متعصب … وأفتخر … بقلم : جمال عمر

من حقي أن أكون متعصبا .. ومن حقي أن أفتخر أنني أهلاوي أبا عن جد ، وليس لبشر أن ينتقدني أو يحاول جدالي في ذلك تحديدا ، ومن حقي أن أتربص بكل فريق منافس خاصة هذا الفريق الأبيض أبو خطين ، فالله واحد والدين واحد ، والأهلي هو الأوحد في الكون ، وانتصاراته قدر مكتوب رغم أنف أي معارض أو معترض ، … هكذا ختم صديقي المتعصب جدالاته الطويلة مع بعض أصدقائه المعترضين على تعصبه ، وحقيقة وجدته صادقا في كل كلمة يقولها ، ليس لأنه على حق ، ولكن لأنه واضح وصريح مع نفسه ، حتى وإن كان لا يدري أنه يحتاج لعلاج نفسي يصلح ما أفسدته فتن الدنيا في النفوس ، خاصة وأنه لم يرتكب جرما في حق أحد ، كما أن انحرافه النفسي رغم سفاهته ، إلا أنه هين بالمقارنة بما عو متفشي في عالمنا المعاصر ، كعلماء ورجال دولة معدومي الفكر والثقافة ، بل وفيهم من يسجدون للبقر والشمس ، ومنهم من يسجد لإبليس ويفرض الشذوذ بالقانون .

ولكن … عندما تكون مدعيا أنك مثقف ولديك قدر من الحكمة ، فلابد أن يكون فكرك وتصرفاتك على مستوى ما تدعيه ، حيث أن الحكمة تعرف بأنها (فهم ناموس الكون في حركة الحياة) ، باختصار عندما تكون واعيا لتراتيب وتفاعلات أحداث حركة الحياة ، ونتائجها المنتظرة على الحياة والبشر ، فإنك سوف تكون متزنا في تعاملاتك مع نفسك ومع الآخرين ، ولا تخطفك فتن الحياة ولا ضغوطها ومصاعبها ، فتنحرف نفسيا وسلوكيا هربا أو خوفا ، ولا شك أن متاعب الحياة وضغوطاتها هي التي يسميها الخالق العظيم بـ (الكبد) ، والكبد قدر كتبه الله على كل خلقه .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، فلا يوجد بشر بلا كبد ومعاناة ، ولكن كل إنسان مقدر له من الكبد ما يستطيع التعامل معه ، ومن الغباء مقارنة كبد أي إنسان بكبد غيره ، فخالق النفوس يعلم أن كل نفس لها خصوصياتها وأنها قد تحتمل أشياء ولا تحتمل أشياء أخرى ، فالكبد هو المقرر على الجميع إلى يوم القيامة ، وإدراك الإنسان لمفهوم حكمة الكبد تجعله مستقرا ومتزنا وقادرا على مواجهة متاعبه مهما كانت .

ولا شك أن فكرة التعصب دوما تأتي كنتيجة عكسية لتأثيرات (إحباطات الكبد) على الإنسان ، فالإنسان بفطرته (مبدع) ، ويريد دوما أن يأتي بالجديد ويحقق انتصارات في حياته ، وقليل من الناس من يركز على انتصاراته الشخصية ويتابعها وينميها ويستثمرها في حياته ، ولذلك سوف تجد الأنبياء قلة ، وأصحاب المال والأعمال قلة ، وأصحاب القرار في الدنيا هم أيضا قلة ، وهؤلاء ليسوا في حاجة لاستعواض الانتصارات الشخصية ببديل خارجي سهل المنال ، ولكن من لديهم إحباطات حياة شخصية قوية ، وإحساس دائم بعدم القدرة على تحقيق أحلامهم الشخصية ، لابد وأن يهربوا لانجازات غيرهم ، ليتباهون بها وكأنها نجاحاتهم ، فيسعدون بها نفوسهم المتعبة ، ولا يوجد أسهل من تشجيع فريق في لعبة شعبية والتعصب له ، والتمتع بانتصاراته على أنها انتصارات شخصية ، وبالتالي كلما كانت إحباطات النفس كبيرة ، كلما كان التعصب السفيه أشد وأخطر على النفس .

فالإبداع (الإتيان بالجديد) هو فطرة نفوس كل البشر ، لأن الله خلقهم من فئة العمار ليعمروا الأرض ، بالعلم والعمل والكد والكدح ، كما أنه سبحانه لم يخلق الإنسان ليكون ساعيا خلف الرزق ، فالرزق مكفول ولا يزيده السعي ، والله كفل الرزق حتى لا يتنافس البشر في الرزق ، فيختلفوا ويتصارعوا عليه ويقتل بعضهم بعضا من أجله ، ولكن ابن آدم المزور عاشق الضلال ، زور دين الله وادعى أن هناك رزقا لن يأتي إلا بالسعي ، وفتح على نفسه أبواب الجحيم ، فأصبحت الحياة سلسلة من المكائد والمؤامرات بين البشر تنافسا على الرزق ، رغم علم الإنسان أنه لن ينال من الدنيا إلا ما كتبه الله له وقدره من قبل أن يأتي به للدنيا ، وفي مضمار الصراع بين البشر على الأرزاق ، لابد من وجود الغالبية العظمى التي تمتلك الشعور المتزايد بعدم القدرة على تحقيق أحلامها وأمنياتها من الأرزاق والخيرات ، سواء لجهلهم بناموس الكون ، أو لزيادة مستويات أحلامهم عن واقع الحياة ، وهؤلاء يسقطون صرعى للإحباط والاكتئاب ، ولا يجدون وسيلة لنجدتهم إلا الهروب لانتصارات سفيهة لآخرين ، خاصة لو كان لديه احباطات مؤلمة لم يحققها في حركة حياته وأخطرها فشله مع أهله وشريك حياته أو تربية أبنائه ، وأسهل ألوان الهروب المشروع وأكثرها انتشارا هو الهروب للتعصب لفريق لعب ولهو وفن وترفيه ، وأسوأها هو السقوط في التعصب لفصيل شيطاني مثل الأخويات الماسونية كإخوان المسلمين وفرق الوهابية والسلفية وداعش وحقوق الإنسان والمؤسسات الأهلية الممولة ، والذين تستخدمهم الماسونية لتخريب حياة البشر تحت مسميات وهمية كالحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الرجل والمرأة وتحرير الشعوب وغيرها من شعارات الماسونية المخططة لتدمير أوطان الشعوب الغبية .

فالثقافة ليست شهادة علمية ، والحكمة ليست علما ولا تدريبا ولا كثرة تجارب ، لأن الحكمة هي منة من الله يؤتيها من يشاء ، ويحرم منها من يشاء ، ولا يؤتيها إلا لمن شاء الله أن يؤتيه خيرا كثيرا ،  {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، لأن الحكمة تريح القلب وتهدهد النفس وتصلح فساد الأحوال ، لأن الإنسان لو أوتي الحكمة ، فسوف يكون مدركا أنه جاء للدنيا ليتم اختباره في إعمار الأرض كمهمة عبودية لله (العبادة) ، وأنه ليس مسئولا عن نتائج سعيه ، وأن عمله هو جزء من منظومة الخالق في الكون ، وأن الدنيا ليست دار استحقاق ، فلا يرزق إنسان بشيء لأنه يستحقه ، ولكن يرزق به ليتم اختباره فيه ، فمن أدرك الحكمة لا يصيبه الإحباط مطلقا ، لأنه يعلم تماما أن ما يحرمه الله منه هو قمة الخير له ، لأنه لن يحاسب عليه ، وأن العطاء من الله ليس مكافأة ولا عقابا ، فالثواب والعقاب ليسوا في الدنيا ، ولكنهما في الآخرة يوم القيامة ، وللأسف ..  من لا يدرك هذا يصبح كافرا بلقاء الله وحسابه ، فيصبح جشعا فيما يحلم به من الدنيا ، ويغضب ويحزن ويكتئب وربما يرتكب الجرائم من أجل الحصول على ما يريده ، وهو لا يدري .. أنه لو غضب الله عليه لرزقه ما يتمنى عاجلا في الدنيا ، ولو زاد غضب الله عليه .. فسيفتح له أبواب ما كل شيء من الدنيا ، ليحق عليه عقابة الله يوم القيامة دون أن يكون له حجة على الله .

ولو آتاه الله العلم من قرآنه العظيم ، لعلم أن حياته اليوم هي أحد مرات اختباراته الحياتية في الدنيا ، وأن ما يحلم به ويريده قد أخذه من قبل ، أو سوف يأخذه ويأتيه في الدنيا مرات ومرات ، ولكن بصور حياة مختلفة خلال مرات دخوله للحياة في رحلة اختباراته ، وبالتالي فهو لا يملك من الدنيا شيئا ، فهو دوما يدخلها خالي الوفاض ويخرج منها بلا شيء ، وكل ما يأتيه ويتمتع به ، ما هي مواد اختباراته ، وهو ليس مطلق الحرية في التصرف والتعامل معها تبعا لأهوائه ، بل هو مأمور بأسلوب التعامل بها ومعها ، وسيدرك أن متع الحياة في الدنيا خادعة وفاتنة لنفسه ومهلكة له لو غرق فيها وتملكت من نفسه ، ولا نجاة له في الدنيا إلا أن يكون سيدا على نفسه وشهواتها ورغباتها ، لا عبدا لها ، لأنه في الحقيقة ليس إلا عابر سبيل في الدنيا ، دخل من باب وسيخرج من الآخر ولا بقاء له فيها ، وبالتالي فكل من تعشق وتهوى في الدنيا من نفوس أو أشياء ، فهو وهم كبير ولا بقاء له ولا دوام ، لأن النفوس بحالتها في الدنيا هي نفوس ناقصة تسعى للتكامل وتلك حكمة الضعف والاحتياج التي بنيت عليها الحياة ، فإذا انقضى الأمر وحانت ساعة القيامة ، فستعود النفوس لحالة التكامل مرة أخرى ، وهو ما يقوله سبحانه في مشاهد يوم القيامة .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، وحينها شوف تختفي الأنساب ولا يخطر على بال نفس أن تسأل عمن كانوا أحبابها أو أقاربها في رحلات الاختبار في الدنيا وهم بالآلاف ، وهو ما يقوله سبحانه .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، وعمن ستسأل وقد كان لك آلاف الأبناء والزوجات والأقارب وكلها من النفوس التي كانت ناقصة وتكاملت وانتهت أدوارها باختفاء مسرح الحياة نفسه .

إذا علمت كل هذا .. ؟؟؟ ، فهل من الممكن أن تتعصب لأي شيء أو حدث في الحياة مهما كان ؟؟ ، أم أنك سوف تراجع قدور اهتماماتك وتعيد النظر مجددا في أساسيات فكرك وثقافاتك ، وحينها لا تهتم إلا بما هو باق معك ومؤثر على مستقبل حياتك الباقية عند الحي القيوم ، فلن تتعصب لشيء إلا ما كان يضيف لرصيدك عند الله ، وما ينجيك ويدعمك أمام الله ، ولن تتعصب إلا بالقدر المناسب والمأمور به من الله ، فرسول الله ما كان يغضب لشيء أبدا إلا عندما تنتهك حدود الله وكذلك كان صحابته والتابعين بإحسان ، مقارنة ببعض الرجال اليوم لا يستحي أو يؤثر فيه خروج زوجته وابنته شبه عارية ، ولا مصادقة ابنته وزوجته للرجال على صفحات التواصل ، ولكنه قد يصاب بجلطة أو سكتة قلبية ، فيموت ويخسر حياته ، وربما يعادي ويكره أو يقتل لو خسر فريقه مباراة أو بطولة ، وهو ما يوضح حجم انحراف النفوس عن الفطرة السوية ، نتيجة تراكم الضلالات المقدسة التي زورت مفاهيم دين الله ، بداية من مفهوم الدين نفسه ومرورا بمفاهيم العبادة والأرزاق والحياة وما بعد الموت ، وكذلك فشل رجال الدين في الارتقاء بالخطاب الديني في مواجهة تطور أساليب تنفيذ مؤامرت أبالسة وشياطين الإنس والجن على دين الله .

ولكن يبقى في النهاية القدرة الفطرية لكل إنسان ، على التمييز ما بين الحق والباطل ، في نفسه أولا ثم فيما حوله من معطيات حركة الحياة ، والتي وضعها سبحانه في كل نفس وسوف يحاسبه عليها يوم القيامة ، وهو ما يقوله سبحانه .. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }القيامة14 ، 15 ، فلا مجال للأعذار أمام الله في الدنيا أو الآخرة ، ولذلك تجد من يرتكب خطيئة وهو مصر عليها ، يتهرب من اللقاء مع الله ويحاول أن يتجاهل كل ما يدور في نفسه من ندم وملامة ، وهو ما يفضحه سبحانه خالق النفوس ، في محاولاتها أن تأخذ ما ليس لها بحق .. { .. وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }البقرة267 ، فكلنا يغمض عين قلبه عندما يطمع فيما ليس له ، وكل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ، والتوبة يقبلها الله من عباده ويفرح بها ، ويعين صاحبها ، ويتوب عليه ويغفر له ، حتى قال سبحانه .. {.. وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33 ، ولا يرزق الله الاستغفار إلا لعباده العارفين به والواثقين في جلاله وكرمه .

وبالتالي فالمسألة كلها مجرد ثقة في الله ، فمن كان لديه إيمان صادق بالله ، تتنامي في نفسه الثقة في وعد الله الحق ، فلا يهتز لمصاعب الدنيا ، ولا يهرب للتعصب لأي شيء في الدنيا ، إلا لله وحده وما يرضيه ، والثقة في الله تعني أن تحسن الظن بالله فيما يكتبه ويقضي به ، ومن أحسن الظن بالله أحسن الله له معطياته في الدنيا ، خاصة إحسان الظن بالله في خلقه ، فسوء الظن بالناس هو قمة سوء الظن بالله ، ونتيجته أن يحقق الله لسيء الظن سوء ظنه ، ومن أحين الظن بالناس ومعطيات الله في الدنيا ، رزقه الله الرضا بما يجري عليه في الدنيا ، وتكون نفسه راضية مرضية ، ومن حسن الظن بالله أن لا تنظر مطلقا لمن فضله الله عليك في الدنيا ، ولكن انظر دوما لمن هو أقل منك وتحمد الله أنه فضلك على كثير من خلقه ، فيرضى عنك ربك فيجازيك بحياة طيبة في دنياه ، ويثيبك الجنة في الآخرة ، ويعلمك من علمه الواسع والكبير ما لم يعلمه لبشر غيرك ، فالبشر بكل ما آتاهم الله من علوم ، لم يتجاوزوا درجة واحدة من علوم الله المتناهية ، بل حتى اليوم لم يعرفوا حقيقة دقة وروعة إبداع الله في خلق أجسامهم ، بل يقفون عاجزين أمام حركة دخول النفس وخروجها من الجسد للنوم أو الموت ، وهي أبسط الحركات التي تتكرر مليارات المرات في الساعة الواحدة .

أخيرا … التعصب لأي شيء أو شخص في الدنيا هو نتاج حالة من جهل النفوس بناموس الله في خلقه ، وجهل أكبر بالمهمة التي خلقنا الله من أجلها ، وجهل أخطر بمراد الله من خلقه ، وتمكن التعصب من النفوس يضعف الإيمان والثقة في الله ، ويزيد من سيطرة الوسواس الخناس على ابن آدم ، حتى يصبح أسيرا لشهواته ورغبات نفسه ، ولا وسيلة للخلاص من التعصب إلا بالعلم والكد والكدح في الدنيا واليقين في الله ، وهي مهمة سهلة وبسيطة لو صدقت النوايا ، وطريق رائع من بناء ثقة النفوس في الله ، ولا يذوق متعتها إلا من يستطيع السيطرة على خوالج نفسه ويكبح جماحها ، وذلك هو أرقى ألوان جهاد النفس ، وهو الجهاد الأكبر لكل نفس خلقها الله ، وليذكر كل منا نفسه دوما ، أنه في رحلة في قطار الحياة وسوف ينزل منه في أية لحظة ، ليركب غيره استكمالا لرحلة الاستخلاف والاختبار ، فلا شيء يستحق التعصب له ، ولا شيء يستحق أن تضحي بنفسك من أجله ، إلا أن يكون شيئا لمرضاة الله وفي سبيله ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *