السعادة في رمضان .. (3) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
5 أبريل، 2023
غير مصنف
588 زيارة

كل عام وكل البشر بكل الخير والصحة والسعادة ، فشهر رمضان .. له بركات ونفحات خاصة ، وتلك حقيقة كونية تعرفها حتى وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ، والتي أخفت ما تم تسجيله مما يحدث من تغيرات كونية في شهر رمضان ، خاصة في ليلة القدر خوفا من انتشار الإسلام ، ولم يعد غريبا أن الأيام أصبحت كالسحاب ، فرمضان ومنذ بدايته وكأنه في سباق مع الزمن ، وهو ما أرق النفس وهدد سكينتها التي اعتادت أن تغشى القلب بعبق ونسائم رمضان ، فقد أزعجها تسارع أيامه ، وكأن كل يوم يمر يزيد في النفس مشاعر انسلاخ الروح من الجسد ، وهي مشاعر متناقضة كعادة البشر ، ما بين الفرحة والحزن ، والراحة والألم ، ولكنه خليط من مشاعر لا تتكرر في النفس إلا في رمضان .

ولا أدعي قدرتي على وصف روعة رمضان وفضله بأفضل مما قيل فيه عبر قرون طويلة مضت ، ولكنها الحقيقة فشهر رمضان له مواصفات وملامح شديدة الخصوصية ، وليست في بلاد المسلمين فقط ، ولكن في كل بقاع المعمورة ، فرمضان تشعر أن له نغما خاصا يدندنه الهواء والماء والشجر والحجر بمصاحبة سيمفونية الأيام ، فيردده الزمن في أسماع الأحياء لعلهم يفقهون ، أو لعلهم يدركون روعة السيمفونية التي يبدأ عزفها قبل رمضان يأيام ، ويتصاعد إيقاعها (ريتمها) مع أيام الشهر ، حتى تصل لقمة انفعالاتها وقوتها في ليلة القدر ، ثم تبدأ في الانسحاب حتى تختتم سيمفونية رمضان بتكبيرات العيد .

ولرمضان لون خاص ، عبق خاص ، طعم خاص ، ورائحة خاصة ، أو هكذا أشعر برمضان منذ كنت طفلا يصر على صيام الشهر كاملا ، وهو لا يدري كثيرا سوى أن الصيام يزيد من إحساس النفس بهذا العبق السحري ، خاصة وأن أمثالنا لهم ذكرياتهم عن رمضان التي تختلف كثيرا عن معطيات الزمان حاليا ، فالأجواء في زماننا الماضي كانت أكثر هدوءا وتركيزا ووضوحا في جمالها وكذلك عيوبها ، فلم نكن نعاني من ملوثات الفضائيات ولا فساد أخلاق الإعلانات ولا المحمول ولا شبكات التواصل ولا التيك توك ولا اليوتيوب ولا الإنستا ولا الاسناب شات (اللي ساب شاب) ، فلم يكن حولنا ما يعاني منه البشر حاليا من فوضى وزخم الانفجار المعلوماتي الكفيل بتشتيت المشاعر وإفقاد الإنسان الإحساس حتى بنفسه مثلما هو حادث اليوم ، والخطير أنه لا يتحكم في مشاعر ومفاهيم البشر ، بل ويتحكم حتى قدرات البشر على التقارب والتواصل والتفاهم والتراحم ، فقد كان صوت الراديو هو الوسيلة الوحيدة التي تربط البشر بما هو خارج واقعهم ، وهو عالم الراديو الرائع والجميل ، والأهم أنه كان أكثر مصداقية وأمانة ، على الأقل كان خاليا من دعوات الفساد والخراب الدرامية الرمضانية الحالية .

ولم يكن لدينا سوى ثلاثة محطات للراديو تصدر من مصر ، أولها المحطة الرئيسية (هنا القاهرة) ، ويسمونها البرنامج العام ، ومحطة صوت العرب والتي تتبادل الإرسال مع صوت فلسطين في الرابعة عصرا ، ثم محطة الشقاوة والحركة وكل جديد .. محطة الشرق الأوسط ، وشقاوة صوت سامية صادق وهي تخطفك بقولها .. { غمض عينيك وامشي بخفة ودلع ، الدنيا هيا الشابة وانت الجدع ، تشوف رشاقة خطوتك تعبدك ، لكن انت لو بصيت لرجليك .. تقع } ، ثم انضم لهم إذاعة القرآن الكريم ، والتي أنشأها جمال عبد الناصر ، وفي رمضان حيث لا يغلق البرنامج العام إرساله إلا بعد صلاة الفجر ولمده ساعتين ليبدأ إرسال اليوم الجديد ، بخلاف باقي السنة حيث اعتاد أن يغلق في الثانية عشرة ، وأحيانا بتجاوز لساعة أو اثنين لظروف خاصة مثل حفلة كوكب الشرق “أم كلثوم” في أول خميس من كل شهر ، أو إذاعة حفل لأضواء المدينة والذي كان مخططا لأربعة مرات سنويا .

وفي رمضان .. تتسابق المحطات لتقدم وجبات جميلة خفيفة ومفيدة للمستمع المصري والعربي ، ويكون الفائز دوما هو البرنامج العام ومعه إذاعة القرآن الكريم ، وكان لبرامج رمضان وقع خاص على الأسماع والنفوس ، فإلى جانب الفقرات والبرامج الصباحية المعتادة ، والذي يبدأ في السادسة بالقرآن الكريم ، ثم يعقبه تواشيح دينية أو أغنية مثل “قل ادعو الله إن يمسسك ضر ، ووجه ناظريك إلى السماء” والتي تغنيها شادية ، وتأليف زكي الطويل وألحان إبنه كمال الطويل ، وتظل أغاني الصباح خالدة لا تنساها النفوس ولا الأسماع ، مثل “يا صباح الخير ياللي معانا ، الكروان غنى وصحانا” لأم كلثوم ، وهي كلمات بيرم التونسي وتلحين محمد القصبجي ، ثم سريعا لابد من البرنامج الخدمي “بالسلامة” وهو برنامج مروري بالدرجة الأولى ، ثم برنامج همسة عتاب ، وهو برنامج إذاعي مشهور وكان يذاع يوميا في الساعة الثامنة صباحا بإذاعة البرنامج العام ، ويتناول هذا البرنامج الهموم اليومية للمصريين خصوصا صراعهم اليومي مع البيروقراطية الحكومية حيث يقدم البرنامج شكاوي المواطنيين في قالب درامي علي مدار أيام الاسبوع .

وفي نفس الإطار كان هناك برنامج تاريخي بعنوان { كلمتين.. وبس } ، بصوت فؤاد المهندس ويتم فيه معالجة سلبيات الموطن المصري والحكومة المصرية والروتين ، ثم فاصل من الأغنيات الخفيفة مثل “صبح يا جميل يا جميل صبح” بالصوت الماسي محمد قنديل ، ويال حظك المدندش .. لو غناك محمد قنديل “سحب رمشه ورد الباب .. كحيل الاهداب” ، أو أطربتك المطربة أحلام بأغنية “يا نسمة الصباح يا معطرة الجناح” ، أو غنتنا المطربة نجاح سلام “صبح الصباح محلاه” ، وتتوالى البرامج والأغنيات الصباحية ، مرورا بالبرنامج التاريخي “إلى ربات البيوت” لصفية المهندس ، ثم غنوة وحدوتة مع أبلة فضيلة ، لتبدأ برامج الضحى والظهيرة ، مع الحرص على إذاعة الآذان في موعده مسبوقا بما تيسر من القرآن الكريم .

وكل ما سبق .. هي برامج معتادة طوال العام ، إلا أن رمضان يبدأ من الأسبوع الأخير من شهر شعبان السابق له ، حيث تتوالى علينا أصوات المطربين المرحبين برمضان ، مثل عبد العزيز محمود وهو يغني “مرحب شهر الصوم مرحب” ، والثلاثي المرح بأغنية “أهو جه يا ولاد” ، وتتصاعد أغاني الترحيب برمضان حتى مرور الأسابيع الثلاثة الأولى منه ، فتسمع محمد عبد المطلب وهو يغني “رمضان جانا وفرحنابه” ، ثم أشهر أغان رمضان بصوت أحمد عبد القادر “وحوي يا وحوي” ، وأهلا رمضان لمحمد فوزي ، وشهر الصيام لنجاة ، وافرحوا يا بنات للثلاثي المرح ، ثم تبدأ أغاني وداع رمضان في الأسبوع الأخير منه وأشهرها أغنية محمد رشدي “يا بركة رمضان خليكي” ، والأغنية الخالدة “والله لسة بدري والله يا شهر الصيام” .

ولا تزال ذكريات اليوم الرمضاني مرتبطة بتواشيح النقشبندي “مولاي يا مولاي ، إني باباك يا مولاي” ، وآذان المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت ، وفوازير الإذاعة بصوت آمال فهمي ومشاهير المذيعين والفنانين ، ثم المسلسل الرمضاني من بعدها ، ثم حلقة المسلسل التاريخي ألف ليلة وليلة ، وتختتم الليلة بـ “أحسن القصص” ، والذي يسبق إذاعة صلاة الفجر من مسجد الحسين أو السيدة زينب أو السيدة نفيسة ، فقد كانت أياما مختلفة ، يعتمد فيها الإنسان على أذنيه كمصدر رئيسي للمعلومة والمتعة ، وبالرغم من تخيل البعض أنها كانت فقيرة من حيث كم التكنولوجيا والمسليات التي نعرفها اليوم ، إلا أنها كانت أكثر سعادة ، ليس لأنها ذكريات وتحمل الحنين للماضي ، ولكنها حقيقة علمية .

وذلك أن اعتماد الإنسان على حاسة السمع ومشاركة الغير في التلقي ، ومشاركته مع غيره ، والتفاعل معهم ومناقشتهم ما يسمعونه ، مع الاستخدام المطلق لخيال المستمعين ، وهو ما يساعد كثيرا على تدفق هرمونات السعادة (السيروتونين – الأوكسيتوسين) ، بجانب هرمونات المتعة المعتادة (الدوبامين – الأندروفين) ، بخلاف عدم التعرض لكم التشتت الذهني والحسي الحادث حاليا ، نتيجة الفضائيات والمحمول والمنصات وتسارع الأخبار والحوادث ، وهو ما لا يعطي النفس الفرصة بالإحساس واستيعاب ما يدور حولها ، وبالتالي فقد الإنسان قدرته على بلوغ السعادة وتذوقها ، رغم الزيادة الكبيرة في وسائل الاستمتاع ، فالمتع مهما زادت بارتفاع مستويات التكنولوجيا ، لا تستطيع أبدا أن تحدث السعادة في النفس ، وتُعرّف السعادة في علم النفس على نطاق أوسع بأنها حالة من الرفاهية العاطفية والإشباع والطمأنينة التي يمر بها الشخص نتيجة التقييم الإيجابي لـ حياته وإنجازاته بشكل عام .

وذلك أن السعادة كما اكتشف العلماء حديثا لا تتدفق هرموناتها (السيروتونين – الأوكسيتوسين) في الجسم إلا بنجاح النفس في إسعاد غيرها ، وتأكدها من العطاء ومشاركة للغير ، والكد والتعب أو بذل ما هو غالي من أجل الآخرين ، بينما هرمونات المتعة (الأتدروفين – الدوبامين) تفرز كلما تحصل الإنسان على متعة يحبها كالطعام والشراب والشهوة والانطلاق والسفر ، وأعلى قيم السعادة تحدث فقط عندما تتحول المتعة لسعادة ، بأن يستمتع كل طرف وهو حريص على متعة غيره ، وهو تحديدا ما يحدث بين الأزواج المحبين في علاقاتهم الحميمية ، وكذلك تجد السعادة متدفقة في جسد الوالدين الكادحين على بيتهما وأولادهما مهما تعبوا وعانوا من المشقة ، وهو ما يمنح الأم المطحونة الحرص والقدرة على السعي على أبناءها وحيدة متحملة كل مشاق الحياة وهي قريرة العين ، وفي قمة السعادة لنجاحها في ذلك ، وبالتالي .. ولا عجب أن نكتشف أن الفقراء ومحدودي الدخل وقاطني الأحياء الشعبية والريف لديهم فرصا للسعادة أكبر بكثير من الأغنياء والمرفهين وقاطني العواصم والكمبوندات والفيلات وناطحات السحاب ، وكذلك من ينتمي للمجتمعات المغلقة مثل وحدات الجيش وفرق الأمن التي يتقارب فيها الإنسان من مجموعة حوله كالعائلة ، ويعتمد كل منهم على الآخرين في حركة حياته وعمله .

ولا شك أن رمضان هو شهر السعادة ، لأنك في رمضان أولا .. تؤكد لنفسك وتثبت لها أنك تستطيع الصيام ، وهو هدف رغم بساطته إلا أنه يرفع كثيرا من ثقة الإنسان في نفسه ، وهو ما يساهم كثيرا في الشعور بالسعادة والرضا ، خاصة لدى الشباب وصغار السن ، وثانيا .. أن الغالبية العظمى من المسلمين تكثر العطاء من الصدقات والزكاة في رمضان ، وهو ما يفجر في النفس سيولا من هرمونات السعادة ، ويغمر النفس شعورا بأنه قادرا على العطاء ، وقادرا أن يكون ذو فائدة ، ويستطيع فعل ما يفتح البيوت ويطعم المساكين ، أو يسد فاقة الفقراء ، أو يقضي حاجات الناس ويعالج مرضاهم ، أو يرحم فقراءهم ، ويعين ضعفائهم ، ولا شك أن لكل منا خصوصياته النفسية ، فبعضنا يسعده معاونة الناس لقضاء حاجاتهم ، وبعضنا يسعده صدقات من ماله ، وآخر صدقاته كلمات طيبة لا يملك سواها .

ولكن سامحوني لتحيزي الشديد للجنود وحماة الوطن وأمنه ، فهؤلاء يقدمون لنا وفينا أعلى درجات الصدقات ، فهم عيون باتت تحرس في سبيل الله في نهار وليال رمضان ، فهؤلاء لا يتصدقون علينا بالمال ولا فائض أرزاقهم ، ولكنهم يتصدقون علينا بحياتهم ، وأجمل سنوات عمرهم من أجل أن يحيا غيرهم من البشر في أمان وسلام ، ثم يأتي من بعدهم من ينقلون العلم ويعلمون غيرهم ، ثم الكادحين للإعمار من العمال والفلاحين في مصانعهم وحقولهم ، والأم الكادحة التي تربي وتطعم وترعى ، ولاشك أننا مختلفون وأن الله يرزق كل إنسان بواجباته ومهمته في الدنيا على قدر معطياته النفسية والشخصية التي خلقها الله فيه ، وهو ما يسمح لنا أن نقول مثلا .. ، أن لكل منا أكواده المختلفة في تفاعلاته النفسية مع حركة الحياة .

وذلك ببساطة ما يعطي للنفوس مظاهر ومعان الاختلاف ، فيمنح الحياة رونقا جميلا مبنيا على الاختلاف والتباين والتوافق والتزامن ، بل وأحيانا التضاد والصدام والشجار ثم التوافق واستكمال حركة الحياة ، فكل ما يحدث في حركة الحياة ليس إلا سيمفونية ربانية مقدسة تعزفها أوركسترا مخلوقات الله على أوتار الزمن ، لتردد أرق وأعذب وأشجى مقاطع السيمفونية الربانية في شهر النفحات الربانية “رمضان”، فتستمتع ثم تسعد وتطرب لها النفوس المؤمنة والنفوس التقية الشجية ، ويستمر أثرها وشذاها بل وشجاها لأسابيع وربما شهور طويلة بعد رمضان ، تحددها قدور اليقين والإيمان في النفوس ، فكل عام وكل البشر بكل الخير والصحة والسعادة ، وأعاد الله علينا جميعا أيامه باليمن والبركات …
جمال عمر