السعادة في رمضان (4) … بقلم : جمال عمر

السعادة هي مطلوب كل مخلوقات الله في الدنيا ، وفي مقدمتهم الإنسان “خليفة الله على أرضه” ، فالإنسان مخلوق ساع للسعادة في كل حركة حياته ، والسعادة الحقيقية سواءا كانت بالراحة أو المتعة لا تكتمل مطلقا إلا إذا سبقتها ومهد لها (الكبد) سواء كانت مشقة أو معاناة أو ألم (نفسي أو مادي) ، ولا عجب في هذا فكل ما ينعم به ابن آدم من صحة وقوة جسدية ونفسية لا يصل إليها إلا بتحمل مزيدا من الكبد ، وهو ما تقوله حتى الأمثلة الشعبية في كل ثقافات العالم ، حتى قال الإنجليز (No Pain No Gain) ، بل وأروع ما قيل في هذا ما ذكره الله في قوله تعالى .. {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }آل عمران92 ، وما أشد ألم إنفاق المرء مما يحب ، خاصة لو كان غير معتادا ولم يربه أبواه على هذا ، ولذلك نرى في رمضان على وجه الخصوص كثيرا من العجب وأساليب التحايل على الله من بعض ممن لم يعتادوا الإنفاق مما يحبون صغارا ، والله من ورائهم محيط .

ولا شك أن رمضان هو موسم البركات والطاعات أعاده الله على البشرية دوما بكل الخير والصحة والسعادة ، فرمضان ليس له خصوصية للمسلمين فقط كما يتخيل البعض ، بل يجب أن يعلم ويتذكر المسلمون جميعا أن رمضان جعله الله خيرا على كل البشر إلا من أبى (رفض) ، لأن المولى عز وجل يقول في رمضان .. {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .. }البقرة185 فقد جعله الله خيرا لعامة الناس مؤمنهم وكافرهم وصابئهم وملحدهم لعلهم يتقون ، ولذلك يجب ألا يظنن أي مسلم أن الله اصطفاه وميزه بالإسلام ، لأنه استحق هذا وغيره لا يستحق ، لسبب بسيط وذكره الله في كتابه أربعة مرات بقوله تعالى .. (لِيَبْلُوَكُمْ) ، مرتان بقوله تعالى .. (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم) ، ومرتان بقوله تعالى .. (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ، وفي كلتا الحالتين يؤكد سبحانه أن كل ما يمنحه الله لكل إنسان في الدنيا ، فهو فقط برغض الاختبار فيه ، بداية من الوالدين والنوع و الشكل والجسم والدين وانتهاءا بكل معطيات حياته ورزقه حتى يوم مماته ، فكل ما يعرفه ابن عن نفسه في حياته هي مجرد معطيات جاءته ليحاسبه الله عليها ، وما عمله فيها وبها ، ولا يعطي الله مطلقا شيئا لابن آدم في الدنيا ولا حتى ذرة واحدة لأنه يستحقها ، إلا شيئا واحدا وهو جزاء جبر الخواطر ، فهو ديون السعادة السريعة الرد من الله سبحانه وتعالى .

ومن حكمة ناموس الله في خلقه أن السعادة لا ينالها ابن آدم من السعي إلى المتعة والراحة ، بل من رحم الألم والمعاناة ، فأروع ما يمنحه الله للإنسان هو أن يهبه طفل جديد ، والذي لا يأتي إلا من أقصى درجات الألم والمعاناة .. (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ) ، وقوله تعالى .. (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) وهي قمة معاناة المرأة في حملها وولادتها ، لتذوق قمة سعادتها عندما ترى طفلها ، وكذلك كل مكسب في الحياة تزداد السعادة به كلما زادت قدور المعاناة للوصول إليه ، وهي فطرة خلق الله لناموس الحياة عامة وللإنسان على وجه الخصوص ، ولذلك يعظم الله أجور أفعال بعينها في الدنيا ، مثل جبر الخواطر لأنها تسعد قلوبا تعاني وتتألم وهي في أمس الحاجة لمن يشعر بها ويعينها في عثرتها أو معاناتها ، فأيسر الطرق للسعادة أن تعتاد جبر خواطر البشر حولك .

ولقد علمنا الله جبر الخواطر بضربه أمثلة رفيعة لجبره سبحانه لخواطر رسله وأنبياءه وعباده الصالحين ، فيقول سبحانه لخاتم رسله وأنبيائه في سورة الضحى .. {وَالضُّحَى ، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ، ثم يظهر سبحانه قمة جبره لخاطر نبيه وحبه ورعايته لرسوله بقوله تعالى .. {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا .. }الطور48 ، ثم يجبر خاطره بأعظم مما يقال في بشر بقوله تعالى .. {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }القلم4 ، كما قال من قبل في نوح عليه السلام .. {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ }الأنبياء76 ، وقال في يونس .. {.. فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ،  فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ }الأنبياء87 ، 88 ، وقال في أيوب عليه السلام .. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ }الأنبياء84 ، وقال في زكريا عليه السلام .. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }الأنبياء90 .

بل إن الله قد أعلن جبره لخاطر كل من دعاه وقال يا رب ، حتى ولو كان كافرا أو مشركا أو عاصيا لله وهو قوله تعالى .. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }البقرة186، ولا يقولن جاهل أن عباد الله هم المؤمنون به فقط ، لأن عباد الله هم من يؤدون مهمة العبودية التي خلقهم الله من أجلها بفطرتهم وهي إعمار الأرض ، ولذلك يطلق سبحانه لقب (عبادي) في الكافرين يوم القيامة .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، وهذا هو قمة إعجاز الله في خلقه ، أن ينفذ ابن آدم مراد الله من خلقه مجبرا بفطرته وشهوات نفسه ، حتى ولو كان كافرا ، فكل إنسان يولد يريد أن يحيا ويتزاوج ويعيش أفضل ممن سبقه ، وذلك هو إعمار الأرض ، ولذلك فمن يخالف الفطرة ويتعمد الإفساد في الأرض فقد أعلن الحرب على الله ، ويستحق الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة فيقول فيه سبحانه وتعالى في آية فريدة ووحيدة في كتابه العزيز .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، وهي عقوبة فريدة لم يفرضها الله في أي كبيرة حتى وإن كانت الكفر أو الشرك بالله .

ومما يعطي مصطلح (جبر الخواطر) جمالاً أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسني وهو “الجبار” ومعنى هذا الاسم الحقيقي الرائع يُطمئنُ القلبَ ويريحُ النفس ,ويخالف مفهومنا التلقائي المعتاد ، فهو سُبْحَانَهُ “الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، ويجبر المَرَضَ بِالصِحَّةِ، ويجبر الخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، ويجبر الخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ خواطر وحَوَائِجَ الخَلَائِقِ ، ولذلك لاشك أن جبر الخواطر يعد من أهم وأعظم مجلبات السعادة لنفس فاعلها أكثر من المجبور خاطره ، لأنها تطيب النفس وتسعدها وتثبت فيها نزعات الخير والرفق بعباد الله ،وتشعر نفس فاعلها بأن له قيمة وتأثيرا جيدا وجميلا في الحياة ، وهو ما يسعد النفس كثيرا ، كما أن جبر الخواطر تستوجب رضا الله عن فاعلها ، لأن كل خلق الله عياله ويحبهم جميعا مؤمنهم وكافرهم ، ولا علاقة لبشر بمعطيات الحياة لغيره من البشر ، فالله وحده هو المقدر وهو المحاسب لعباده على نواياهم وأفعالهم ، بل إن الله يحب من يجبر خواطر عباده ، ويجعل له دوما من كل عسر يسرا ، حتى قيل في الأثر ” من سار بين الناس جابرا للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر” .

ونظرا لعظمة قيمة (جبر الخواطر) عند الله ، فقد فرض الله زكاة الفطر لتكون جبراً لخواطر وقلوب الفقراء وإعزازاً لهم وإغناء لهم عن ذل السؤال في يوم العيد (كما قال رسول الله) ، والذي كان “صلى الله عليه وسلم” يجبر قلوب الضعفاء والمساكين ويستجيب لطلب أي إنسان مهما كان ، فكان الطفل أو الجارية أو الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِه فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ ، وقد كان جبرالخواطر والنفوس من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: “اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني” ، ,وبالتالي لا عجب إن الله قد سن رد الديون قانونا ربانيا في ناموس خلقه ، فقال رسوله “افعل ما شئت فكما تدين تدان ، فرد الديون من الله لعباده ليس فقط في الأعمال السيئة ، بل هو أولى عند الله في صالح الأعمال ، فمن جبر خاطر عباده في الدنيا ، جبر الله خاطره في الدنيا والآخرة ، وما أروع من جبر خواطر البشر في زمن الأزمات والمخاطر مثلما نمر به ، ولذلك ما أروع من إخراج زكاة الفطر مبكرا قدر المستطاع ، فزكاة الفطر شرعا يبدأ موعد إخراجها من أول يوم في رمضان ، ولا يصح إخراج الزكاة في زمننا هذا حبوبا ولا قمحا ولا تمرا ولا زبيبا تقليدا لزمن رسول الله ، لاختلاف الفائدة ، فالإسلام دين عقل وفهم ، والهدف هو أن تعم الفوائد على المسلمين من كل فعل وقول ، وإخراج الزكاة حبوبا في زمننا هذا يعد غباءا وتنطعا أحمقا لا يفعله إلا جاهل رافض للفهم والوعي ، لإنخفاض فائدتها بل وعدم جدواها مع معظم البشر في زماننا هذا ، وتقدر الزكاة بـ ثلاثون كحد أدنى عن كل نفس حية ، بداية من الجنين في بطن أمه ، ويدفعها كل راع لأسرة أو عائلة ، ولابد من إخراجها قبل صلاة العيد ، ويستحب أن تكون مبكرا قدر الإمكان بداية من أول يوم في رمضان .

أخيرا .. ليس أفضل من السعادة فعلا تدخله على نفوس عباد الله خاصة في أيام مباركات كرمضان المعظم ، ومن أراد أن يكرمه ربه ويسعد قلبه ويريح باله ويجبر خاطره ، فليجبر خواطر خلقه وعباده ، ولو بكلمة طيبة أو ابتسامة ، ولا يحقرن أحدا خيرا أبدا مهما صغر شأنه ، ولا يستعظمن خيرا مطلقا على عباد الله ، فمردود الله دوما أكبر وأعظم وأضعاف ما يفعله عباده ببعضهم البعض ، خاصة في أيام نفحات الله كالأعياد بعد شهر كريم عظيم كرمضان .. جعلنا الله فيه جميعا من عتقائه من النار وأسعد دنيانا وخواتيم أعمالنا وسترنا جميعا في الدنيا والآخرة ، خاصة من يراعي جبر الخواطر ، جبر الله خواطر كل خلقه وعباده ، ورزقهم سعادة الدنيا والآخرة …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *