متعصب … وأفتخر … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
29 يونيو، 2024
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
310 زيارة

من حقي أن أكون متعصبا .. ومن حقي أن أفتخر أنني أهلاوي أبا عن جد ، وليس لبشر أن ينتقدني أو يحاول جدالي في ذلك تحديدا ، ومن حقي أن أتربص بكل فريق منافس خاصة هذا الفريق الأبيض أبو خطين ، فالله واحد والدين واحد ، والأهلي هو الأوحد في الكون ، وانتصاراته قدر مكتوب رغم أنف أي معارض أو معترض ، … هكذا ختم صديقي المتعصب جدالاته الطويلة مع بعض أصدقائه المعترضين على تعصبه ، وحقيقة وجدته صادقا في كل كلمة يقولها ، ليس لأنه على حق ، ولكن لأنه واضح وصريح مع نفسه ، حتى وإن كان لا يدري أنه يحتاج لعلاج نفسي يصلح ما أفسدته فتن الدنيا في النفوس ، خاصة وأنه لم يرتكب جرما في حق أحد ، كما أن انحرافه النفسي رغم سفاهته ، إلا أنه هين بالمقارنة بما عو متفشي في عالمنا المعاصر ، كعلماء ورجال دولة معدومي الفكر والثقافة ، بل وفيهم من يسجدون للبقر والشمس ، ومنهم من يسجد لإبليس ويفرض الشذوذ بالقانون .

ولكن … عندما تكون مدعيا أنك مثقف ولديك قدر من الحكمة ، فلابد أن يكون فكرك وتصرفاتك على مستوى ما تدعيه ، حيث أن الحكمة تعرف بأنها (فهم ناموس الكون في حركة الحياة) ، باختصار عندما تكون واعيا لتراتيب وتفاعلات أحداث حركة الحياة ، ونتائجها المنتظرة على الحياة والبشر ، فإنك سوف تكون متزنا في تعاملاتك مع نفسك ومع الآخرين ، ولا تخطفك فتن الحياة ولا ضغوطها ومصاعبها ، فتنحرف نفسيا وسلوكيا هربا أو خوفا ، ولا شك أن متاعب الحياة وضغوطاتها هي التي يسميها الخالق العظيم بـ (الكبد) ، والكبد قدر كتبه الله على كل خلقه .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، فلا يوجد بشر بلا كبد ومعاناة ، ولكن كل إنسان مقدر له من الكبد ما يستطيع التعامل معه ، ومن الغباء مقارنة كبد أي إنسان بكبد غيره ، فخالق النفوس يعلم أن كل نفس لها خصوصياتها وأنها قد تحتمل أشياء ولا تحتمل أشياء أخرى ، فالكبد هو المقرر على الجميع إلى يوم القيامة ، وإدراك الإنسان لمفهوم حكمة الكبد تجعله مستقرا ومتزنا وقادرا على مواجهة متاعبه مهما كانت .

ولا شك أن فكرة التعصب دوما تأتي كنتيجة عكسية لتأثيرات (إحباطات الكبد) على الإنسان ، فالإنسان بفطرته (مبدع) ، ويريد دوما أن يأتي بالجديد ويحقق انتصارات في حياته ، وقليل من الناس من يركز على انتصاراته الشخصية ويتابعها وينميها ويستثمرها في حياته ، ولذلك سوف تجد الأنبياء قلة ، وأصحاب المال والأعمال قلة ، وأصحاب القرار في الدنيا هم أيضا قلة ، وهؤلاء ليسوا في حاجة لاستعواض الانتصارات الشخصية ببديل خارجي سهل المنال ، ولكن من لديهم إحباطات حياة شخصية قوية ، وإحساس دائم بعدم القدرة على تحقيق أحلامهم الشخصية ، لابد وأن يهربوا لانجازات غيرهم ، ليتباهون بها وكأنها نجاحاتهم ، فيسعدون بها نفوسهم المتعبة ، ولا يوجد أسهل من تشجيع فريق في لعبة شعبية والتعصب له ، والتمتع بانتصاراته على أنها انتصارات شخصية ، وبالتالي كلما كانت إحباطات النفس كبيرة ، كلما كان التعصب السفيه أشد وأخطر على النفس .

فالإبداع (الإتيان بالجديد) هو فطرة نفوس كل البشر ، لأن الله خلقهم من فئة العمار ليعمروا الأرض ، بالعلم والعمل والكد والكدح ، كما أنه سبحانه لم يخلق الإنسان ليكون ساعيا خلف الرزق ، فالرزق مكفول ولا يزيده السعي ، والله كفل الرزق حتى لا يتنافس البشر في الرزق ، فيختلفوا ويتصارعوا عليه ويقتل بعضهم بعضا من أجله ، ولكن ابن آدم المزور عاشق الضلال ، زور دين الله وادعى أن هناك رزقا لن يأتي إلا بالسعي ، وفتح على نفسه أبواب الجحيم ، فأصبحت الحياة سلسلة من المكائد والمؤامرات بين البشر تنافسا على الرزق ، رغم علم الإنسان أنه لن ينال من الدنيا إلا ما كتبه الله له وقدره من قبل أن يأتي به للدنيا ، وفي مضمار الصراع بين البشر على الأرزاق ، لابد من وجود الغالبية العظمى التي تمتلك الشعور المتزايد بعدم القدرة على تحقيق أحلامها وأمنياتها من الأرزاق والخيرات ، سواء لجهلهم بناموس الكون ، أو لزيادة مستويات أحلامهم عن واقع الحياة ، وهؤلاء يسقطون صرعى للإحباط والاكتئاب ، ولا يجدون وسيلة لنجدتهم إلا الهروب لانتصارات سفيهة لآخرين ، خاصة لو كان لديه احباطات مؤلمة لم يحققها في حركة حياته وأخطرها فشله مع أهله وشريك حياته أو تربية أبنائه ، وأسهل ألوان الهروب المشروع وأكثرها انتشارا هو الهروب للتعصب لفريق لعب ولهو وفن وترفيه ، وأسوأها هو السقوط في التعصب لفصيل شيطاني مثل الأخويات الماسونية كإخوان المسلمين وفرق الوهابية والسلفية وداعش وحقوق الإنسان والمؤسسات الأهلية الممولة ، والذين تستخدمهم الماسونية لتخريب حياة البشر تحت مسميات وهمية كالحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الرجل والمرأة وتحرير الشعوب وغيرها من شعارات الماسونية المخططة لتدمير أوطان الشعوب الغبية .

فالثقافة ليست شهادة علمية ، والحكمة ليست علما ولا تدريبا ولا كثرة تجارب ، لأن الحكمة هي منة من الله يؤتيها من يشاء ، ويحرم منها من يشاء ، ولا يؤتيها إلا لمن شاء الله أن يؤتيه خيرا كثيرا ، {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، لأن الحكمة تريح القلب وتهدهد النفس وتصلح فساد الأحوال ، لأن الإنسان لو أوتي الحكمة ، فسوف يكون مدركا أنه جاء للدنيا ليتم اختباره في إعمار الأرض كمهمة عبودية لله (العبادة) ، وأنه ليس مسئولا عن نتائج سعيه ، وأن عمله هو جزء من منظومة الخالق في الكون ، وأن الدنيا ليست دار استحقاق ، فلا يرزق إنسان بشيء لأنه يستحقه ، ولكن يرزق به ليتم اختباره فيه ، فمن أدرك الحكمة لا يصيبه الإحباط مطلقا ، لأنه يعلم تماما أن ما يحرمه الله منه هو قمة الخير له ، لأنه لن يحاسب عليه ، وأن العطاء من الله ليس مكافأة ولا عقابا ، فالثواب والعقاب ليسوا في الدنيا ، ولكنهما في الآخرة يوم القيامة ، وللأسف .. من لا يدرك هذا يصبح كافرا بلقاء الله وحسابه ، فيصبح جشعا فيما يحلم به من الدنيا ، ويغضب ويحزن ويكتئب وربما يرتكب الجرائم من أجل الحصول على ما يريده ، وهو لا يدري .. أنه لو غضب الله عليه لرزقه ما يتمنى عاجلا في الدنيا ، ولو زاد غضب الله عليه .. فسيفتح له أبواب ما كل شيء من الدنيا ، ليحق عليه عقابة الله يوم القيامة دون أن يكون له حجة على الله .

ولو آتاه الله العلم من قرآنه العظيم ، لعلم أن حياته اليوم هي أحد مرات اختباراته الحياتية في الدنيا ، وأن ما يحلم به ويريده قد أخذه من قبل ، أو سوف يأخذه ويأتيه في الدنيا مرات ومرات ، ولكن بصور حياة مختلفة خلال مرات دخوله للحياة في رحلة اختباراته ، وبالتالي فهو لا يملك من الدنيا شيئا ، فهو دوما يدخلها خالي الوفاض ويخرج منها بلا شيء ، وكل ما يأتيه ويتمتع به ، ما هي مواد اختباراته ، وهو ليس مطلق الحرية في التصرف والتعامل معها تبعا لأهوائه ، بل هو مأمور بأسلوب التعامل بها ومعها ، وسيدرك أن متع الحياة في الدنيا خادعة وفاتنة لنفسه ومهلكة له لو غرق فيها وتملكت من نفسه ، ولا نجاة له في الدنيا إلا أن يكون سيدا على نفسه وشهواتها ورغباتها ، لا عبدا لها ، لأنه في الحقيقة ليس إلا عابر سبيل في الدنيا ، دخل من باب وسيخرج من الآخر ولا بقاء له فيها ، وبالتالي فكل من تعشق وتهوى في الدنيا من نفوس أو أشياء ، فهو وهم كبير ولا بقاء له ولا دوام ، لأن النفوس بحالتها في الدنيا هي نفوس ناقصة تسعى للتكامل وتلك حكمة الضعف والاحتياج التي بنيت عليها الحياة ، فإذا انقضى الأمر وحانت ساعة القيامة ، فستعود النفوس لحالة التكامل مرة أخرى ، وهو ما يقوله سبحانه في مشاهد يوم القيامة .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، وحينها شوف تختفي الأنساب ولا يخطر على بال نفس أن تسأل عمن كانوا أحبابها أو أقاربها في رحلات الاختبار في الدنيا وهم بالآلاف ، وهو ما يقوله سبحانه .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، وعمن ستسأل وقد كان لك آلاف الأبناء والزوجات والأقارب وكلها من النفوس التي كانت ناقصة وتكاملت وانتهت أدوارها باختفاء مسرح الحياة نفسه .

إذا علمت كل هذا .. ؟؟؟ ، فهل من الممكن أن تتعصب لأي شيء أو حدث في الحياة مهما كان ؟؟ ، أم أنك سوف تراجع قدور اهتماماتك وتعيد النظر مجددا في أساسيات فكرك وثقافاتك ، وحينها لا تهتم إلا بما هو باق معك ومؤثر على مستقبل حياتك الباقية عند الحي القيوم ، فلن تتعصب لشيء إلا ما كان يضيف لرصيدك عند الله ، وما ينجيك ويدعمك أمام الله ، ولن تتعصب إلا بالقدر المناسب والمأمور به من الله ، فرسول الله ما كان يغضب لشيء أبدا إلا عندما تنتهك حدود الله وكذلك كان صحابته والتابعين بإحسان ، مقارنة ببعض الرجال اليوم لا يستحي أو يؤثر فيه خروج زوجته وابنته شبه عارية ، ولا مصادقة ابنته وزوجته للرجال على صفحات التواصل ، ولكنه قد يصاب بجلطة أو سكتة قلبية ، فيموت ويخسر حياته ، وربما يعادي ويكره أو يقتل لو خسر فريقه مباراة أو بطولة ، وهو ما يوضح حجم انحراف النفوس عن الفطرة السوية ، نتيجة تراكم الضلالات المقدسة التي زورت مفاهيم دين الله ، بداية من مفهوم الدين نفسه ومرورا بمفاهيم العبادة والأرزاق والحياة وما بعد الموت ، وكذلك فشل رجال الدين في الارتقاء بالخطاب الديني في مواجهة تطور أساليب تنفيذ مؤامرت أبالسة وشياطين الإنس والجن على دين الله .

ولكن يبقى في النهاية القدرة الفطرية لكل إنسان ، على التمييز ما بين الحق والباطل ، في نفسه أولا ثم فيما حوله من معطيات حركة الحياة ، والتي وضعها سبحانه في كل نفس وسوف يحاسبه عليها يوم القيامة ، وهو ما يقوله سبحانه .. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }القيامة14 ، 15 ، فلا مجال للأعذار أمام الله في الدنيا أو الآخرة ، ولذلك تجد من يرتكب خطيئة وهو مصر عليها ، يتهرب من اللقاء مع الله ويحاول أن يتجاهل كل ما يدور في نفسه من ندم وملامة ، وهو ما يفضحه سبحانه خالق النفوس ، في محاولاتها أن تأخذ ما ليس لها بحق .. { .. وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }البقرة267 ، فكلنا يغمض عين قلبه عندما يطمع فيما ليس له ، وكل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ، والتوبة يقبلها الله من عباده ويفرح بها ، ويعين صاحبها ، ويتوب عليه ويغفر له ، حتى قال سبحانه .. {.. وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33 ، ولا يرزق الله الاستغفار إلا لعباده العارفين به والواثقين في جلاله وكرمه .

وبالتالي فالمسألة كلها مجرد ثقة في الله ، فمن كان لديه إيمان صادق بالله ، تتنامي في نفسه الثقة في وعد الله الحق ، فلا يهتز لمصاعب الدنيا ، ولا يهرب للتعصب لأي شيء في الدنيا ، إلا لله وحده وما يرضيه ، والثقة في الله تعني أن تحسن الظن بالله فيما يكتبه ويقضي به ، ومن أحسن الظن بالله أحسن الله له معطياته في الدنيا ، خاصة إحسان الظن بالله في خلقه ، فسوء الظن بالناس هو قمة سوء الظن بالله ، ونتيجته أن يحقق الله لسيء الظن سوء ظنه ، ومن أحين الظن بالناس ومعطيات الله في الدنيا ، رزقه الله الرضا بما يجري عليه في الدنيا ، وتكون نفسه راضية مرضية ، ومن حسن الظن بالله أن لا تنظر مطلقا لمن فضله الله عليك في الدنيا ، ولكن انظر دوما لمن هو أقل منك وتحمد الله أنه فضلك على كثير من خلقه ، فيرضى عنك ربك فيجازيك بحياة طيبة في دنياه ، ويثيبك الجنة في الآخرة ، ويعلمك من علمه الواسع والكبير ما لم يعلمه لبشر غيرك ، فالبشر بكل ما آتاهم الله من علوم ، لم يتجاوزوا درجة واحدة من علوم الله المتناهية ، بل حتى اليوم لم يعرفوا حقيقة دقة وروعة إبداع الله في خلق أجسامهم ، بل يقفون عاجزين أمام حركة دخول النفس وخروجها من الجسد للنوم أو الموت ، وهي أبسط الحركات التي تتكرر مليارات المرات في الساعة الواحدة .

أخيرا … التعصب لأي شيء أو شخص في الدنيا هو نتاج حالة من جهل النفوس بناموس الله في خلقه ، وجهل أكبر بالمهمة التي خلقنا الله من أجلها ، وجهل أخطر بمراد الله من خلقه ، وتمكن التعصب من النفوس يضعف الإيمان والثقة في الله ، ويزيد من سيطرة الوسواس الخناس على ابن آدم ، حتى يصبح أسيرا لشهواته ورغبات نفسه ، ولا وسيلة للخلاص من التعصب إلا بالعلم والكد والكدح في الدنيا واليقين في الله ، وهي مهمة سهلة وبسيطة لو صدقت النوايا ، وطريق رائع من بناء ثقة النفوس في الله ، ولا يذوق متعتها إلا من يستطيع السيطرة على خوالج نفسه ويكبح جماحها ، وذلك هو أرقى ألوان جهاد النفس ، وهو الجهاد الأكبر لكل نفس خلقها الله ، وليذكر كل منا نفسه دوما ، أنه في رحلة في قطار الحياة وسوف ينزل منه في أية لحظة ، ليركب غيره استكمالا لرحلة الاستخلاف والاختبار ، فلا شيء يستحق التعصب له ، ولا شيء يستحق أن تضحي بنفسك من أجله ، إلا أن يكون شيئا لمرضاة الله وفي سبيله ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر