عزيزي الإنسان .. بص في ورقتك ؟؟ …. بقلم : جمال عمر

ماذا يحدث في العالم ؟؟ .. سؤال ما زلت أردده في نفسي منذ عقود مضت ، وربما منذ بدأت التأمل في حركة حياة البشر ، لماذ كل هذا العداء والتربص بين البشر وبعضهم البعض ، سواءا على المستوى الدولي والحضاري تاريخيا ، أو حتى على المستوى الشخصي بين الأفراد حتى في الأسرة الواحدة ، وكيف يتحول التنافس من أجل الخير وإعمار الأرض إلى تعمد الإيذاء والإفناء للغير ، وكيف تمكن الكذب من نفوس البشر ، لدرجة أن الحقائق في الدنيا أصبحت مستويات متدرجة ، فهناك الحقائق “العارية” والتي لا يعرفها سوى قلة نادرة ، وهناك مستوى الحقائق “السياسية المزورة” في مستوى التداول الدولي بين الأمم ، وحتى بين الأفراد والأسر والعائلات ، وهي تحمل بعضا من الحقائق والمصالح ولكنها مغلفة بشعارات زائفة لتلوين الصور ، وأخيرا (مستوى الهري) ، وهو مجرد معلومات مضللة ومزورة بإتقان تنشر على العالم من خلال وسائل الإعلام ، أو نسميها معلومات الهري الشعبي ، والتي تستهدف أن يتداولها الناس ويحللونها ويستنتجون منها مجموعة من الضلالات التي تساهم في تغييب العقول وتضليل النفوس عن الحقائق المجردة .

ولا عجب في ذلك ، فقد احترف البشر هذا النمط من التعامل مع الحقائق بداية من مستوى الأسرة الواحدة ، فأطفالك الصغار لا يعلمون شيئا مطلقا عن طبيعة العلاقة في مستويات قيادة الأسرة ، ولكن الشباب قد يظنون أنهم يعلمون كل شيء ، وهم في الحقيقة يرتعون فيما تسمح به قيادة الأسرة من معلومات ، فهناك دوما ما هو مسموح تداوله ، وهناك ما يتم إخفائه ممن يقود مسير الأسرة حتى عن الطرف الآخر ، ولا عيب في ذلك ، فليست كل الحقائق يمكن طرحها للتداول بين الجميع ، فمثلا .. غالبا ما يكون تفاقم فشل العلاقة الحميمية بين الزوجين سببا رئيسيا في سوء تعامل الوالدين أو أحدهما مع بعضهما وبالتالي مع الأبناء ، وقد يتفاقم الأمر ويصل لحدود الانفصال وتشتيت الأبناء ، وبالطبع لا يعلم الأبناء شيئا سوى أن هناك سوء تعامل بين الطرفين ، وبالتالي فهناك أسرار كبرى لا يجوز تداولها ، ولكنها مؤثرة وبشدة على مستقبل أي كيان ، ولا أمل في طرحها للعامة لمناقشتها وإيجاد الحلول لها .

كذلك الدول وسياساتها والتي لا يصلح مطلقا تطبيق مبدأ الشفافية والديموقراطية في كل أمورها ، وهو ما تستغله الماسونية لخداع الشعوب باسم الديموقراطية ، لتفكيك الدول من الداخل ، في حين لا وجود للديموقراطية المزعومة في أي كيان أو دولة في العالم أجمع ، خاصة الدول الكبرى ، والتي تتبنى نشر هذه الشعارات الكاذبة ، لخلخة وتشريد الشعوب الغبية ، فمثلا .. لم يلاحظ الشعب الأمريكي قدور الاستهانة والسخرية التي تكيلها الماسونية لهم ، حتى عندما اكتشف الشعب الأمريكي أن الرئيس الأمريكي ترامب ، قد أعلن أنه الرئيس رقم 45 لأمريكا ، وذلك قبلها بأكثر من عقدين من الزمان ، ومثال آخر .. عندما تعمدت الماسونية نشر صورة قديمة منذ نصف قرن لثلاثة بنات في صف واحد في أحد المدراس الداخلية ، ويكتشف العامة أن البنات الثلاثة هم المستشارة الألمانية “ميريكل” ، وتيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا ، والثالثة هي ملكة الدانمارك الحالية ، في إعلان ساخر من هذه الشعوب بمنتهى الصلف والغرور ، في رسالة صريحة ، أنهم هم فقط من يحددون القادة والزعماء ، ويصنعونهم قبلها بعقود وربما قرون ، وهو ما يعد قمة العبث بمقدرات شعوب تعتبر نفسها أفضل شعوب الأرض ، في مجال الحرية والديموقراطية والعدالة ، ليكتشفوا فجأة أنهم مجرد قطيع يتم التلاعب به منذ زمن بعيد .

ومن أشهر الأمثلة المحلية على تباين مستويات الحقائق كان ما حدث في مصر في سنوات الربيع العبري ، وعاشها المصريون وهم لا يعلمون حقيقة ما يحدث ، وهو ما لم نعرفبعض ملامحه إلا بعدها بسنوات ، خاصة عندما صرحت وزيرة خارجية أمريكا السابقة هيلاري كلينتون في كتابها (خيارات صعبة) بقولها .. “أن المخابرات المصرية قد تلاعبت بأجهزة المخابرات الغربية والأمريكية ، وكان من نتيجتها خسارتنا لجهود ومخططات ومكاسب عقود طويلة ، وليس في مصر فقط ولكن على مستوى الشرق الأوسط كاملا ” ، وهو ما أكد عليه الرئيس الروسي بوتين بقوله “إن ما فعلته المخابرات المصرية في إدارة المشهد المصري عبر سنوات الربيع العربي ، سوف يتم تدريسه في مدارس المخابرات العالمية لعقود طويلة قادمة” ، ومثال آخر صارخ .. عندما قام الجيش المصري بالقضاء على مركز قيادة الجماعات الإرهابية في سيناء في جبل الحلال منذ سنوات ، تم القبض على ضباط مخابرات لعدة دول منهم أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وتركيا وبعض الدول الأخرى منها دولا عربية شقيقة ، فهل كان من الحكمة وتطبيقا للشفافية أن يتم إعلان التفاصيل كاملة للشعب المصري ، أم يدار الأمر بحكمة مخابراتية على أعلى مستوى ، بالتهديد بالنشر ، وهو ما تم بالفعل بتسريب صور لضباط المخابرات الأتراك فقط ، فجاءت النتائج مبهرة ، حيث هرولت دولا كبرى لتعلن أسفها واعتذاراتها ، مع تعويضات مادية تجاوزت عدة مليارات ، والأهم هو الانقلاب الحاد في سياساتها الدولية تجاه مصر ، فأصبحت مؤيدة وداعمة بعد أن كانت معادية ومتربصة ، وهكذا تدار الأمور على مستوى الدول خاصة في إدارة المؤامرات مثل عمليات الإرهاب في سيناء ، وكذلك فيما يحدث اليوم من الضغط الأمريكي والغربي على مصر ، لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير لصالح الصهيونية .

فهكذا تدار أمور الدول في مستويات متباينة من الشفافية ، فليس كل ما يعرف يقال ، وليس كل ما يقال حقيقة ، وليست كل الحقائق يمكن تصديقها ، وليس كل ما تصدقه هو في الواقع حقيقة ، ولكن .. في النهاية ليست الأمور بهذا المستوى من السوء ، “فمرزوق ليس دوما في بحر الظلمات” ، ولكن مرزوقنا اليوم هو كل شخص فينا ومنا ، ويكفي كل منا أن يتناسى ويتغافل وينشغل بحركة حياته وآماله ورغباته وشهواته ونجاحاته وكبواته ، فيتعامل مع ما يحدث بمنطق المتفرج أو حتى المشجع أحيانا ، ولكن ليس بمنطق المتعصب ، حتى لا تكتشف يوما أنك تعصبت للضلال والبهتان ، فتحتقر نفسك وتكرهها أو تتعنت ثم تتحول لإخواني النزعة ، سلفي التجهم ، أرهابي الفكر ، داعشي التوجه ، ليبرالي السوك ، عشوائي الأفعال ، فتخرب وتدمر نفسك ووطنك من الداخل ، مثلما فعلنا من قبل ، ومثلما فعلت شعوبا عربية عديدة ، وما زالت تعاني تبعاته حتى اليوم ، وهو ما تستهدفه دوما أجهزة مخابرات وإعلام الغرب من الشعوب في الشرق عامة ، والشرق الأوسط على وجه الخصوص .

وفي وسط كل هذا الزخم المتكالب على نفوس البشر عبر الزمن ، هناك من يتعمد دوما تزوير المفاهيم الرئيسية للحياة ، والحكمة منها ، وما هو مطلوب من الإنسان في رحلة حياته ، وبالتالي كان لابد من تزوير مفاهيم الدين كاملة ، بداية من مفهوم الدين نفسه ، وحصره في المناسك والشعائر لتتحول الشعوب عامة والمسلمون خاصة لدروايش لا قيمة لها ، وهو ما فعلته الماسونية عندما أخفوا التوراة وقدموا لليهود التلمود في ثمانية عشرة ألف صفحة ، ثم أخفوا الإنجيل وقدموا للبشرية أكثر من ثلاثمائة إنجيل ، ثم أقروا أربعة أناجيل محرفة بغباء وحماقة ، وتحمل أساسيات تكذيبها وضلالها بين صفحاتها وآياتها الركيكة والكاذبة والفاحشة أحيانا ، ولكنهم فشلوا في تزوير آيات آخر كتاب سماوي وهو القرآن العظيم ، لأن خالق البشر وهو أعلم بهم وبما يفعلون ، فأعاد أنزال دستور البشر كاملا والمحتوي على جميع ثوابت كل رسالات الله السابقة ، إضافة لآيات العلوم البحتة التي بلغت أكثر من 50% من القرآن العظيم ، وأحكم الله آياته ثم فصلها بشفرة إلهية معجزة ، تحمل أكوادها في إسرار بمصفوفات رقمية ومنطقية بالغة الدقة والروعة ، يستحيل معها تزوير حرف واحد من هذا الكتاب ، وتلك هي أبسط معجزاته ، والتي سوف تظل تتكشف تباعا إلى يوم القيامة ، وهذا تنفيذا لقرار الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا الكتاب من التزوير والإخفاء بقرار إلهي قاطع .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 .

ولذلك لم تجد الماسونية حلا إلا بتغيير استرتيجية التعامل مع هذا الكتاب الأخير والخطير ، فقاموا بإصدار مجموعة هائلة من كتب التفاسير في أقل من مائة عام ، ومعظم هذه الكتب ألفها رجال من فارس كـ “البخاري” ، ووضعوا فيها كل ما خططوا له من تزوير للمفاهيم الأساسية دون المساس بالتوحيد ، بل إنهم وجهوا الإنسان لما تهواه نفسه ، بالتقرب من الله بكلمات وحركات وشعائر ، ولكنهم زوروا المفاهيم الأساسية وعلى رأسها مفهوم الدين والعبادة ، ثم فرضوا هذه المفاهيم والكتب قسرا على البشر ، حتى فرض الفاطميون حفظ البخاري قبل القر’ن العظيم على الشعوب التي حكموها ، وكانوا يعاقبون بالجلد من يخطيء في حرف من البخاري ، لدرجة أن المصريين توارثوا مقوله (هو انا غلطان في البخاري) ، ثم أغلقوا أبواب الفهم والتفسير في كتاب الله ، وأعلنوا أن أي محاولة للفهم والتدبر هو ضربا من الزندقة والفسق ، وما زال هذا القانون صارما وساريا حتى اليوم ، وأصبح التفسير علما قد تم إغلاق أبوابه ، ويحكمه تراث مستويات الفهم منذ عشرات القرون ، وهو ما أفقد الغالبية المسلمة الثقة فيه ، وتحولت أساسيات الدين لمجموعة من الضلالات المقدسة ، فطمست حقائق الحياة التي أوضحها الله في كتابه ، بداية من الهدف من خلق الإنسان ، والأمانة التي تحملها ، وحقيقة معطياته في الحياة ، بل وحقيقة دخوله الحياة وخروجه منها ، ولم يتبق من الدين (والذي هو حقائق الحياة ودستورها) سوى مجموعة مناسك وفروض ، والتي تم تحريف كثير منها وتفريغها من مضمونها عمدا ، حتى وصلنا لحالة التخبط التي نعاني منها اليوم .

وبالقطع فأي محاولة لتصحيح المفاهيم سوف يقابلها هجوما عنيفا وشرسا ، أولا .. من عامة البشر الذين تم تجهيلهم تحت وطأة كراهية التغيير ، للخوف من الاعتراف بالغباء والحماقة ، وثانيا .. من المستفيدين من سيطرة الضلالات المقدسة ، والتي بسقوطها سوف يخسرون مكاناتهم وسطوتهم الدينية على العامة ، تلك السطوة أصابتهم بالتعنت الذي جعلهم يستأسدون ويتهمون زورا كل من يحاول التصحيح بتهديد الدين ، وما زالوا في غيهم رغم أن ذلك أدى لظهور جماعات الإلحاد علانية ، وهو ما يعني فشلهم الذريع في إقناع العامة يتراث الضلال ، وأخيرا ,, لابد أن تلقى دعوات الفهم والتدبر هجوما شرسا من قوى الماسونية الحريصة على طمس الحقائق كاملة ، ولو بنشر ما يثير الشهوات وينشر الانحراف والشذوذ تحت شعارات الحرية والتطور ، وذلك حتى لا تفقد الماسونية سطوتها على الجميع ، مع استغلال تفشي الضلال كحائط صد يضمن استمرار سقوط الجميع في غواية إبليس للبشر ، وهو الذي أقسم عليه إبليس منذ زمن بعيد (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) ، ليثبت لله تعالى أن بني آدم لا يستحقون الاستخلاف على الأرض .

ولا أمل يرجى إلا في رحمة الله ونجدته لعباده ، فالله غالب على أمره وبيده مقاليد الأمور ، ولذلك فلا خوف على البشر والبشرية ، لأن خالقهم قال لملائكته يوما (إني أعلم ما لا تعلمون) ، وسبحانه أرحم بعباده من الأم برضيعها ، ولابد للخالق العظيم أن يطهر البشر من ضلالهم وبهتان نفوسهم ، ولكنه مشروط بما يقدمه كل منا في حياته ، ولذلك يبقى لكل منا مشكلته مع نفسه ، لأن الله يحاسب كل منا منفردا عن نفسه فقط ، ونحن نعلم أن الله قد وعد من يستقيم في الدنيا أن يحييه حياة طيبة .. {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97، ووعد من يصر على انحرافه بمعيشة ضنكا .. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }طه124، بل ويحشره يوم القيامة أعمى ، فليس لكل منا أملا إلا في تقويم نفسه ، فمن أراد الخير لنفسه ، فليصلح عوارها وكبرها وأنانيتها ، وليقدم أولا الخير لغيره من البشر .

وأخيرا فليعلم كل منا أنه لن يكون مخلوقا أكرم من الخالق العظيم ، وهذا ما يعدنا الله به ، فمن أكرم مخلوقا أكرمه الله ، ومن مكر بهم مكر الله به ، ومن كره خلق الله كرهه الله وأبغضه ، فليس لنا أملا إلا أن يحب كل منا لغيره ما يحبه لنفسه ، وهي ليست دعوة للحب والتعاطف ، ولكنها بمنتهى البساطة ، دعوة صريحة للذكاء في التعامل مع الله ، فكل بني آدم هم خلقه عياله ورعيته ، ويحبهم سواسية ، بغض النظر عن دينه ومعتقداته (مسلم أو كافر أو مشرك أو ملحد) ، لأنه سبحانه أوضح لنا ، أنه سوف يحاسب كل إنسان على قدر ما آتاه من علم ومعطيات في الدنيا ، وحدد لغير المسلم ثلاثة شروط كحد أدنى تدخله الجنة .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ،.. وحساب الله لعباده وخلقه ليس من شأن أحد من البشر ، ولا ننسى أننا في الحياة جميعا نتحرك في لجنة امتحان دائمة ، وكل لحظة من حركة الحياة هي في حقيقتها مجرد أسئلة من الله تحتاج للإجابة عليها ، ولا وقت لدى أحد منا أن يتلفت ، أو وينظر في ورقة إجابة غيره (حركة حياة غيره) أو ينشغل بتقييم غيره ، وبالتالي فلابد أن يهتم كل منا بنفسه ، ويركز على ورقة إجابته (حركة حياته) ، تمام كما نقول دوما لأبناءنا في لجان الامتحانات (بص في ورقتك) .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *