عزيزي الإنسان .. بص في ورقتك ؟؟ …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
25 أغسطس، 2024
اراء ومقالات, المقالات والرأي, سياسة دولية واخبار العالم, متنوعات
304 زيارة

ماذا يحدث في العالم ؟؟ .. سؤال ما زلت أردده في نفسي منذ عقود مضت ، وربما منذ بدأت التأمل في حركة حياة البشر ، لماذ كل هذا العداء والتربص بين البشر وبعضهم البعض ، سواءا على المستوى الدولي والحضاري تاريخيا ، أو حتى على المستوى الشخصي بين الأفراد حتى في الأسرة الواحدة ، وكيف يتحول التنافس من أجل الخير وإعمار الأرض إلى تعمد الإيذاء والإفناء للغير ، وكيف تمكن الكذب من نفوس البشر ، لدرجة أن الحقائق في الدنيا أصبحت مستويات متدرجة ، فهناك الحقائق “العارية” والتي لا يعرفها سوى قلة نادرة ، وهناك مستوى الحقائق “السياسية المزورة” في مستوى التداول الدولي بين الأمم ، وحتى بين الأفراد والأسر والعائلات ، وهي تحمل بعضا من الحقائق والمصالح ولكنها مغلفة بشعارات زائفة لتلوين الصور ، وأخيرا (مستوى الهري) ، وهو مجرد معلومات مضللة ومزورة بإتقان تنشر على العالم من خلال وسائل الإعلام ، أو نسميها معلومات الهري الشعبي ، والتي تستهدف أن يتداولها الناس ويحللونها ويستنتجون منها مجموعة من الضلالات التي تساهم في تغييب العقول وتضليل النفوس عن الحقائق المجردة .

ولا عجب في ذلك ، فقد احترف البشر هذا النمط من التعامل مع الحقائق بداية من مستوى الأسرة الواحدة ، فأطفالك الصغار لا يعلمون شيئا مطلقا عن طبيعة العلاقة في مستويات قيادة الأسرة ، ولكن الشباب قد يظنون أنهم يعلمون كل شيء ، وهم في الحقيقة يرتعون فيما تسمح به قيادة الأسرة من معلومات ، فهناك دوما ما هو مسموح تداوله ، وهناك ما يتم إخفائه ممن يقود مسير الأسرة حتى عن الطرف الآخر ، ولا عيب في ذلك ، فليست كل الحقائق يمكن طرحها للتداول بين الجميع ، فمثلا .. غالبا ما يكون تفاقم فشل العلاقة الحميمية بين الزوجين سببا رئيسيا في سوء تعامل الوالدين أو أحدهما مع بعضهما وبالتالي مع الأبناء ، وقد يتفاقم الأمر ويصل لحدود الانفصال وتشتيت الأبناء ، وبالطبع لا يعلم الأبناء شيئا سوى أن هناك سوء تعامل بين الطرفين ، وبالتالي فهناك أسرار كبرى لا يجوز تداولها ، ولكنها مؤثرة وبشدة على مستقبل أي كيان ، ولا أمل في طرحها للعامة لمناقشتها وإيجاد الحلول لها .

كذلك الدول وسياساتها والتي لا يصلح مطلقا تطبيق مبدأ الشفافية والديموقراطية في كل أمورها ، وهو ما تستغله الماسونية لخداع الشعوب باسم الديموقراطية ، لتفكيك الدول من الداخل ، في حين لا وجود للديموقراطية المزعومة في أي كيان أو دولة في العالم أجمع ، خاصة الدول الكبرى ، والتي تتبنى نشر هذه الشعارات الكاذبة ، لخلخة وتشريد الشعوب الغبية ، فمثلا .. لم يلاحظ الشعب الأمريكي قدور الاستهانة والسخرية التي تكيلها الماسونية لهم ، حتى عندما اكتشف الشعب الأمريكي أن الرئيس الأمريكي ترامب ، قد أعلن أنه الرئيس رقم 45 لأمريكا ، وذلك قبلها بأكثر من عقدين من الزمان ، ومثال آخر .. عندما تعمدت الماسونية نشر صورة قديمة منذ نصف قرن لثلاثة بنات في صف واحد في أحد المدراس الداخلية ، ويكتشف العامة أن البنات الثلاثة هم المستشارة الألمانية “ميريكل” ، وتيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا ، والثالثة هي ملكة الدانمارك الحالية ، في إعلان ساخر من هذه الشعوب بمنتهى الصلف والغرور ، في رسالة صريحة ، أنهم هم فقط من يحددون القادة والزعماء ، ويصنعونهم قبلها بعقود وربما قرون ، وهو ما يعد قمة العبث بمقدرات شعوب تعتبر نفسها أفضل شعوب الأرض ، في مجال الحرية والديموقراطية والعدالة ، ليكتشفوا فجأة أنهم مجرد قطيع يتم التلاعب به منذ زمن بعيد .

ومن أشهر الأمثلة المحلية على تباين مستويات الحقائق كان ما حدث في مصر في سنوات الربيع العبري ، وعاشها المصريون وهم لا يعلمون حقيقة ما يحدث ، وهو ما لم نعرفبعض ملامحه إلا بعدها بسنوات ، خاصة عندما صرحت وزيرة خارجية أمريكا السابقة هيلاري كلينتون في كتابها (خيارات صعبة) بقولها .. “أن المخابرات المصرية قد تلاعبت بأجهزة المخابرات الغربية والأمريكية ، وكان من نتيجتها خسارتنا لجهود ومخططات ومكاسب عقود طويلة ، وليس في مصر فقط ولكن على مستوى الشرق الأوسط كاملا ” ، وهو ما أكد عليه الرئيس الروسي بوتين بقوله “إن ما فعلته المخابرات المصرية في إدارة المشهد المصري عبر سنوات الربيع العربي ، سوف يتم تدريسه في مدارس المخابرات العالمية لعقود طويلة قادمة” ، ومثال آخر صارخ .. عندما قام الجيش المصري بالقضاء على مركز قيادة الجماعات الإرهابية في سيناء في جبل الحلال منذ سنوات ، تم القبض على ضباط مخابرات لعدة دول منهم أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وتركيا وبعض الدول الأخرى منها دولا عربية شقيقة ، فهل كان من الحكمة وتطبيقا للشفافية أن يتم إعلان التفاصيل كاملة للشعب المصري ، أم يدار الأمر بحكمة مخابراتية على أعلى مستوى ، بالتهديد بالنشر ، وهو ما تم بالفعل بتسريب صور لضباط المخابرات الأتراك فقط ، فجاءت النتائج مبهرة ، حيث هرولت دولا كبرى لتعلن أسفها واعتذاراتها ، مع تعويضات مادية تجاوزت عدة مليارات ، والأهم هو الانقلاب الحاد في سياساتها الدولية تجاه مصر ، فأصبحت مؤيدة وداعمة بعد أن كانت معادية ومتربصة ، وهكذا تدار الأمور على مستوى الدول خاصة في إدارة المؤامرات مثل عمليات الإرهاب في سيناء ، وكذلك فيما يحدث اليوم من الضغط الأمريكي والغربي على مصر ، لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير لصالح الصهيونية .

فهكذا تدار أمور الدول في مستويات متباينة من الشفافية ، فليس كل ما يعرف يقال ، وليس كل ما يقال حقيقة ، وليست كل الحقائق يمكن تصديقها ، وليس كل ما تصدقه هو في الواقع حقيقة ، ولكن .. في النهاية ليست الأمور بهذا المستوى من السوء ، “فمرزوق ليس دوما في بحر الظلمات” ، ولكن مرزوقنا اليوم هو كل شخص فينا ومنا ، ويكفي كل منا أن يتناسى ويتغافل وينشغل بحركة حياته وآماله ورغباته وشهواته ونجاحاته وكبواته ، فيتعامل مع ما يحدث بمنطق المتفرج أو حتى المشجع أحيانا ، ولكن ليس بمنطق المتعصب ، حتى لا تكتشف يوما أنك تعصبت للضلال والبهتان ، فتحتقر نفسك وتكرهها أو تتعنت ثم تتحول لإخواني النزعة ، سلفي التجهم ، أرهابي الفكر ، داعشي التوجه ، ليبرالي السوك ، عشوائي الأفعال ، فتخرب وتدمر نفسك ووطنك من الداخل ، مثلما فعلنا من قبل ، ومثلما فعلت شعوبا عربية عديدة ، وما زالت تعاني تبعاته حتى اليوم ، وهو ما تستهدفه دوما أجهزة مخابرات وإعلام الغرب من الشعوب في الشرق عامة ، والشرق الأوسط على وجه الخصوص .

وفي وسط كل هذا الزخم المتكالب على نفوس البشر عبر الزمن ، هناك من يتعمد دوما تزوير المفاهيم الرئيسية للحياة ، والحكمة منها ، وما هو مطلوب من الإنسان في رحلة حياته ، وبالتالي كان لابد من تزوير مفاهيم الدين كاملة ، بداية من مفهوم الدين نفسه ، وحصره في المناسك والشعائر لتتحول الشعوب عامة والمسلمون خاصة لدروايش لا قيمة لها ، وهو ما فعلته الماسونية عندما أخفوا التوراة وقدموا لليهود التلمود في ثمانية عشرة ألف صفحة ، ثم أخفوا الإنجيل وقدموا للبشرية أكثر من ثلاثمائة إنجيل ، ثم أقروا أربعة أناجيل محرفة بغباء وحماقة ، وتحمل أساسيات تكذيبها وضلالها بين صفحاتها وآياتها الركيكة والكاذبة والفاحشة أحيانا ، ولكنهم فشلوا في تزوير آيات آخر كتاب سماوي وهو القرآن العظيم ، لأن خالق البشر وهو أعلم بهم وبما يفعلون ، فأعاد أنزال دستور البشر كاملا والمحتوي على جميع ثوابت كل رسالات الله السابقة ، إضافة لآيات العلوم البحتة التي بلغت أكثر من 50% من القرآن العظيم ، وأحكم الله آياته ثم فصلها بشفرة إلهية معجزة ، تحمل أكوادها في إسرار بمصفوفات رقمية ومنطقية بالغة الدقة والروعة ، يستحيل معها تزوير حرف واحد من هذا الكتاب ، وتلك هي أبسط معجزاته ، والتي سوف تظل تتكشف تباعا إلى يوم القيامة ، وهذا تنفيذا لقرار الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا الكتاب من التزوير والإخفاء بقرار إلهي قاطع .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 .

ولذلك لم تجد الماسونية حلا إلا بتغيير استرتيجية التعامل مع هذا الكتاب الأخير والخطير ، فقاموا بإصدار مجموعة هائلة من كتب التفاسير في أقل من مائة عام ، ومعظم هذه الكتب ألفها رجال من فارس كـ “البخاري” ، ووضعوا فيها كل ما خططوا له من تزوير للمفاهيم الأساسية دون المساس بالتوحيد ، بل إنهم وجهوا الإنسان لما تهواه نفسه ، بالتقرب من الله بكلمات وحركات وشعائر ، ولكنهم زوروا المفاهيم الأساسية وعلى رأسها مفهوم الدين والعبادة ، ثم فرضوا هذه المفاهيم والكتب قسرا على البشر ، حتى فرض الفاطميون حفظ البخاري قبل القر’ن العظيم على الشعوب التي حكموها ، وكانوا يعاقبون بالجلد من يخطيء في حرف من البخاري ، لدرجة أن المصريين توارثوا مقوله (هو انا غلطان في البخاري) ، ثم أغلقوا أبواب الفهم والتفسير في كتاب الله ، وأعلنوا أن أي محاولة للفهم والتدبر هو ضربا من الزندقة والفسق ، وما زال هذا القانون صارما وساريا حتى اليوم ، وأصبح التفسير علما قد تم إغلاق أبوابه ، ويحكمه تراث مستويات الفهم منذ عشرات القرون ، وهو ما أفقد الغالبية المسلمة الثقة فيه ، وتحولت أساسيات الدين لمجموعة من الضلالات المقدسة ، فطمست حقائق الحياة التي أوضحها الله في كتابه ، بداية من الهدف من خلق الإنسان ، والأمانة التي تحملها ، وحقيقة معطياته في الحياة ، بل وحقيقة دخوله الحياة وخروجه منها ، ولم يتبق من الدين (والذي هو حقائق الحياة ودستورها) سوى مجموعة مناسك وفروض ، والتي تم تحريف كثير منها وتفريغها من مضمونها عمدا ، حتى وصلنا لحالة التخبط التي نعاني منها اليوم .

وبالقطع فأي محاولة لتصحيح المفاهيم سوف يقابلها هجوما عنيفا وشرسا ، أولا .. من عامة البشر الذين تم تجهيلهم تحت وطأة كراهية التغيير ، للخوف من الاعتراف بالغباء والحماقة ، وثانيا .. من المستفيدين من سيطرة الضلالات المقدسة ، والتي بسقوطها سوف يخسرون مكاناتهم وسطوتهم الدينية على العامة ، تلك السطوة أصابتهم بالتعنت الذي جعلهم يستأسدون ويتهمون زورا كل من يحاول التصحيح بتهديد الدين ، وما زالوا في غيهم رغم أن ذلك أدى لظهور جماعات الإلحاد علانية ، وهو ما يعني فشلهم الذريع في إقناع العامة يتراث الضلال ، وأخيرا ,, لابد أن تلقى دعوات الفهم والتدبر هجوما شرسا من قوى الماسونية الحريصة على طمس الحقائق كاملة ، ولو بنشر ما يثير الشهوات وينشر الانحراف والشذوذ تحت شعارات الحرية والتطور ، وذلك حتى لا تفقد الماسونية سطوتها على الجميع ، مع استغلال تفشي الضلال كحائط صد يضمن استمرار سقوط الجميع في غواية إبليس للبشر ، وهو الذي أقسم عليه إبليس منذ زمن بعيد (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) ، ليثبت لله تعالى أن بني آدم لا يستحقون الاستخلاف على الأرض .

ولا أمل يرجى إلا في رحمة الله ونجدته لعباده ، فالله غالب على أمره وبيده مقاليد الأمور ، ولذلك فلا خوف على البشر والبشرية ، لأن خالقهم قال لملائكته يوما (إني أعلم ما لا تعلمون) ، وسبحانه أرحم بعباده من الأم برضيعها ، ولابد للخالق العظيم أن يطهر البشر من ضلالهم وبهتان نفوسهم ، ولكنه مشروط بما يقدمه كل منا في حياته ، ولذلك يبقى لكل منا مشكلته مع نفسه ، لأن الله يحاسب كل منا منفردا عن نفسه فقط ، ونحن نعلم أن الله قد وعد من يستقيم في الدنيا أن يحييه حياة طيبة .. {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97، ووعد من يصر على انحرافه بمعيشة ضنكا .. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }طه124، بل ويحشره يوم القيامة أعمى ، فليس لكل منا أملا إلا في تقويم نفسه ، فمن أراد الخير لنفسه ، فليصلح عوارها وكبرها وأنانيتها ، وليقدم أولا الخير لغيره من البشر .

وأخيرا فليعلم كل منا أنه لن يكون مخلوقا أكرم من الخالق العظيم ، وهذا ما يعدنا الله به ، فمن أكرم مخلوقا أكرمه الله ، ومن مكر بهم مكر الله به ، ومن كره خلق الله كرهه الله وأبغضه ، فليس لنا أملا إلا أن يحب كل منا لغيره ما يحبه لنفسه ، وهي ليست دعوة للحب والتعاطف ، ولكنها بمنتهى البساطة ، دعوة صريحة للذكاء في التعامل مع الله ، فكل بني آدم هم خلقه عياله ورعيته ، ويحبهم سواسية ، بغض النظر عن دينه ومعتقداته (مسلم أو كافر أو مشرك أو ملحد) ، لأنه سبحانه أوضح لنا ، أنه سوف يحاسب كل إنسان على قدر ما آتاه من علم ومعطيات في الدنيا ، وحدد لغير المسلم ثلاثة شروط كحد أدنى تدخله الجنة .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ،.. وحساب الله لعباده وخلقه ليس من شأن أحد من البشر ، ولا ننسى أننا في الحياة جميعا نتحرك في لجنة امتحان دائمة ، وكل لحظة من حركة الحياة هي في حقيقتها مجرد أسئلة من الله تحتاج للإجابة عليها ، ولا وقت لدى أحد منا أن يتلفت ، أو وينظر في ورقة إجابة غيره (حركة حياة غيره) أو ينشغل بتقييم غيره ، وبالتالي فلابد أن يهتم كل منا بنفسه ، ويركز على ورقة إجابته (حركة حياته) ، تمام كما نقول دوما لأبناءنا في لجان الامتحانات (بص في ورقتك) .
جمال عمر