الذين يرون “مثل اليهود” أن من ولد مسلما هو فقط من أولياء الله وعياله وخاصته ، فكل عام وكل إنسان خلقه الله وجعل له رزقا في الدنيا راض وسعيد بحياته ومعطياتها ، فقمة درجات السعادة هي في الشعور بالرضا عن معطيات الله في الحياة ، وتلك معجزة الله في خلقه لابن آدم ، فلا تصل نفسه للسعادة ، ولا تتفجر هرمونات السعادة في نفسه إلا لو ذاق المشقة والكبد والتعب في سعيه لإعمار الدنيا ، ونجح في تحقيق الفائدة لغيره ، فالنفوس المرفهة أقرب النفوس للاكتئاب والإحباط بل والانتحار ، والأجساد المرفهة ضعيفة مترهلة أقرب للمرض والعجز من الأجساد المتعبة المرهقة من العمل والكد والكدح .

فمن إعجاز الله في خلقه للبشر ، أنه لا تتفجر هرمونات السعادة في جسد الإنسان عند حصوله على المتعة من تحقيق شهواته مطلقا ، فالمتع تفجر هرمونات المتعة الوقتية فقط (الدوبامين – الأندروفين) ، والتي إن لم تلحقها هرمونات السعادة (السيروتونين – الإكسيتونين) ، انقلبت المتعة لإحباط واكتئاب ووولدت في النفس نهما مرهقا خلف مزيد من المتع وهو ما يدفع محترفي المتع للإرهاق النفسي والإحباط والاكتئاب ، وعجبا لمعجزة خلق الله للنفوس فلا تتفجر هرمونات السعادة إلا عندما ينجح في إسعاد غيره ، ويتعب ويكد من أجل من حوله ، وتكتمل سعادةالإنسان من أية متعة عندما تكون متعته مشتركة ومرتبطة مع متعة غيره ، وهو ما يحدث بين الأزواج لو كان أحدهما أو كلاهما حريصا على متعة وسعادة الآخر ، فيعلمون ويتعلمون ويذوقون معنى السعادة ، فعندما تدرك النفس أنها قد أسعدت مخلوقا غيرها ، تتفجر في الجسد هرمونات السعادة بتركيزات عالية ، ولذلك سوف تجد الأم الكادحة لبيتها وأولادها هي أسعد مخلوقات الله على الأرض ، ولا تكل ولا تمل من كدها وكدحها لراحة أسرتها ، مهما اشتكت وصرخت من متاعبهم فشكواها مجرد تنفيس وتفريغ لطاقات سلبية ناتجة عن ميول فطرية لدى البشر خاصة الأنثى ، فتكسبها مزيدا من القوة والصبر والتحمل ، فالمشقة والكد والتعب هم بذور السعادة الحقيقي .

ولذلك .. فشهر رمضان بمشقته مراسمه يعد أجمل وأروع مناخا للسعادة ، خاصة في بلادنا العامرة بطقوسه الموروثة وهو ما يجعله شهرا زاخرا بمظاهر وعلامات السكينة والسعادة ، وإضافة لما يحمله الشهر من عبق وذكريات وسكينة تعم الأجواء والشوارع والمنازل ، يمتاز رمضان بتزايد مشاعر الود والتراحم بين البشر ، فلا يوجد صائم واحد لا يقدم زكاته وصدقاته في هذا الشهر ، حتى لو كانت لقمة أو تمرة أو حتى بسمة وكلمة طيبة ، فشعورك بأنك قدمت منفعة أو إفطار لصائم ، أو ساعدت ضعيفا أو مريضا أو فقيرا محتاجا ، كل هذا يفجر هرمونات السعادة بكثافة عالية في جسدك ، ويمنحك شعورا بالرضا عن نفسك التي حققت أهم وأكبر رغباتها وشهواتها الفطرية بالقدرة على العطاء ، فالنفس التي لا تعطي فقيرة محرومة كئيبة لا تنال السعادة مطلقا ، ولا تصل لقمة السعادة في الرضا مهما خطفت من ألوان المتع في الدنيا ، ولذلك تجد أجواء النفوس في رمضان هانئة ولها عبق خاص ، تشتم رائحته في أنفاس الطرقات والبيوت وتسحرك نغماتها الأثيرية من تراتيل ونداءات الآذان والصلوات ، بعيدا قدر الإمكان عن حمى الفضائيات وشياطين الإنس المتسللة للنفوس والبيوت باسم الفن والدراما الرمضانية .

ولنتوقف قليلا أمام قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، ففي هذه الآية الكريمة يختتمها سبحانه بتوضيح بليغ يجيب باختصار عن السؤال الذي نخطيء دوما في الإجابة عليه .. لماذا فرض الله الصيام على البشر ؟؟ .. ، فالصيام هو أقدم مناسك الخضوع والاستقامة والتي فرضها الله على كل خلقه عبر تاريخهم على الأرض ، وهو قوله تعالى .. { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ .. }البقرة183 ، فأهم أسباب فرض الصيام هو تهذيب النفوس ، بمعنى .. أن النفس التي تمتنع عن الحلال من طعام وشراب وشهوة امتثالا لأمر الله ، لعلها تستحي أن تفعل الحرام وهي ممتنعة عن الحلال ، وهو قوله تعالى { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، لعلكم تعتادون اتقاء غضب الله وسخطه في ارتكاب المحرمات وأنتم ممتنعون عن الحلال خلال رمضان ، فتخرجون من شهر الصيام وقد امتنعتم عن الحرام ، فهو تربية وتهذيب للنفس لعلها تستقيم خلال رمضان فتستمر استقامتها بعد رمضان وحتى رمضان التالي ، فيكون رمضان علاجا وتقويما سنويا دوريا للنفوس (لعلكم تتقون) .

ولكن عجبا .. فالنداء هنا ليس للمسلم .. ولكنه للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) ، لأن النفس التي أسلمت لله عندما ترتقي في إسلامها تصبح مؤمنة وهي درجة أعلى في القرب من الله ، ولذلك فالنداء (يا أيها الذين آمنوا) هو تحفيز لكل مسلم أن ينتقل من مرتبة الإسلام لله فقط إلى مرتبة الإيمان ، وفارق كبير بين المسلم والمؤمن ، حيث وضحه سبحانه بقوله تعالى .. {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الحجرات14 ، فالمسلم هو من يسلم الناس من أذى لسانه ويده ، أما المؤمن فهو .. من يأتمنه الناس على أموالهم ونفوسهم وأعراضهم ، فالله يدعو كل مسلم أن يرتقي لمراتب الإيمان ، لأن الإيمان هو ما يحمي ابن آدم من الزلل والسقوط فيما يغضب الله ، ويصون المجتمعات من الشرور ، لأن الإيمان هو يقين في القلب ، يمنحه السكينة والرضا ، ويرفع قدور حبه لغيره من البشر ، حتى قال رسولنا الكريم (والله لا يؤمن ثلاثا .. من لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ، والإيمان يزيد النفس قوة وقدرة على التصدي لما يجرها لسخط الله وغضبه من الشهوات وفتن الدنيا ووسوسة القرين وهمزات الشياطين .

ولذلك سوف نجد أن المؤمن على وجه الخصوص .. قد حظى باهتمام آيات القرآن العظيم كثيرا ، فالمؤمن في كتاب الله مبشر برضا الله {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين} البقرة223& يونس87& الصف13 ، والله يتولى المؤمن ويتكفل به { وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } آل عمران68 ، { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الأنفال64 ، والمؤمن هو محل فضل الله { وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران152 ، وبشر الله المؤمنين بالفضل الكبير {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً }الأحزاب47 ، والله لا يضيع أجر المؤمنين { وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}آل عمران171 ، كما الله وعد المؤمنين بعظيم الأجر { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} النساء146 ، والمؤمن دوما في معية الله { وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنفال19 ، والله وعد المؤمنين أن ينجيهم من كل كرب وهم وغم {وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ }الأنبياء88& يونس103 ، والمؤمنين فقط هم من تنفعهم التذكرة {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }الذاريات55 ، كما وعد الله من يؤذيهم أو يفتنهم عذاب جهنم {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }البروج10 ، كما وعد الله المؤمنين بجناته ورضوانه {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة72 ، كما وعد الله المؤمنين بالنور بين أيديهم يوم القيامة وجزاهم بالجنة {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }الحديد12.

فالصيام هو تدريب عظيم للنفس لترتقي إلى مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان ، وبالتالي فالخاسر .. هو من لا ينتهز فرصة التأهيل الرمضانية الرائعة بمشقتها ، ويرتقي بنفسه ليكون مؤمنا ، فالإيمان يستوجب رضا الله ومغفرته لعبده المؤمن ، ولذلك ما قاله رسولنا الكريم .. “رغم أنف امريء دخل رمضان وخرج ولم يغفر الله له” ، والرغم هو التراب والمعنى “دست أنفه في التراب من الذل والخسارة من لم يخرج من رمضان مغفورا له” ، فرمضان شهر نفحات الله تعالى ، فلله عتقاء من النار في كل ليلة ، ويتعق في آخر ليلة مقدار ما عتق من النار في الشهر كله ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، هي ليلة القدر ، لا يرد الله فيها دعاء ، ويغفر فيها لمن يشاء ، ويتنزل سبحانه في كل ليلة منه ليغفر ويستجيب لمن يدعوه ، وتصفد الشياطين ، وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار ، فهو شهر خيرات ونفحات من الله على خلقه وعباده ، وطوبى لمن فاز برضا الله وغفرانه ورحمته في هذا الشهر ، حتى ولو فاز بلحظة رضا لله من الشهر كله ، فهي خير له من الدنيا وما فيها .

وأخيرا .. يجب أن لا ننسى .. أن نكثر من الدعاء بكل الخير لغيرنا ، وتلك ليست دعوة للحب والتعاطف ، ولكنها ذكاء في التعامل مع الله ، فكل خلقه عياله ، ومن دعا واهتم و أحب غيره من عيال الله وخلقه ، أحبه الله ورعاه واستجاب له ووهبه كل الخير لنفسه بكل دعوة دعاها لغيره ، ولا ننسى أيضا أن قضاء حوائج الناس ومصالحهم مقدمة على فعل المناسك ، فمن سهر الليل في صلاة التهجد والقيام ، ثم استيقظ متعبا فمنعه تعبه عن قضاء مصالح الناس أو قصر في عمله ، فقد استوجب سخط الله وغضبه ، فمصالح الناس وقضاء حوائجهم جعلها الله مقدمة وخير من الاعتكاف والانقطاع للمناسك ، حيث قال صلوات وربي وسلامه عليه ( لساعة يقضيها أحدكم في حاجة أخيه ، قضاها الله أو لم يقضها ، لهي أحب إلى الله من اعتكاف أحدكم في مسجدي هذا شهرا أو شهرين ) ، فلابد أن نكون حريصين أن لا يكون صيامنا مانعا أو معوقا أو مسببا للتقصير في العمل أو الواجبات ومصالح الناس ، حتى لا يكون صيامنا وبالا وسيئات مضاعفة وخسرانا علينا ، ولا ينالنا منه إلا الجوع والعطش ، وليس من العقل ولا الدين أن تصوم لتفطر بمال حرام تكتسبه من عمل قصرت فيه ، أو نصوم لنهذب نفوسنا فنوبقها بفعل المحرمات بالإضرار بمصالح الناس ، ونحن ممتنعون عن الحلال ، ولنجعل رمضان أيام خير وبركة ورضا وسعادة نمنحها لغيرنا ، ونحن على يقين أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا …
جمال عمر