الأبراج والفلك .. بين الحقيقة والضلال .. بقلم جمال عمر

لا شك أن كثير من البشر يعتقد بصدق التنبؤات الفلكية أو تنبؤات المنجمين السنوية ، وينتظرها وربما يبني عليها مخططاته المستقبلية كاملة ، خاصة بعض النساء اللاتي لا يجدن حرجا في الإيمان المطلق بالأبراج وحظوظها المتوقعة ، بل إن كثيرا من السياسيين ورجال الأعمال في العالم يثقون بشدة في توقعات الفلك المنتظرة ، بل إن بعضهم له مستشار خاص لحسابات الفلك وما يقوله الطالع ، ناهيك بالطبع عن تفشي هذا اليقين بين الفنانين والفنانات في مختلف بقاع الأرض على نطاق واسع ، ويبقى المواطن البسيط الذي قد يصدق وقد لا يصدق ولكنه يحرص أن يعرف ما يقوله الطالع ، رغم علمه أن تصديق المنجمين هو كفر بدين الله ، كما يقول خاتم المرسلين ، ولكنهم يدعون أنه على سبيل التسلية والعادة ، وهو ما يفرض علينا أن التعرض لهذا بموضوعية وحياد .

لا شك أيضا أن الله خالق كل شيء في كونه ، وأن كل شيء خلقه سبحانه يخضع لمنظومة متكاملة ومتبادلة التأثير ، بداية من الذرة والجزئ والخلية الأحادية ، ومرورا بخلق البشر إلى أكبر وأعقد خلقه في الكون تركيبا ، فلا شيء في خلق الله عشوائيا أو عبثيا ..  {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 ، ولا توجد فوضى في نظام الخلق كاملا .. {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ }الأنبياء16، فلا تتخيل مثلا أن تعطل سيارتك فجأة لا علاقة له بقطع أحد الأشخاص لورقة شجر في الصين ، أو حتى ابتسامة ولدك الصغير لك صباحا ليس لها علاقة باشتعال الحرائق بغابات استراليا ، أو حتى صراخك في وجه زوجتك لا علاقة له بحادث تحطم طائرة في نيوزيلندا ، على العكس تماما ، فكل ما في الكون منظومة مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا ، وتتبادل التأثيرات بدقة متناهية ، حتى وإن كان عقلك المحدود القدرات والاستيعاب لا يستطيع إدراك ذلك ، فكل ما في الكون مخلوق بحساب محكم ودقيق ، ومرتبط ببعضه ارتباطا شديد الدقة .. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر49 .

وبمنتهى البساطة .. قد تستطيع أن توقن أن السماء سوف تمطر لو غابت الشمس وتلبدت السماء بالغيوم والسحاب الأزرق أو الرمادي ، ثم سمعت صوت الرعد ورأيت البرق يخطف بصرك ، وتلك هي مقدمات ، تماما كما عودنا سبحانه أن لكل شيء مقدمات ، كما تستطيع التنبوء ببركان يقترب من الانفجار لو ارتفعت درجة حرارة التربة أو المياه في البرك والمستنقعات القريبة ، أو رأيت دخانا يتصاعد من الأرض ، وكذلك نستطيع التنبأ بالأعاصير والزلازل وغيرها من الظواهر الطبيعية ، لأنها منظومة دقيقة ، وهو ما مكن البشر من حسابات المناخ وتحديد الفصول وما يعتريها من تقلبات ونوات وكوارث طبيعية تضرب بعض المناطق على الأرض ، وذلك من دراسة تأثيرات الأشياء على بعضها في طبقات الأرض أو الجو المحيط بها .

وبالتالي بنفس الأسلوب والطريقة يمكن متابعة تأثيرات حركة الأجرام السماوية على الأرض ، وعلى سكانها وظواهرها الطبيعية ، وكذلك على تفاعلات وردود أفعال المخلوقات على الأرض من جراء حركة الأجرام السماوية ، فمثلا نعرف جيدا أن أخطر الأيام على صحة الإنسان هي أيام اكتمال القمر أو ما يسميها المسلمون بالأيام البيض في كل شهر قمري ، وهي ليالي اكتمال ظهور القمر ويتواجد في السماء طوال الليل (وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) وقيل أنه سُمِّيت بِيضا لابيضاضِها ليلًا بالقمر ونهارًا بالشّمس ، ففي تلك الأيام يكون المد في البحار والمحيطات في أعلى درجاته وقيمه ، وكذلك تكون حالة الفوران والمد في سوائل جسد الإنسان ، لدرجة أن كثيرا من الناس يتأثر بشدة في تلك الأيام ، ولذلك يقول علماء الطب الحديث أنه يفضل الصيام في هذه الأيام .

وليس هذا فقط ما يؤثر على الإنسان ، بل إن لكل جسد مخلوق على الأرض ، دورات صعود وهبوط شهرية ، وتلك التي اكتشفها اليابانيون ويتابعها كل أصحاب الجنس الأصفر ويتابعها الغرب الآن بدقة خاصة للعاملين في الوظائف الحساسة ، كأجهزة المخابرات والقوات الجوية للطيارين ورواد الفضاء ، فدورة الجسد 23 يوما والتي في قمتها تشعر أنك تستطيع أن تفعل أي مجهود بدني ، وفي قاعتها تخشي نزول السلم ، ودورة العقل 32 يوما وفي قمتها تشعر أن تستطيع حل أي مشكلة ، وفي قاعها تخشي التعرض لأي مشكلة تحتاج للتفكير ، ثم الدورة الثالثة والأهم والتي يعتبرها البعض محصلة للدورتين السابقتين ، وهي ما يسمونها بالدورة النفسية أو العاطفية ، هي دورة قمرية مدتها 28 يوما ، وتبدأ الدورات مع الإنسان منذ يوم مولده ، وتعيد ترتيبها مرات ومرات بالحوادث الكبرى مثل الإصابة بالأمراض الحادة ، أو التعرض للحوادث الكبيرة ، فتجد الإنسان في قمة دورته في غاية النشاط والقوة والذكاء والتقبل العاطفي ، وفي قاع الدورة يكون ضعيفا ومحبطا وفي قمة غباءه الاجتماعي والنفسي ، وتظهر الدورات بوضوح في أبسط صورها المعروفة في الدورة الشهرية للإناث ، وتستخدم الفرق الرياضية الصينية واليابانية حسابات هذه الدورات لكل لاعب بها ، لتحديد الأيام التي يمكن الحصول على أكبر نتائج من اللاعبين ، وتلك أحد أسرار تفوق اللاعبين والفرق الصينية واليابانية في الدورات الأوليمبية .

ولا ننكر أن بعض الناس تستطيع أن ترى في مزاجه الخاص ملامح ما سوف يحدث من حوله ، وهي قدرة متوفرة لكثير من الناس ، إن لم يكن جميعهم خاصة السيدات أصحاب الرؤى النفسية الراقية ، مثلما أحيانا تجد نفسك مهموما دون سبب ، ولا تعرف سببا محددا للإحباط الذي يعتريك ، ثم فجأة تسمع خبرا مؤسفا ، أو تتعرض لحادث مؤلم أو غير سار ، وتلك ما يسميه البعض بالحاسة السادسة ، وهذا كلاما تقريبيا ، فالحقيقة أن نفسك ترى دون عيون ما يقترب توقيت حدوثه وسوف يحدث بعد فترة ، وهو ببساطة إدراك للنفس لتتابعات منظومة حركة الحياة الدقيقة ، فالجسد البشري محدود بحدود المكان والزمان ، ولكن النفس (أصل الإنسان ولبه) لا يوقفها حدود المكان والزمان مطلقا ، والمشكلة الوحيدة هو اختلاط تخيلات ورؤى الرغبات والشهوات ووسوسة القرين مع حقائق تراها النفس ، خاصة لو كانت غير مقبولة من النفس ، ولا تتضح رؤى النفوس إلا بالتقدم في السن وازدياد الحكمة وارتفاع معدلات الاستغناء والاكتفاء في النفس البشرية .

ومن دقة منظومة الكون وتأثيرات الأجرام السماوية على المخلوقات في الأرض ، تعلم ابن آدم متابعة ارتباط مواقع الأجرام بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة للأرض ، ووجدوا علامات واضحة تربط ما بين الأحداث الجسام والخطيرة على الأرض وبين تواجد أجرام بعينها في مواقع محددة ، ومن هذا ظهر ت علوم الفلك والتنجيم ، ولكن المتبحرين في هذه العلوم يعلمون جيدا ، أنهم لا يملوكن الحقيقة مطلقا ، ولكنهم يرون ما هو متوقع بنسبة كبيرة ، فلا شيء مما يرونه مؤكد وقاطع ، بل إن بعضه يختلط عليهم زمنيا ومكانيا ، ولكنهم يعطون خطوطا عريضة بنسبة مقبولة لدى البعض ، فهم لا يرون إلا ما كتب الله لهم أن يرونه ، وما يرونه قد يكون ظلالا لأحداث مماثلة قد حدثت منذ قرون أو حتى حقب كبيرة مضت أو ما زالت بعيدة في حسابات المستقبل ، بل والأخطر أنها ربما تكون أحداثا لبعد زمني مختلف عن البعد الزمني الذي نحيا فيه على هذا الجزء من أرض الله ، والأبعاد الزمنية هي ببساطة ما تجعلك تستيقظ يوما وأنت واثق أن هناك حياة مماثلة في مكان وزمان آخر قد زرته خلال نومك ، ولكنك لا تستطيع مناقشته مع أحد .

أما عن الأبراج وطبائع البشر ومستقبلها ، فهذا خداع كبير يمارسه أصحابه ، فنعم هناك تأثير لتوقيت ميلاد الإنسان على طبائعه وسلوكياته وبالتالي مستقبله ، ولكن ليس فقط توقيت ميلاده هو المؤثر ، بل هناك سبعة عوامل أساسية تؤثر بشدة في طبائع البشر وسلوكيات ومستقبل البشر ، أولها .. ماضيه قبل أن يولد فهو لم يأتي من عدم ، ولا علم له به ، إلا أنك سوف تجده كبقايا نفسية واضحة في كل نفس متعلقة بماضيها ، ويكون واضحا في أصحاب العقد الغير مسببة ، مثل من يكره الماء أو ترعبه الأماكن المرتفعة بلا سبب ، أو من يكره الزواج بلا سبب ، وثانيها .. نوعه (ذكرا أو أنثى) حيث تفرض الهرمونات رغبات وشهوات وسلوكيات بعينها ، وثالثها .. الجينات الوراثية التي جاءت لجسده من والديه ، ورابعها .. معطياته الشخصية (نفسا وجسدا) ، وخامسها .. كيفية تربيته ونشأته ، وسادسها .. الظروف والأحداث المحيطة بحياته ، وسابعها .. توقيت ميلاده (وهو تابع لتوقيت تلقيح البويضة بواسطة الحيوان المنوي) ، ولذلك وبالرغم من صدق متابعة المنجمون لحركة الأجرام السماوية ، إلا أنه دوما هناك اختلافات جوهرية ما بين النفوس ويتحكم في ذلك نوايا النفس ، فلا تتفق نوايا البشر بتفاصيلها مع بعضهم البعض مطلقا ، فنوايا النفوس لا تبنى على العوامل فقط ، ولكن تحركها آلاف بل ملايين العوامل الخارجية والداخلية ، لدرجة أن نوايا البعض قد تتغير جذريا لو أحس بألم في أصبع قدمه أو صداعا في رأسه ، أو تذكر شيئا يخطف قلبه مثلا .

وذلك إعجاز الله في خلقه ، واستئثاره وحده بمقدرات خلقه في حياتهم من قبل ومن بعد ، فهو وحده من يستطيع خلق الأسباب وتجميعها حول عبده ، وهو وحده الذي يستطيع تغيير المعطيات حول الإنسان فيتغير قدر الإنسان بها ، ولا يقبل سبحانه تدخل عباده في قدره وما كتبه على خلقه ، ولذلك وبالرغم من صدق المنجمون في بعض ما يقولونه ، إلا أن ذلك لا يحدد مدى تأثيره الحقيقي على ابن آدم ، فقد يصيب الزلزال بيتا تسكنه ، فتتغير معالم حياتك بالكامل بعدها لأفضل وأروع مما كنت تحلم به ، لأنك لا تعلم الحقيقة كاملة عبر الزمان والمكان ، وبالتالي فلا يجوز التصديق بما يقولونه مطلقا ، وصدق رسول الله في قوله .. “كذب المنجمون ولو صدقوا” ، وصدق في قوله .. “من آتى منجما وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد” .

أخيرا .. خلق الله النفوس ومنحها أجسادا لتحيا بها على الدنيا ، وجعل لها مقدرات تتناسب مع المهمة العامة وهي إعمار الأرض ، ولكنه اختص كل نفس بمعطيات تتناسب مع المهمة الخاصة التي جاء للدنيا لتنفيذها ، فلم يخلق الله شيئا عبثا أو بلا هدف أو غرض محدد ، ولا طائل ولا عائد من معرفة الطالع وما تخبئه الأيام القادمة ، بل إنه من أروع متع الدنيا أن لا يعرف ابن آدم ما سوف يحدث غدا ، وقمة الذكاء في التعامل مع الدنيا أن لا تشغل به بالك (نفسك وعقلك) ، أولا لأنه متشعب ويشتت طاقة الإنسان ، وثانيا .. أنك لا تملك تغييره مهما فكرت ودبرت ، وثالثا .. أن محاولتك التدخل مذمومة ومحرمة من الخالق العظيم ، ورابعا وهو الأهم .. أن قدر الإنسان وما كتبه الله له أو عليه هو وثيق الارتباط بنواياه ، والتي بصلاحها .. يصلح الله له تبعات قدره وقضاءه له أو عليه ، وليس هذا تخيلا إيمانيا أو ادعاءا بلا دليل ، بل قد أصبح هذا علوما حديثة متكاملة ، فنواياك السيئة تجذب إليك طاقات سلبية كفيلة بتجميع سوء تأثيرات الأحداث عليك ، ونواياك الطيبة تجذب إليك طاقات إيجابية هائلة .

وختاما .. لا تنسى أن ابتسامتك الدائمة سوف تجمع حولك طاقات إيجابية تجنبك كثيرا من تأثيرات سوء الأحداث عليك وعلى من حولك ، وبالتالي نكتشف .. أن وصية خاتم المرسلين (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ليست دعوة كسب الحسنات أو للتعاطف ونشر الأخلاق فقط ، ولكنها تعليمات علمية دقيقة لتحسين تأثيرات أحداث الدنيا على البشر كما أنها ذكاء وسعي لكسب رضا الله برضا خلقه وعياله عند رؤيتك مبتسما ، خاصة وأنك محاسب على كل همسة وحركة وسكنة في حياتك ، فأولى بالإنسان أن يهتم بما سوف يحاسبه الله عليه ، وبما يستطيع أن يحيا به حياة طيبة ، ألا وهي إصلاح نواياه وتقويمها ، فلا يضمرن نية لا يقبل مثلها من غيره على نفسه ، ليس لأن غيره قد لا يستحق ، ولكن لأنه هو نفسه لا يتمنى لنفسه السوء الذي سيصيبه منه الكثير كما أضمره في نواياه ، والأهم أن لا يضيع ابن آدم وقته وجهده في محاولة معرفة ما كتبه الله له أو عليه ، لأن خالق البشر قد اختص نفسه سبحانه وحده بمعرفته وتقديره .. {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان34 ، وكفانا قوله تعالى .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ….

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *