مصر .. بين النبوءات والمؤامرات …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
4 يوليو، 2024
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
356 زيارة

لا أعلن سرا لو قلت أنني عانيت كثيرا من تشتت الفهم والفكر وفقدان الاتجاه ، مثل كثير من المصريين المهتمين بمستقبل أبناءهم ، فضلا عن مكابدة تبعات الحرب الشعواء التي تشنها الماسونية على مصر من جميع الاتجاهات وفي جميع المجالات ، وللمصريين كل الحق ، فمن يصدقون وماذا يصدقون ، وهناك تصاعد وتنوع صادم للمشكلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، في ظل إعلام يصل تمويله الشهري بمليارات الدولارات ، لا يكل ولا يمل على أمل النجاح في إحداث فوضى أو ثورة جديدة في مصر ، والعودة بها لمشهد 2011م مرة أخرى ، وناهينا عن كم الفيديوهات عن نبوءات خراب مصر ، ومقتل قادتها ، واقتراب ظهور صاحب أو صحابي مصر والمهدي المنتظر ، وغرق مصر ثم جفافها ، ونبوءات سفر أشعياء ، والتي بالصدفة البحتة (تهكما) جاءت مؤيدة بأحاديث نبوية مزعومة عن حذيفة بن اليمان وغيرهم من رواة الأحاديث الكاذبة والمخالفة حتى لآيات كتاب الله ، والمدعمة بما يسمونه بكتاب (الجفر) لعلي بن أبي طالب ، ولا تنسى فرقة المساخر البريطانية من لندن برؤوس الحربة معتز مطر وناصر وزوبع وغيرهم من المطرودين والخونة والعملاء وأدوات المخابرات البريطانية .

فالمصري معذور لو أصابه الذعر والقلق ، ثم الخوف والرعب مما هو قادم ، خاصة في زخم تصاعد موجات الانحراف والانحدار الأخلاقي بواسطة أباطرة الفن والتيك توك واليوتيوب ، ولا لوم على من يغلق عقله وعينيه وأذنيه ويحيا اليوم بيومه ، فالمشهد ليس مربكا فقط ، بل هو شديد الخطورة على أي عقل سليم ، فما بالك بالمصريين الذي جربوا كل ألوان الأزمات والتحديات والمخاطر ، والتي هدمت أقل منها دولا عربية مجاورة ، ما زالت شعوبها تعاني ، وكل ذلك في أقل من عشرة سنوات ، والدولة رغم أنها تبذل جهودا جبارة لإعادة بناء الدولة التي انهارت في عقود ماضية ، إلا أنها ما زالت غير قادرة على التواصل مع المواطن ، وما زالت تعاني في مفاصلها من بقايا فساد ماسونية (مباركية إخوانية) ، متمثلة في وزراء وكوادر وقادة ما زالوا غير مصدقين أنهم في عصر جديد ، وغير معتادين على الشفافية وطهارة القلب واليد ، ولذلك فهناك عشرات من كبار رجال الدولة دخلوا السجون في الشهور الماضية في صمت ، وبعضهم من أصحاب المناصب الخطيرة والحساسة ، حتى بلغت قضايا الفساد لكبار موظفي الدولة 1435 قضية في عشر سنوات ، وهو ما يوازي خمسين ضعف قضايا الفساد في عهد مبارك ، ولا تزال حملات التطهير ومحاربة الفساد مشتعلة ، وأمامها طريق طويل ربما يمتد لسنوات حتى يقتنع من تربوا على الفساد ، أن زمن الفساد قد مضى ويجب ألا يعود .

ولا شك أن ارتفاع الأسعار هو الشغل الشاغل للمواطن ، خاصة في ظل دخول أكثر من عشرين مليون لاجئء لمصر ، وتأثيره على الأسعار والاحتياجات الأساسية للمواطن ، في ظل انقطاع الكهرباء وازدياد معدلات قطعها خلال بداية الصيف الساخنة ، وهو ما يجعل المواطن ليس مدركا ، أو ليس مستعدا لفهم واستيعاب أن الدولة تعاني أكثر منه ، حتى ولو كان لديها تكلفة جاهزية القوات في سيناء بالملايين يوميا ، ونقص موارد الغاز الذي كان يدخل مصر لإسالته ، بعدما تعمدت أمريكا أن تقطع تدفقه من قبرص واليونان وإسرائيل ، في ظل تراجع إنتاج حقل ظهر ، للضغط على مصر لرفضها تهجير الفلسطينيين لسيناء ، فضلا عن إغلاق قناة السويس بالتنسيق مع إيران وقوات الحوثي واسرائيل وحماس في مسلسل هزلي ، بهدف واحد هو محاولة إسقاط مصر بأي ثمن ، لأنهم يعرفون أنه لو سقطت مصر ، فسوف تسقط كل المنطقة العربية كقطع الدمينو ، وقادة الماسونية لا يعنيهم سوى تحقيق أهدافهم ، والقطب الجديد روسيا والصين لا يعنيهم سوى مصالحهم ، وأمريكا والغرب الماسوني لديهم الاستعداد لفعل أي شيء لاستعادة السيطرة على المنطقة ، وما فقدوه من نفوذ على مصر وبعض الدول العربية .

فالأحوال في العالم تغلي في قدر السياسة العالمية ، وقواعد اللعبة مختلة بشدة ، فمثلا .. الإمارات هي أكبر المستثمرين في سد النهضة مع الصين وبرعاية اسرائيلية وأحيانا روسية ولو على حساب مصر ، والامارات والسعودية هما أكبر المستفيدين من تدهور السودان وتقسيمها لسهولة الحصول على الذهب السوداني ولو على حساب مصر ، والصراع بين روسيا والغرب يتصاعد بشدة في إفريقيا ، ولا يعنيهم مصالح أحد ، بقدر ما يعنيهم عدم وجود من يعيق أطماعهم في إفريقيا ، حتى ولو كانت مصر ، فكثير من الأصدقاء والعرب يحلمون بسقوط مصر ، لعلهم بسقوطها يكون لهم قيمة وقدورا أفضل ، والبعض حالم بالريادة ويدفع المليارات يوميا للترويج لحكمته وذكائه وعلو شأنه لدرجة أن أحد العرافات المشهورة بعمالتها للماسونية ، أصبحت تقدم فيديوهات خاصة لتلميع هذا الفارس الملهم ، وكأنها تتحدث عن نبي مرسل ، ولا عجب فنحن في عالم تصنعه الأموال ، حتى ولو كانت حقوق شعوب تهدر لصالح أشخاص تقترب نهايتهم المأساوية ، كنتيجةحتمية لفسادهم وخياناتهم وعمالتهم على حساب شعوبهم .

وقلبي حقيقة مع هذا المواطن المصري ، المعذب والمشتت بين معطيات متغيرة ومتلاحقة بسرعة خيالية ، مع جهل متزايد ، بما تم إنجازه في بلده التي كانت على حافة الهاوية ، من الإفلاس والحرب الأهلية ، والفوضى والفشل في كل مؤسساتها ، وبلا شرطة ومخترقة في قضاءها ومؤسساتها الكبرى ، ولكنها في أقل من عشرة سنوات استطاعت تحقيق معادلة الأمن ، لدرجة أنها أصبحت ملاذا لأكثر من عشرين مليون لاجئ من أكثر من خمسة دولة إقليمية ، وقفزت بقواتها المسلحة عدة مراكز ، بل وتنافس على المراكز السبعة الأولى في العالم ، وتفتح ثلاثة قواعد عسكرية جديدة على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية ، وتستعد لفتح أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط في سيناء ، فأصبحت بالفعل دولة ذات سيادة محترمة رغم أنف كل المتآمرين ، وداخليا بنت 22 مدينة جديدة ، 8 مطارات جديدة ، وأكثر من 2 مليون وحدة سكنية ، وأضافت 4 مليون فدان زراعة جديدة ، 26 محطة كهرباء جديدة تعادل 12 ضعف طاقة السد العالي ، وأنشأت 7 آلاف كم طرق جديدة ، فانتقلت من الحياة على 5% من مساحاتها إلى تعمير 14% من مساحتها ، فضلا عن أكبر سبعة مشروعات قومية عالمية على رأسهم العاصمة الإدارية والتي لم تأخذ من ميزانية مصر مليما واحدا ، بل أدخلت أكثر من 2.5 تريليون جنيه مصري لخزانة الدولة ، وهو ما أفقد المتربصين والأعداء صوابهم ، ولم يجدوا سوى أن يدعون كذبا أنها دون جدوى وتعرقل الاقتصاد المصري ، ولكن مراكز الدراسات العالمية تفضحهم ، فتؤكد أن مصر بإنجازاتها في السنوات العشر تعد نموذجا غير مسبوق ، وسوف يذكرها التاريخ ويعطيها حقها ، وهي عادة البشر .. لا يعرفون قيمة ما بين أيديهم إلا بعد رحيله .

أما عن النبوءات ، فكلها جزء رئيسي من المؤارمات ، فهي صناعة الماسونية منذ قرون طويلة مضت ، بما فيها الأحاديث المكذوبة وكذلك كتاب (الجفر) نفسه ، ونبوءات العرافين والعرافات والدراويش وأصحاب المذاهب والفرق والجماعات المشركة بالله قطعا ، فالماسونية ومنذ قرون طويلة تلعب على عشق الإنسان للقصص والأساطير ، ومحاولة معرفة الغيب وما يخبئه المستقبل ، فتقود الفكر والعقل الجمعي للشعوب لما يساهم في تنفيذ مؤامراتها ، ورأينا كيف نجحوا في تقسيم العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا طائفيا وعشائريا ، بفكر وثقافة مسمومة تم دسها منذ قرون ، ولكنهم فشلوا في مصر لأنها المحروسة بعين الله وحده ، والذي يسخر لها الله من ينقذها ويحمي شعبها من ويلات السقوط مثل شعوب أخرى ، ولعلنا نعترف بفضل الله ونراعي حقوقه ، ونتق الله في أنفسنا فلا نكن سلاحا في يد أعدائنا ، ولا نكونن بطونا لا تشبع وقلوبا لا تخشع ، ولا نصبح أسرى لإعلام الماسونية عبر وسائل التواصل والإعلام ، فنشعل بلدنا جحيما يتحول لخراب ودمار كغيرها ، فالدول التي تسقط لا تعود مرة أخرى ، والشعوب التي تتقطع وتتشرد لا تلتئم مرة أخرى ، واسألوا التاريخ عن كم الشعوب التي دخلت مصر عبر القرون الماضية لاجئة وهاربة من جحيم بلادها ، وكيف ذابت بين المصريين واختفت هويتهم الأصلية للأبد .

وبالتالي .. لا مجال لتصديق النبوءات والخزعبلات ، ولابد أن يكون لدينا وعيا حقيقيا للمؤامرات التي تحاك لهذا الشعب وهذا الوطن ، فمصر لا تحتاج لحاكم قوي أمين ومخلص فقط ، بل تحتاج لهذه المواصفات في كل رجالها جميعا مهندسا وطبيبا ومدرسا وموظفا وتاجرا وفلاحا وجنديا ، باختصار تحتاج مصر لمواطن مخلص وقوي وأمين ، ولا حاجة لها لمواطن جاهل أو متواكل كسول ، أو عشوائي أو منحرف أو مدمن أو يحيا من أجل شهواته ، وليس هذا اختيارا ، بل أصبح واجبا وفرضا ، ومن لم يكن سندا لوطنه في الأزمات ، فلن يكون له مكانا ولا حظا في المستقبل ، لأن الخالق العظيم مطلع على قلوبنا ونوايانا ، وعقابه سريع وشديد لعباده المفرطين ، واعتقد أننا ما زلنا نتذكر ما حدث لجماعة إخوان الماسونية عندما خانوا أمانة الله في وطنهم ، فأذلهم الله وأخزاهم ونزع الملك منهم ، وما زال الكثيرين منهم مختفين وينكرون انتماءاتهم ، وما أشده من عقاب على الإنسان ، أن يحيا مسكورا مختبئا في نفسه ، لأنه خان أمانة الله في وطنه وأهله عندما مكنه الله في الأرض ، فالله سريع العقاب ، والله شديد العقاب .

وكلمة أخيرة .. في أذن كل مواطن متذمر وغاضب من الأحوال الاقتصادية ، ويصب غضبه على الدولة ويتهمها بالفشل ، ولا يريد سوى تصديق شعارات الماسونية عن الديموقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية والحرية ، أخي الفاضل .. ليس كل ما يدور في مطبخ السياسة يقال للشعوب علنا ، ولا تصلح الشعوب لحكم نفسها ، وإلا فاقبل أن تسجل ما يحدث في غرفة نومك يوميا ، ليراه أولادك من باب الشفافية والديموقراطية ، واسمح لابنتك أن تبات خارج البيت وتأتي بصديقها لينام معها في غرفتها ، فتلك هي الحرية الغربية الشيطانية التي يريدون أن نصل إليها ، فمعنى أن انتخبت رئيسا ، فقد وقعت معه عهدا بالثقة ، فإن خالفت عهدك عند كل مشكلة ، فأنت غير أهل للثقة ، ولا تنسى أن الحاكم والأب والمدير والرئيس هو هبة من الله ، والله يجعله رحيما ومخلصا وأمينا على من يستحق ، ويجعله لعنة ونقمة على من لا يستحق ، ولن يصدق الفاسد والمنحرف أن هناك شخصا صالحا ، وصاحب الظن السيء بالله في الحاكم أو البشر يرزقه الله بسوء ظنونه وحده ، فالله عند ظن عبده به .

أخيرا … يستعجل المصريين عقاب الله لإسرائيل وأمريكا والغرب على جرائمهم في حق العرب عامة وفي حق الفلسطينيين خاصة ، وهي مشاعر حقيقية ومشروعة ، ولكنهم يغفلون عن قول الله تعالى .. {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ }الأنبياء37 ، فالله يمهل لهم لعلهم يتوبون ويرجعون ، وإن لم يتوبوا ويرجعوا فهو يمهل لهم حتى يزدادوا إثما .. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }آل عمران178 ، فيملي لهم سبحانه ليحق عليهم العذاب بظلمهم وكفرهم بآيت الله ، فيستحقون أخذه سبحانه .. {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }هود102 ، وكلما أمهل الله الظالمين قبل عذابه وعقابه كلما كان عقابه أليما شديدا ، وكثير من اليهود في العالم يعلمون ذلك ، ويصرخون ويتبرأون من الصهيونية والماسونية ، وما يفعلونه في شعوب العالم خاصة العرب والمسلمين ، فأمر الله آن لا محالة .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر