أيامكم كلها .. أعياد … بقلم : جمال عمر

كل عام وحضراتكم جميعا ، بل وكل خلق الله باليمن والبركات والصحة والسعادة ، وجعل الله أيامكم أعياد وفرحة ، فالله خلق ابن آدم ليعمر الأرض مستخلفا عليها ، وجعل له فيها كل أسباب الفرح والمتعة والسعادة ، ولكنه جعلها مرهونة بقدرة وحكمة الإنسان على قنص السعادة والفرح ، وبين له أسلوب الوصول إليها ، وقال له فيها .. {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }يونس58 ، فلو شئت السعادة فتلمس فضل الله عليك ورحمته لك ، أو بمعنى أبسط (انظر لنصف الكوب الملئان ، وتجاهل النصف الفارغ من الكوب) ، فالنقيضان دوما يعمران حياة البشر على الأرض ، وحكمة النقيضين هي للتوضيح ومعرفة الفارق ، فلن تعرف النهار لو لم يكن هناك ليل ، ولن تعرف قيمة الخير إن لم يصبك شرا ، ولا يشعر بنعمة الصحة إلا كل مريض ، وهو ما تراه دوما في حياة الغافلين المغيبين عندما تسألهم عن أحوالهم ، فيقولون (عادي ماشية) ، أو (عايشين) ، أو (معدية) ، أو ما شابه ذلك من عبارات من اعتادوا نعم الله واستمرأوها فأصبحوا لا يرونها نعم تستحق الشكر والحمد .

وربما ليس غريبا أن تحمل النفوس ذكريات للعيد تحاول استرجاعها ، وحتى وإن كانت هذه الذكريات في حينها ليست هي أسعد الأحوال ، بل ربما كانت لحظات تعاسة وملل ، ولكن ابن آدم بطبعه محترف في الكذب على نفسه وتزوير الحقائق ، ليصنع من ماضيه سعادة مفقودة ، حتى طفلك الصغير سوف تجده يتذكر العيد الماضي ويريد أن يكرر ما فعله أو يفعل ما لم يفعله فيه ، فما بالك بكبار السن أمثالنا .. فكل منا يترحم على الأعياد في أيامنا ، حين كانت أكبر عيدية يتلقاها أبناء الطبقة المتوسطة هي خمسة قروس ، وكانوا يلقبونها بـ (كف مريم) ، ويال سعيد الحظ من ينال (البريزة) أو العشرة قروش ، وبالمناسبة كانت الخمسة قروش تستطيع أن تشتري عشرة أرغفة من العيش الفاخر بوز لا يقل عن 200 جرام ، تساوي رغيف ثمنه اليوم خمسة جنيهات ، وفي المقابل كان أكبر مرتب لموظف الحكومة الكبير لا يزيد عن 40 جنيها شهريا ، وكنا لا نعرف اللحمة إلا أسبوعيا ، وربما مرتين في الشهر ، وكان الليمون يباع بالمائة ليمونة ، والمائة تعد (120) ليمونة ، ولن أقول لك أن جوز الحمام كان ثلاثة فردات حمام ، ولكن هذا كان حقيقة في بعض القرى ، ولم يكن لدينا سوى الراديو وبه اربعة أو خمسة محطات ، وتكتب خطاب تهنئة العيد لأقاربك في أية بلد أخرى قبلها بأسبوعين على الأقلا ليصلهم قبل العيد بأيام قليلة ، وتسمع أي خبر عن أية أحداث في بلد مجاورة لكم بعدها بأيام وربما لا تسمع ، فقد كان الإنسان قادرا أن يخلو بنفسه ويراجعها ويفكر ويبتكر وسائل ومتعة وسعادة وقضاء وقت أفضل ، وكانت المشاعر والأخلاقيات لها قيمة في نفوس الناس ، حيث نفوس البشر لم تكن مثقلة ولا مشتتة بما تعانيه اليوم ، فقد كان الزمان غير الزمان .

ولا شك أن هناك بشرا يتركون بصمات في الدنيا لا تموت ، بل وهذه البصمات تزهر حياة أجيال من بعدهم ، فمثلا تعلمت من أمي أن أصنع لبيتي أعيادا خاصة ، فيوم الخميس هو غداء العائلة الجامع لكل بعيد وقريب ، ومساء الخميس هو لقاء التسامر الأسبوعي للعائلة أو على الأقل الأسرة ، وهو لقاء تزينه وتثريه أمي بالمسليات والحلويات والفواكه ، وإفطار رمضان هو احتفال بتجمع الأسرة ، وإفطار كل خميس في رمضان هو لقاء عائلي ندعو له كل من يستطيع الحضور لمائدة إفطارنا العامرة ، أما عن الأعياد فحدث ولا حرج ، فلقد تعودنا أن نفتتح مصنع الكحك والبسكوت والغريبة والبيتي فور خلال الأسبوع الأخير في رمضان ، ونخرج منه بخزين من كل نوع يساهم في إفطار الصباح لشهور قادمة ، وتستقبلنا أمي بعد صلاة العيد بحفل ساندويتشاتها الرهيب ، والذي كان يحرص عليه كثير من العائلة ، بالإضافة لصواني الحلويات الشهية ، ومختلف ألوان المشروبات الساخنة والباردة ، فقد كانت أمي تهوى صناعة أجواء الأعياد بالمأكولات والمشروبات ، وتوارثها عنها زوجاتنا بل وأبنائنا في بيوتهم ، لأن ذلك يصنع كثير من البهجة والذكريات الجميلة عبر الأجيال .

وكما تعلمنا ممن سبقونا ، أن الإنسان هو من يصنع طقوس حياته بنفسه ، فإن أحسن صناعتها بنفس طيبة راضية مرضية ، كانت له رحمة ونجدة في الأزمات ، وإن أساء صناعتها بتشاؤمه وخوفه من المستقبل والمجهول ، حول حياته لقلق وتوتر وحزن وخوف من المجهول ، فيخسر حاضره خوفا من مستقبله ، ويخسر مستقبله لأنه بدأ الحزن عليه قبل أن يأتي ، ناهينا عن كون التشاؤم والخوف من المجهول هو في حد ذاته سوء ظن بالله في دنياه وخلقه ، وجهل بوعد الله لعباده .. (أنا عن ظن عبدي بي ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر) ، فانتظارك للشر وتفكيرك فيه وسيناريوهاه المحتملة ، هو فتح لقنوات استقباله ولابد أن يأتيك ما انتظرته ، على عكس لو استبشرت خيرا واستعذت بالله وانتظرت الخير ، فسوف يأتيك خيرا مما حملت به ، فالله أكرم الأكرمين والرحيم الودود بعباده ، ومن يجيد حسن الظن بالله هو من البشر الذين ينعمون برحمة الله وكرمه في حركة حياتهم .

ولا شك أن هناك بشر ينعمون بكل لحظات حياتهم ، فيحمدون الله ويشكرونه حتى في الأوقات الصعبة ، فهم يرون أنهم دوما في نعم الله ، وأن أحوالهم أفضل من غيرهم ، حتى وإن كانوا لا يدركون أن رؤيتهم هذه تعتبر قمة العبادة والرضا بتدبير الله وقضاءه ، ولكن نفوسهم جبلت وتربت ونشأت على الإحساس بالنعمة ، فهي نفوس راضية رضية مرضية  ، يحبها ربها ويذيقها سعادة الدنيا والآخرة ، لأنهم يعلمون أن الدنيا ليست مكانا لقنص المتع والاستمتاع الدائم ، ولكنها دارا للاختبار في كل سكنة وحركة للحياة ، فهم يفهمون ناموس الله في خلقه ، ونفوسهم مؤمنة بحكمة الله من خلقه للحياة على الأرض ، حتى وإن جهلوا دقائق تراتيب منظومة التكامل في حركة حياة المخلوقات على الأرض ، فمثلا هم لا يتذمرون من حرارة الطقس الشديدة ، لأنهم يعلمون أن تعرض الإنسان لمختلف ألوان الطقس مفيد لصحة جسده وزيادة قدراته على ممارسة حركة الحياة ، وهي مفهومات متوارثة عبر الأجيال .

ومن هذا المنطلق نكتشف أن المصريين كشعب ، هم من أذكى وأروع وأنقى شعوب الأرض ، لأن لديهم القدرة الفطرية على تحويل معاناتهم ومشاكلهم لنكات يشبعون منها ضحكا وسخرية ، فيغسلون بها همومهم ويتغلبون بها على كل أحزانهم ومتاعبهم ، حتى في أحلك لحظات الحياة ، فمثلا .. كثير منا ربما صادف يوما رجلا أو سيدة وهي تنفجر ضاحكة في عزاء ، ورغم الانتقادات الحادة والصامتة من الحاضرين ، إلا أن الحاضرين جميعا بعد ثوان معدودة تصيبهم نوبة ضحك هيستيرية كعدوى لا تقاوم ، وقد تستمر القهقهات لفترة طويلة ، ورغم اعتراضك الصامت على ما حدث ، إلا أنك ربما تكتشف حينها أو بعدها ، أن ما حدث كله كان السبب الأساسي لحل مشكلة أو عداء بين متخاصمين في هدوء ، وكأن الله ساق هذه الضحكات لتسكب الماء البارد على نيران الحزن والغضب ، وهنا نتذكر أو نتعلم أن قدرة الإنسان على تحويل همومه لمتعة ولو ببسمة للحظات ، هي من أكبر وأهم وسائل حماية الإنسان وصيانه نفسه وجسده من الهلاك والإهدار .

ولأن الله يعلم أن بين خلقه بشرا لا يملكون هذه القدرة ، فقد فرض لهم لهم الأعياد ليتوقفوا عندها ، وينعمون بلحظات فرح تزيل همومهم وتبدد أحزانهم ، وتذكرهم بأن الحياة مستمرة ومليئة بما يفرح قلوبهم ، وبذلك تعطيهم الأمل في الغد ليكملوا رحلة الاستخلاف والاختبارات على الأرض ، وتلاحظ دوما في الأفراح والأعياد ، أن الأيام والساعات ما قبل الحدث نفسه ، ÷ي أكثر متعة وربما سعادة من الحدث نفسه ، فالليلة السابقة للعيد هي أسعد كثيرا من العيد نفسه على الجميع ، والليلة التي تسبق يوم الراحة (مساء الخميس) ، هي ليلة مبروكة وسعيدة أكثر من يوم الراحة نفسه ، لأن النفوس فطرها الله على التمتع بالاستعداد للحدث أكثر من شعورهم بالحدث نفسه ، وهنا لابد أن نتذكر ونتعلم من كتاب الله شيئا مهما نصحح به ضلالات البشر ، فليلة الجمعة هي الليلة التي تبدأ بنهاية نهار الجمعة وتستمر حتى فجر السبت ، وليلة العيد ليست الليلة التي تسبق فجر أو أيام العيد ، بل هي الليلة التي تبدأ بآذان مغرب يوم العيد وتنتهي بفجر ثاني أيام العيد ، وذلك لأن حساب الأيام والليالي عند خالق السماوات والأرض ومن علمنا السنين والحساب ، يختلف عن حسابنا المشوه لليل والنهار ، فاليوم يبدأ بالنهار وذلك بآذان الفجر ، وبعد انتهاء نهاره يبدأ ليله بآذان المغرب ، وهو قوله تعالى … {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }يس40 ، وهو تنبيه من الله أن الليل لا يمكن أن يسبق النهار مطلقا ، وما نحن نحسب به أيامنا هو تقويم مخالف لحسابات الله تعالى خالق السماوات والأرض ، وبالتالي فليلة القدر لو كانت ليلة 27 رمضان ، فهي الليلة التي تبدأ بآذان مغرب يوم 27 رمضان ، وليس كما اعتدنا أن نحتفل بها.

أخيرا … خلقنا الله بشرا مستخلفين على الأرض لنعمرها بالعلم والعمل والكد والكدح ، ولابد لنا دوما من راحة للنفوس والأجساد لنستعيد قدراتنا على مواصلة رحلة الاستخلاف على الأرض ، ولن تكون الراحة مجدية لو كانت تحمل معها كثيرا من المعاناة النفسية أو المتاعب الجسدية ، ولكن لا ننسى أن الدنيا التي نحياها لا يوجد فيها راحة ، وليست مثالية كما نتمنى ، ولن تأتي السعادة لتطرق أبوابنا ، بل هي لحظات نقتنص فيها السعادة ولو ببسمة صافية ، ولو بكلمة طيبة ، وما تفعله مردود لك وهو ناموس الكون ، فلو كنت صاحب الكلمة الطيبة فتأكد أنك ستنعم بالكثير من الكلام الطيب ، ولو كنت ممن يسعون لسعادة من حوله ، فسوف تنعم كثيرا بمن يسعد لك حياتك ، ولكن لا تنتظر الرد دوما من البشر ، فالله يرد لك فعلك بأيدي من يريد ومتى يشاء ، فلا تنتظر من بشر ردا حتى لا تحزن وتكتئب ، ولكن اجعل سعيك لسعادة من حولك لوجه الله فكل خلقه عياله ورعاياه ، من أسعدهم أحبه ربه وأسعده ، رزقنا الله سعادة الدنيا والآخرة ، وكل عام وكل خلق الله بكل الخير والصحة والسعادة ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *