توقفنا سابقا عن حقيقة السعادة ، وعرفنا معجزة الله في خلقه للإنسان ، والتي تتمثل في أن هرمونات السعادة لا تتفجر في جسد ابن آدم إلا بالعطاء ، وذلك عندما يكد ويتعب الإنسان أو يبذل الغالي والنفيس مما يحب في خدمة ومعاونة غيره من البشر ، فقمة السعادة “الرضا” هي بالعطاء والبذل مما تحب .. وهو ما يقوله الخالق عز وجل .. { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ .. }آل عمران92 ، فالقدرة على العطاء هي الأمل الفطري المعجز في نفوس البشر ، ولا يدرك الإنسان السعادة مهما نال من المتع إلا بالعطاء والقدرة عليه ، وكلما زاد العطاء زادت قدور السعادة ، ويعد الرضا هو قمة السعادة ، وهو أن تكون راضيا بكل ما آتاك الله من معطيات في دنياك ، حتى وإن رآه غيرك شرا أو ضعفا ، فمعطيات الله لكل إنسان في حياته يكون لها وبينها توافق وتناغم معجز وبديع ، ولكن أكثر الناس لا يعقلون ذلك ولا يفهمونه ، ولذلك كثيرا ما نرى بشرا يمتلكون الكثير من المتع ، ولكنهم أبدا لم يصلوا للسعادة ، بل إنه من المعتاد أن تجد أكثر الناس رفاهية ومتعا هم أقلهم سعادة وأكثرهم شكوى وعدم رضا .

ورأينا كيف خاطب الله الصائمين بقوله تعالى (يا أيها المؤمنين) ، برغم الاختلاف الكبير بين المؤمن والمسلم ، ولكننا نعلم جيدا أن الإيمان المرتبة الأرقى في القرب من الله ، ولذلك فالغالبية العظمى من المسلمين لم يرتقوا ليكونوا مؤمنين ، ولذلك فخالق النفوس الذي يعلم أسرارها وتفاعلاتها وردود أفعالها ، يعلم سبحانه .. أنه عندما ينادي عباده بقوله تعالى .. (ياأيها الذين آمنوا) ، فكل المسلمين بلا استثناء سوف يعتبر النداء له شخصيا ، فلا يستطيع مسلما أن يرى نفسه غير مؤمن ، بل إن كل مسلم يرى في تقديره لنفسه .. أنه مؤمن وشديد الإيمان أيضا ، فسبحان من خلق النفوس ، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ، وتعرضنا للسبب الأساسي الذي فرض الله من أجله الصيام ، وهو (لعلكم تتقون) ، وهو تهذيب النفس وتقويم اعوجاجها ، بمعنى … لعل الصائم (الممتنع عن) الحلال وهو (طعام – شراب – شهوة) في نهار رمضان ابتغاء (من أجل) مرضاة الله ، لعله يستحي أن يفعل حراما مما اعتاد فعله قبل رمضان ، وهو ممتنع عن كل الحلال طاعة لربه ، فإذا اعتاد تجنب الحرام شهرا ، فلعله لا يعود له مرة أخرى بعد رمضان .. وذلك هو مفهوم قوله تعالى .. (لعلكم تتقون) .

وهناك مشهدان لنوعين من الصائمين ، لا يجدان السعادة ولا يشعران بالرضا والسكينة مهما نهلوا من ألوان المتع في رمضان ، ومهما فعلوا مما يرضي نفوسهم من عادات أو طقوس ومناسك ، أما النوع الأول فهو نوع صوام قوام مداوم على المناسك بحقوقها ، ملتزم بالأذكار وشديد الإلتزام بصلاوات القيام والتهجد في رمضان ، ولكنه لا يجد حرجا في أي يهمل عمله ويقصر فيه ، رغم أنه يتقاضى عنه الأجر كاملا ، ، بل ربما يستحل الهروب من العمل أو الغش فيه ، أو الفساد فيه أو تعطيل لمصالح الناس ، بحجة أن (رمضان كريم) ، وهذا النوع جاهل بناموس الله في خلقه ، فتقصير العمل أهدار للحقوق محرم شرعا ، والأجر الذي يتقاضاه المقصر عليه يكون حراما ، ولا صلوات الليل كله تعادل تقصيرا مهما صغر في مصالح بشر أو واجبات عمل ، فهؤلاء حقا من ينطبق عليهم تعبير الحق سبحانه بـ .. (الأخسرين أعمالا) ، ويقول فيهم في سورة الكهف .. { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } الكهف 103 & 104 ، فأمثال هؤلاء لا يفقهون من الدين حقيقته ، ويظنون أن الدين ليس إلا مظاهر ومناسك ، وهم أخطر على دين الله من المفرطين والمنحرفين ، لأن المفرط يعلم أنه مفرط ويتمنى التوبة ، وأمثال هؤلاء يظنون أنهم أولياؤ الله وخاصته ، وأهل الدين وحماته ، فهم أقرب للتطرف والإرهاب باسم الدين ، أو على الطرف الآخرأقرب للانحراف والشرك والكفر بالله لو تعرضوا لفتن في دينهم .

أما النوع الثاني .. فهم الصائمات بلا حياء من الله ، أو حياء من الناس ، أو حياء من النفس ، فترى الأنثى منهن مسلمة صائمة ، يدلك عليها ما تغطي به رأسها .. وفقط ، وربما في يدها مسبحة صغيرة أو اليكترونية ، ولكن .. نصف جسدها السفلي موصوف في بنطال ضيق مفصل على الجسد ، حتى تكاد وكأنها عارية أو شبه عارية ، وتلك ليس لها من صومها إلا الجوع والعطش ، فهذه ليست مؤمنة مهما فعلت ، فهي فقط مسلمة وأيضا عاصية مفرطة ، وتتعمد إعلان الحرب على الله ، في شهر رمضان وهي صائمة ، فهي تعلم ومدركة تماما لما تعرضه من مفاتن جسدها ، {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }القيامة 14 & 15 ، وهي قد اعتادت ألا تقيم وزنا سوى لأهوائها وإرضاء نفسها بنظرات الناس لجمال جسدها ومفاتنها ، وبالتالي فخوفها من الله وسخطه ليس له اعتبار في نفسها ، كما أنها تربت على أن روعة جسدها وإعجاب العيون به ، هو أهم لديها من كل شيء وفوق كل اعتبار أو قيم ومباديء دين أو أخلاقيات إنسانية رفيعة .

بل ربما تغضب هذه النصف عارية وتحزن كثيرا ، لو لم تلفت لها أنظار غيرها خاصة الرجال ، وهو ما يسمونه في علم النفس “العهر الذاتي” ، وتفاقم العهر الذاتي في النفوس عاقبته وخيمة ومدمرة للنفس والحياة ، وكأنها لا تعرف أن السيئات التي تتحملها من جراء ملابسها تزيد عن ملايين الأضعاف لحسنات امتناعها عن الطعام والشراب ، فصيامها لو أخدت عليه عشر حسنات ، فقد تحملت ملايين السيئات بعهر بنطالها الذي فصل مفاتن جسدها لكل من رآها ، إضافة لسيئات آثاره النفسية على غيرها ، وإفسادها لصيام كل من رآها ، ولست أدري كيف تتحمل هذا ، ولا عجب ، لو أصبحت تعيسة كئيبة ، ولا حق لها أن تتعجب أو تتساءل عن ضيق صدرها وحرمان الله لها من الرضا والفرحة بأي شيء ، وكأنها لا تعرف لماذا يؤخر الله عنها كل ما تتمناه ؟؟ ، ولماذا هي دوما مصابة بما يعكر صفو حياتها يوميا ؟؟ ، والجواب سوف تقرأه في القرآن العظيم ، حيث الله وعد أمثالها بـ “حياة ضنكا” ويحشرههم يوم القيامة عميا ، لأنهم يتناسون حكم الله وآياته ، ويغمضون عيونهم وقلوبهم ويتجاهلون أوامر الله ، وذلك تمشيا مع الموضة والتطور والشياكة وفتن الدنيا ، وهوى النفس وعهرها .

وسامحوني فلن أكذب .. ولن أجامل بشرا على حساب كلمة حق ، خاصة في رمضان ، ولذلك لم ولن أخفي تعجبي وحزني الشديد على من بجهله يتحمل في رمضان جبال من السيئات المضاعفة لأنها في رمضان ، وذلك بسبب اعتياده على أعمال يفعلها دون تردد أو فهم أو محاسبة للنفس ، خاصة هذه الأمثلة المتكررة في كل بيت وحارة وشارع ، وما أكثرها في الأحياء الفاخرة والكمبوندات العامرة تقليدا لمشايخ الفرق والجماعات ودعاة الفضائيات ، أو على الطرف الحريمي هرولة على خطى مشاهير الفنانات والعارضات في الدراما والإعلانات ، فمثل هؤلاء لست أدري كيف تصوم عن الحلال (طعام وشراب) ابتغاء مرضاة الله ، ثم يرتكب ذنوبا وخطايا من الكبائر عند الله ، لمجرد اعتياده عليها ، أو بحجة أن الناس تفعلها ، فهل الناس تستطيع أن تمنع عنك عذاب الله وسخطه ؟؟ ، ولو فهم وأدرك حقيقة معنى (لعلكم تتقون) ، لكان رمضان شهر هداية وتقويم لكل سلوكياته وتصرفاته ونواياه ، ولأصبح رمضان بحق هو شهر الهداية ، وليس شهر المسلسلات والفوازير وبرامج التسلية الرمضانية ، لتتضاعف السيئات ليلا على الفضائيات ، ونهارا بتقصير في العمل ، فيتحول رمضان من شهر بركة ورحمة ، إلى شهر عقاب وسيئات مضاعفة .

ويال روعة الضياع والإهدار لو اكتملت مفرمة الشهر الكريم يطاحونة العلف الرمضاني ، وتحول الإفطار إلى فرصة لكل ألوان الطعام ومشهياته ، ليتم تدمير صحة الجسد خلال شهر رمضان ، وفي النهاية ، كيف يريد شخصا أن يكون سعيدا ، وهو يصوم عن الحلال ويفطر بكل ألوان الحرام ، بداية من ابنته وزوجته وهي تخرج شبه عارية ، وحسابه على فعلها عسير ، ومرورا بهروبه من واجباته وتقصيره في عمله ، ورشوة دفعها لقضاء مصلحة ، أو ربما تقاضاها مستحلا لها ، وغيبة ونميمة لم تتوقف طوال النهار يسلي بها وقته ، وتوقفا عند .. مفجعة الإفطار ، واستكمالا بسهرات الفضائيات ما بين العشق والشهوات والجرائم ، أو برامج الهلع والتخويف أو فضح أسرار البشر وهتك سترهم وأعراضهم باسم الفن والتسلية ، ليضع الشخص في ميزانه في نهاية اليوم بضعة آلاف من الحسنات من الصيام والصلاة والصدقة والقرآن وهو شيء عظيم ، ولكن للأسف يقابلها .. ملايين بل مليارات كثيرة من السيئات ، فالعقوبات مضاعفة في رمضان مثل السيئات … ثم نعود ونسأل .. كيف فقد رمضان بهجته وعبقه وروعته التي عشناها في الماضي ؟؟ .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
