رغم الإجماع الإنساني الظاهري عبر تاريخ البشر على رفض الكذب والبهتان وتجريم الضلال إلا أننا كنفوس وتحت ضغط الوسواس الخناس وتعظيمه من الرغبات والشهوات قد نستحل البهتان والكذب أحيانا كثيرة ، ونلتمس لنفوسنا الأسباب والدوافع للكذب والافتراء وترويج الضلال ، بل وأحيانا نرى أننا ربما لا نقول الحقائق المجردة ، ولكننا (عذرا) عندما نكذب نسميها (رؤيا ووجهات نظر) أو تجمل ، ونحن نعلم أنها محاولات نفسية مفضوحة لتبرير الكذب الذي يتحول إلى البهتان والضلال وإصباغه بالمشروعية خاصة لو كانت تخص العقيدة والقيم الفكرية لمنح النفس مزيدا من حرية الفجور ، ولكن يظل ابن آدم موقنا في أعماق نفسه بضلاله وجرمه ، وهو ما يندرج تحت مسمى الانحراف النفسي ، ليصدق فينا قوله تعالى .. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }القيامة14 ، 15 .

وتلهينا الحياة بالركض خلف رغباتنا وشهواتنا والأمل في الحياة ومواجهة مصاعب الحياة ومشاغلها ، فنغفل ونتجاهل ونغمض العيون والعقول والقلوب ، فلا نسأل أنفسنا لماذا هذا الاستمرار في الانحراف والسقوط في مستنقعات البهتان والضلال ، ولماذا نصدق أنفسنا ونحول الخيال لحقائق ثم أساطير متزايدة ومتعاظمة يوما بعد يوم ، نؤمن بها ونعتبرها مرجعيات لمعتقداتنا التي تتحكم في سلوكياتنا اليومية ، ولماذا لم نحاول كبشر في أي مكان وزمان في العالم أن نتوقف متعقلين باحثين عن الحقائق المجردة في معتقداتنا لننقحها ونخلصها من خيالات وأساطير علقت بها عبر التاريخ البشري ، خاصة وأن النتائج الواقعية تؤكد أننا أصبحنا نرتع في حماقات العداء بداية من علاقاتنا الشخصية ومرورا بالأسر والمجتمعات ونهاية بعلاقات الدول والأمم ببعضها ، والتي تقترب من حرب عالمية مدمرة قد لا تبقي على حياة على وجه الأرض .

ومجرد استعراض سريع لما يدور من حولنا في العالم فسنكتشف أننا نعيش ضلالات واضحة نتبادلها ونحاول تصديقها وتفعيل نتائجها رغم اليقين داخلنا أننا كاذبون ومراوغون ، كلنا يعلم أن مباريات الكرة هي مجرد تسلية ولعب والهدف منها الترويح عن النفوس وتشجيع الرياضة للحفاظ على الصحة ، ولكننا حولناها لكل ألوان الشرور ، بداية من الإتجار بالبشر وتحقيق الثراء ، وانتهاء بإشعال الفتن بين المشجعين لتحصيل أعلى إيرادات من جنون التشجيع لجيوب بعينها ، وناهينا عن هدم قيم العلم والعمل والاجتهاد ، حيث جعلنا من لاعب متدني الفكر والتعليم وربما الأخلاق ، ولايجيد شيئا نافعا سوى الجرى خلف كرة مملوءة بالهواء ، ليصبح أعلى دخلا واحتراما وشهرة وتقديرا من علماء وأبطال ضحوا بحياتهم وأموالهم ونفوسهم من أجل غيرهم من البشر ، فأسقطنا بأهوائنا مفهوم القدوة وقيمة العلم والعمل وأهمية الحضارة والتطور وبالتالي الهدف من حياة البشر .

وكلنا يعلم أن السياسة بين الدول لها ألف ميزان ومكيال ، وما يصلح مع دولة لا يصلح لأخرى ، ورغم تشدقنا جميعا بحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية وقيم الإخاء والاحترام ، إلا أن هناك بشرا يعد المساس بمشاعرهم جريمة لا تغتفر ولا يتم التهاون معها ، مثل اليهود ، حيث لا يستطيع بشرا أن ينتقد أكذوبة السامية أو ينتقد لهم سلوكا ، أو ينكر “الهولوكوست” ، في مقابل آخرون أرضهم ودماءهم ومستقبل حياتهم لا تساوي أكثر من الشجب والإدانة وبضعة دولارات لإسكات الأصوات وتجاهل معاناتهم ، كالفلسطينيين والمسلمين في شتى بقاع الأرض ، ومع ذلك نتعايش مع الواقع ولا نتوقف ولا نحاول مواجهة وتصحيح هذه الأكاذيب العالمية .

والعالم كله يعلم .. أن أمريكا قد دخلت العراق ومن قبلها أفغانستان بلا مبرر حقيقي معلن ، وأن مهازل الحرب في العراق وسوريا لها أهداف دينية بحتة في عقول وقلوب طائفة الكاثوليك اليهودية المسيحية تحت راية الصهيونية (نسبة لجبل صهيون في فلسطين) ، مع صبغة استعمارية خبيثة ، ولا علاقة لها بالمعلن من الديموقراطية والعدالة الإنسانية والحرية ، والكل يعلم أن القاعدة وداعش صناعة أمريكية لتدمير وتفتيت دول المنطقة والسيطرة على ثرواتها ، وأن أفغانستان كانت وما زالت مزرعة المخدرات الأمريكية برعاية طالبان (القاعدة) ، وكلنا يعلم أن الإمارات قد أصبحت دولة أمريكية وظيفية تعيس فسادا بأموالها في افريقيا وتشعل الصراعات وتغذيها سرا وعلنا ، وكذلك نعلم أن إيران هي دولة صهيونية وظيفية بامتياز ، وتمارس بها أمريكا مسرحيات كوميديا سوداء لترهيب وتركيع دول الخليج ، وغير ذلك الكثير من المؤامرات الخطيرة والمتعمدة ، ولكننا جميعا نصمت ونتجاهل ولا نريد أن نصدق ، فنكذب ونصدق أكاذيبنا ، بل ونوكل مهمة التخلص من هذه الفرق والجماعات لمن صنعها ، ولذلك نحن نعلم وهم يعلمون أنها لن تنتهي ..

ولا شك أن العالم أجمع يعلم تماما أن الوهابية ومسماها المصري بـ (السلفية) وإخوان المسلمين هما فرقتان من الأخويات الماسونية ، وقد صنعتهما المخابرات البريطانية عبر قرون مضت ، وما زالت تأوي وتحمي قادتهم ، وتستخدمهم ، وباعترافات صريحة ومباشرة من مدراء سابقين للـ (إم آي 6) البريطانية ، بغرض اختراق الدول المسلمة والسيطرة عليها ، ضمن برنامج مخابراتي بعنوان كبير وقديم بعنوان .. (سنصنع لهم إسلاما يناسبنا) ، كما قال جيمس ويلسي مدير المخابرات البريطانية السابق في مذكراته ، ونعلم أن هذه الفرق مخطط لها أن تسيطر وتحكم بلاد المسلمين لصالح الماسونية العالمية ، مثلما سيطرت أخوية (الجماجم والعظام) على حكم بريطانيا ، وأخوية البوهيميا على حكم أمريكا ، وأخوية (بيلدربيرج) على غرب أوروبا ولكننا لا نجرؤ أن نتحدث بهذا رسميا ونتجاهل وجودها ، رغم أن مخططات الدول ومؤامراتها كلها تخضع لهذا الفكر ، وقد نجح إخوان العار في حكم السودان منذ عقود وأوصلوها لما هي عليه الآن من خراب وحرب أهلية ، وما زالت آثارهم تعاني منها سوريا والعراق واليمن وليبيا وبعض دول الخليج تقترب من الخطر .

وكذلك كلنا يعلم أن عري البنات والنساء وإظهارهن للمفاتن هي أكبر فتنة تدمر المجتمعات ، وتنشر الفساد والجرائم الاجتماعية ، وتخطف فكر وتركيز الشباب والرجال وتحصره في مستنقعات الشهوات الجنسية ، فتشتت قدراتهم وتدمر مستقبلهم ، ولكننا ورغم أننا مسلمون لا نجد مانعا أن ترتدي بناتنا ونساءنا ملابس ضيقة تصف مفاتن أجسادهن خاصة البنطلونات الضيقة التي يعلوها حجابا ، وربما البعض يعتبره كذبا وزورا علامة على التقدم والتطور ، والبعض الآخر يحلم في نفسه أملا أن تكون مفاتن ابنته سببا في سرعة زواجها ، أو ربما .. لأننا نغمض العيون والعقول لنرضي عهر وفجور نفوسنا وشهواتنا ، خاصة عندما نجد كثيرا من الفاسدين نفوسا وأخلاقا يدافعون عن العري والفساد باسم الحرية والموضة والفن والإبداع ، ورغم أننا قرأنا هذه المخططات بتفاصيلها في بروتوكولات حكماء صهيون في وسائل اختراق المجتمعات وإضعافها بالتركيز على شهواتها وإفساد البنات والنساء ، وذلك منذ عقود طويلة مضت ، وعاصرناه واقعا ينفذ في كل العالم وفي بلادنا ، وعلى أبناءنا وبناتنا , ولكننا لا نتحرك ولا نقاوم أو نعترض على عري بناتنا ، بل نغض الطرف ونتجاوز ، وتتفاقم مشاكل مجتمعنا يوما بعد يوم ، ويزداد التحرش والاغتصاب والعلاقات المحرمة ، خاصة في ظل استيلاء وسائل التواصل على عقول وقلوب الغالبية العظمى ، وسيطرة انحراف أهل الفن على عقول وقلوب الشباب ، ثم تجد من يدافع عن حرية المرأة في العري ضلالا وبهتانا ، فقط من أجل الحفاظ على استمرار هدم النفوس والأمم بالفساد .
ومعظمنا يعلم أنه يرتكب أخطاء كارثية في تربية أبناءه ، مثل تلبية كل رغباتهم وعدم تكليفهم بواجبات يومية ، وذلك حنانا وحبا وخوفا على تعبهم ، رغم أننا نعلم أن هذا سوف يخلق منهم بشرا عالة على المجتمع بلا قدرات نفسية أو بدنية أو أية قدرة على تحمل أية مسئوليات ، وقد جنينا من جراء ذلك أجيالا فاشلة وغير سوية ، فتفشى الطلاق والفشل في التعليم والعمل بين الشباب من الجنسين ، ولكننا ما زلنا نمارس نفس الأخطاء ، والكل يدعي أن أبناءه قد نالوا أفضل تربية وتعليما ، رغم أن الغالبية لا تحصل على شهاداتها إلا بدروس (الخيبة) الخصوصية ، حتى اعتبر الأبناء أن التعليم شيء إجباري من أجل تحقيق رغبات والديه ، ورغم هذا لا تكف “الماميز” على صفحات التواصل عن مهاجمة الدولة لو حاولت الإصلاح ، ولا تمل “الماميز” من اعتبار أبناءها أطفالا بلا قدرات أو وعي ، حتى لو كانوا شبابا تجاوزوا سن الصبا واقتحموا سن الرجولة منذ سنوات ، ففسد الشباب وانحرف نفسيا وجسديا وأخلاقيا ، ونحن مصرون على الكذب وتصديق أكاذيب و”نحنحة” نفوسنا ..

الكل أصبح يعلم تماما أن النقاب لا علاقة له بالدين ، وأنه عادة يهودية لاعتقادهم أن المرأة نجسة ، ولا يصح أن تنجس الرجال في الطرقات ، وقد انتقل النقاب من اليهود للمسلمين في الجزيرة العربية ، ومنها لباقي المسلمين على يد الوهابية اللعينة ، وكثير منا يعلم أن النقاب كان يسمى قبل الإسلام بـ “نقاب العار” ، لأن النساء كن يستخدمنه في الخروج للخلاء (لعدم وجود دورات مياه بالبيوت) ، أو للتبضع (حمل المرأة من رجل غير زوجها) والذي حرمه الإسلام ، والكل يعلم أن رسول الله منع النقاب في الحج ، وأنه أمر بكشف الوجه ، لأنه ما كرم الله به بني آدم ليعرف بعضهم بعضا ، ولكن المصرون على النقاب يصدقون بهتان و(شرك) تجار الدين بقولهم {إذا كان الله قد أمر بتغطية الأرجل ، فنحن نرى أن تغطية الوجه أولى من تغطية الأرجل} ، ولكن كثير من النساء اللاتي يرتدينه تأخذهن العزة بالإثم ، حتى لا يقولوا أنها كانت مخدوعة ، رغم علم الجميع بخطورة النقاب النفسية والمجتمعية على المرأة ، لأن النفس البشرية سوف تستحل كثيرا من المحرمات كوسيلة للتنفيس عن حرمانها من حق فطري ، ولذلك تجد المنقبات أعلى النساء صوتا وأكثرهن جرأة في الطرقات ، كما أنه وسيلة لتفشي الفواحش تحت ستره ، وهو ما نعلمه جيدا ، ورغم أن كثيرا من دعاة تجار الدين قد اعتذر عن تلك الفتاوى ومنها النقاب بحجة انزلاقه من أجل المال والشهرة ، ولكننا ما زال لدينا من تأخذه العزة بالإثم ، فيدعي أنه من الدين زورا وبهتانا .

ولا أحد يجهل التأثير الخطير للفن في وسائل الإعلام والفضائيات على أخلاقيات أبناءنا ، بدليل أننا انتبهنا لتأثير أغاني المهرجانات المنتشرة حاليا وكيف حولت كثيرا من شبابنا لبلطجية وبعضهم لمجرمين ، كما أننا لا ننكر الأثر السيء لمسلسلات الدراما المليئة بالحب والغرام والخيانة والفجور على نفوس الشباب والصبية ، ولكننا لا نمانع ولا نمنع ولا نعترض ، رغم أن بعض المسلسلات والأعمال تحدد سن معين للمشاهدة ، ولكننا غالبا لا نهتم ، والنتيجة نحصدها على صفحات التواصل الاجتماعي ، في مشاكل نفسية وقناعات فاسدة عن الحب والغرام واهتمام البنات بصورهن الموقوتة في مختلف المواقف والأوضاع والأحداث ، وسقوط الصبية والشباب ضحية الملابس وقصات الشعر والتصرفات تقليدا لبيكا وأورتيجا وشاكوش وكزبرة ، الذين ينشرون عادات الشواذ في الغرب وأوروبا ، في ظل صمت أو تغافل من الوالدين ربما للجهل وربما تسييرا للأمور في البيوت التي تديرها أمهات لا علاقة لهن بالفكر والثقافة والتعليم والدين ، رغم أن كثيرا منهن خريجي الجامعات ، وهو من أخطر ألوان الكذب على أنفسنا .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر

