ماذا تنتظر من الدنيا (2) …. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا بإيجاز تشتت الإنسان في زخم متاهة الحياة ، وما يعانيه من فقدان الاتجاه تدريجيا وتلاشي قدراته وإمكانياته على فهم ما يدور حوله كلما تقدم في السن ، وتستفحل حالة التشتت عندما تصيب مصاعب الحياة ومواقفها شخصية الإنسان بما نسميه (التخشب النفسي) ، كوسيلة دفاع نفسية تلقائية تضطره لاتخاذ مواقف متشددة من حركة الحياة ، خاصة وأنه قد فقد قدرته على الإجابة على الأسئلة التي تهاجمه من حين لآخر ، وعلى رأسها تساؤله الدائم ، ماذا يفعل ولماذا ؟؟ ، ولماذا جاء إلى الدنيا وما هو المطلوب منه ؟؟ ، وهل هناك قيمة لما يفعله أم هو قد جاء للدنيا وسيخرج منها بلا نتيجة ؟؟ ، وهل هو مجرد (رقما) من هوام العوام التي عاشت وماتت بلا هدف ؟؟ ، وما حقيقة ما اعتاد سماعه من رجال الدين والدعاة ؟؟ ، ومن يصدق ومن يتبع ؟؟ ، ومن نحن ؟؟ ، هل نحن مجرد أجساد حية تمتلك بعض الحواس والمشاعر والشهوات والرغبات ؟؟ ، أم نحن أكبر من كل ذلك ؟؟ ، وما هي حقيقة النفس البشرية ؟؟ ، وهل هي حقا حياتنا مجرد مرة واحدة على الأرض .. ولا تتكرر ؟؟ وأين نذهب بعد مفارقة الحياة ؟؟ وهل سنظل ساكنيني للقبور كما يدعون ، وماذا بعد ذلك وإلى أين ؟؟ ، وما الهدف من الحياة نفسها ؟؟ .

ولتكن البداية من الهدف من خلق الإنسان ، فابن آدم هو أحد أكرم مخلوقات الله على الأرض ، وجاء تكريمه بسبب جلال المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض ، فالإنسان خلقه الله من فئة العمار ، واالتي نعرف منها نوعين رئيسيين هما الإنس والجن ، وبني آدم تحديدا هم آخر سلالات الإنس ، والتي تدرجت في عملية الاستخلاف بأنواع متدرجة حتى وصلت للصورة الحالية لابن آدم ، والذي يمارس الآن دوره التاريخي والكوني في عملية الاستخلاف وتحديدا على سطح الأرض المنبسطة ، وذلك بمهمة إعمارها بالعلم والعمل والكد والكدح ، فلم يخلق ابن آدم عبثا أو لعبا ، ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون 115 ، وهنا نتوقف عند سبب خلق الله للإنسان في قوله تعالى .. ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذاريات 56 ، فما هي العبادة ؟؟؟ ، هل هي كما علمونا من قبل في كتب الفقه أن العبادات هي { الصلاة والزكاة والصيام وحج البيت وذكر الله} ، والتي أضافوا لها على استحياء بعضا ممن وجدوا أنهم مجبرين على ذكرها مثل العمل والسعي ؟؟ ، أم أن هناك تزويرا خطيرا أورثنا ضلالا وبهتانا كبيرا في معتقداتنا وما ظللنا عمرنا كله مؤمنين به ؟؟ .

لا شك .. أن العبادة كما أوضحها الله في كتابه العزيز ، هي تنفيذ الإنسان لمهمة عبوديته التي خلقه الله من أجلها ولكن بإرادته ، ليصبح عابدا (فاعلا) ، وجمعها (عباد) ، وليس (عبدا مسخرا) وجمعها (عبيد) ، فما هي المهمة التي خلقنا الله من أجلها ؟؟ ، هل هي آداء المناسك والتقرب إلى الله ، والله غني عن العالمين ؟؟ ، أم هي كما أضحها سبحانه مرارا فكتابه العزيز بآيات محكمات ولكننا تجاهلناها وصدقنا افتراء وبهتان البشر ، حيث تكرر بلاغ الله لنا بأن مهمتنا هي إعمار الأرض وأشهرها بقوله تعالى .. {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. } هود 61 ، فقوله تعالى (استعمركم فيها) معناها .. كلفكم بمهمة إعمارها ، بل وزورنا المفاهيم الأساسية لدين الله ، عندما تناسينا أن العبودية لله لها ركنان أساسيان ، الركن الأول هو (مهمة العبودية) وهي (إعمار الأرض) والتي خلقنا من أجلها والواجبة التنفيذ ، وتنفيذها هو العبادة الحقيقية ، والركن الثاني هو (مناسك العبودية) ، والتي فرضها الله للحفاظ على استقامة ابن آدم في تنفيذ العبادة (مهمة العبودية) ، ومناسك العبودية هي فروض { الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج – ذكر الله} ، وإقامتها تسمى شعائر .. ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الحج 32 ، وقد أوضح الله الهدف من كل منسك بآيات منفصلة ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وذكر الله ينهى ابن آدم أكبر من الصلاة .. { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } العنكبوت45 ، وسبب فرض الصيام (.. لعلكم تتقون) ، بمعنى أنك لو امتنعت بالصيام عن الحلال ، فلعلك تستحي أن تفعل الحرام ، أما الحج فهو إعلان الخضوع بالعبودية لله ، بل والتفرغ لها أياما معدودات، والزكاة والصدقات هي برهان الإيمان وإذعان لأمر الله ، فهذه المناسك ليست عبادات مطلقا ، ولكنها مناسك الخضوع والغرض منها تهذيب النفس والحفاظ على استقامتها في آداء المهمة (العبادة) .

وعجبا .. ينبهنا سبحانه لمفهوم العبادة بآية عجيبة يسمي فيها سبحانه الكفار به بلقب (عبادي) ، فيقول .. ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾  الفرقان17 ، ثم يؤيدها بقول عيسى بن مريم ردا على استفسار الله له .. { ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ، فيختم عيسى بن مريم رده بقوله .. ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المائدة118 ، فكيف الكافر والمشرك من عباد الله ، أو كيف تكون (العبادات) هي المناسك للمؤمن والمسلم ، ثم يسمي الله الكفار به (عبادي) ، إلا أن تكون العبادة شيئا آخر ، يفعله الجميع بغض النظر عن الدين والإيمان ، ثم نتوقف لنسأل .. إذا كان الإنسان الضعيف الفاني لا يقبل أن يصنع بيديه شيئا (جهازا أو معدة) من أجل مهمة محددة ، فينحرف الشيء ويؤدي مهمة مختلفة ، فكيف نقبل منطقيا على الله الخالق العظيم ، أن يخلق ابن آدم لمهمة الإيمان وآداء المناسك فقط (كما ندعي) ، ثم يترك الله للإنسان حرية الكفر والشرك به ، إلا لو كان (الإيمان وآداء المناسك) ليس هو المهمة ولا الهدف من الخلق ، ولذلك متروك لابن آدم ليحاسب عليه .

وبالتالي فلا شك أن .. مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وهي (العبادة الحقيقية) ، هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، خاصة لو تذكرنا أن إعمار الأرض قد جعله الله فطرة في نفوس كل البشر مهما اختلف دينهم وجنسهم ولغتهم ، فالكل يريد أن يحيا وينجب ويعيش أفضل ممن سبقوه ويطور وسائل حياته ، وذلك هو الإعمار للأرض ، ولذلك كانت حكمة الله في أرضه تقضي بأن .. (من يتقن إعمار الأرض حتى ولو كان كافرا يجعله الله سيدا عليها ، وعلى كل من لا يتقن إعمار الأرض ، حتى لو كان مؤمنا) ، لسبب بسيط ومنطقي وهو أن الله الخالق العظيم قد خلق الإنسان لمهمة الإعمار للأرض ، وبالتالي لن يترك سبحانه (المهمة) لتكون مرهونة برغبة الإنسان وأهواءه ، ولذلك جعلها فطرة في النفوس ، يفعلها كل إنسان ليحيا وبذلك ينطبق عليه لقب (عباد الله) مهما كان دينه واعتقاده ، ولأن إعمار الأرض هي العبادة وهي الهدف من خلق الإنسان ، فقد فرض سبحانه وتعالى أشد عقاب في الدنيا وأعظم عقاب في الآخرة ، على من يتعمد تحدي الله بالإفساد في الأرض وبعقوبات لم يفرضها على الكفرة والمشركين به ، بل واعتبر سبحانه الإفساد في الأرض إعلانا للحرب على الله ورسوله ، وذلك في قوله تعالى في آية الحرابة .. { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة33 .

فالعبادة بلا شك أو جدال هي إعمار الأرض ، بالعلم والعمل والكد والكدح .. { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ } الانشقاق 6 ، ويفعلها الكافر والمشرك والمؤمن لأن الله جعلها فطرة في نفوس بني آدم ، بخلاف مناسك الخضوع والاستقامة ، والتي لا يفعلها إلا المسلم والمؤمن ، والتي من المفروض أنها تضمن الحفاظ على استقامة الإنسان في حركة حياته لإعمار الأرض ، فإذا لم تؤتي المناسك ثمارها فكأنها لم تكن ، كما يوضح رسول الله في أحاديثه .. (لم تنهاه صلاته فلا صلاة له) ، (ورب صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش) ، ولكي يثبت سبحانه لنا أن العبادة الحقيقية هي إعمار الأرض ، فقد قدم الله عونه كاملا للبشر ، فأنزل في كتابه العزيز أكثر من 50% من آياته بما يزيد عن ثلاثة آلاف آية توضح الحدود وتضع أسس كل العلوم البحتة وعلوم الخلق ، لتعين الإنسان على إعمار الأرض ، وهو ما تجاهلناه قرونا طويلة ، بل ولم نأخذ من كتاب الله إلا بآيات الفروض والحدود والمعاملات والتي لا تتعدى 3% من آيات الكتاب ، وقلنا أنها الدين وهي ليست دينا مطلقا ، ولكنها مجرد فقه (فهم) للفروض والحدود والمعاملات .

ولا عجب أننا أغلقنا أبواب الفهم والتدبر لأكثر من 50% من آيات كتاب الله ، وقصرناها على مفاهيم علمائنا الأوائل ، والذين رحلوا عن الدنيا منذ قرون طويلة ، وبرغم أن الله لامنا على عدم استخدامنا لعقولنا أكثر من سبعين مرة في كتابه العزيز (أفلا يعقلون) ، (أفلا تعقلون) ، (أفلا يتفكرون) ، (أفلا يتدبرون) ، ولكننا أطعنا دعاة التجهيل والضلال ، ومن حولوا المسلمين لدراويش الغطرة والجلباب والسواك ، تنفيذا لمؤامرة متكاملة عبر قرون طويلة قادها اليهود الذين زوروا التوراة وزوروا الإنجيل ، وعندما فشلوا في تزوير كتاب الله الخاتم ، قرروا تزوير مفاهيمه كاملة ، ونجحوا في ذلك لأنهم لم ينطرقوا للكفر أو الشرك ، ولكنهم دسوا بين علماء المسلمين من تعمدوا تزوير مفاهيم الدين والعبادة والأرزاق ، ثم أغلقوا وراءهم أبواب الفهم والتدبر ، وأورثونا حتى يومنا هذا عقدة الخوف من تدبر القرآن واعتبار أي محاولة للفهم هي فسق وزندقة وهدما للدين ، وجندوا لها بالمصلحة رجالا وعلماء ومنابر وقوانين ، فما أيسر من اتهام أي فكر بازدراء الدين وهدمه .

ومن تزوير مفهوم العبادة تم تزوير كافة مفاهيم دين الله ، بداية من مفهوم الدين نفسه ، فالدين عند الله هو أسلوب الحياة ولا علاقة له بمناسك وفروض الخضوع والاستقامة مطلقا ، وهو ما أوضحه سبحانه بأمره أن نخلص له الدين أولا ، ثم بعدها نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة .. { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } البينة5 ، فالدين لغويا هو ديونك الواجبة الآداء لله في الدنيا ، فهو ما تدين به لله ، وبالتالي فدينك هو مجموعة المعتقدات والقيم النفسية التي تتحكم في تصرفاتك وسلوكك التلقائي  في حركة حياتك ، وتختلف من شخص لآخر ، فمثلا .. أنت تعتقد أن النساء خلقهم الله رحمة للبشر ، وغيرك يراهم شرا لابد منه ، وشخص يرى المتسول يستحق ولا يجوز نهره أو آذيته ، وآخر يرى أنه شر لابد من القضاء عليه ، وشخص يرى أن إكرام الضيف واجب أيا كان شخصه ، وآخر يرى أن هناك من يستحق الكرم وهناك من لا يستحق ، وكل هذه المفاهيم هي التي تشكل أسلوب تصرفات صاحبها تلقائيا في حركة حياته ، وذلك تحديدا هو الدين ، فإن كانت قيمك ومعتقداتك موافقة لما يأمر به الله ، فأنت على دين الله ، وكلما اجتهدت لتطابقها مع مراد الله كنت مخلصا الدين لله ، ولا علاقة لذلك بالمناسك والفروض ، إلا أن المناسك والفروض سوف تساعدك على إخضاع نفسك لمراد الله لو كنت صادق الخضوع لله فيها .

ومن تزوير مفهوم العبادة ، ومفهوم الدين توالت عمليات التزوير لباقي المفاهيم ، وعلى رأسها مفهوم الأرزاق وكفالة الله لها ، فابنرى بعض علماؤنا الكرام ليقول أن الأرزاق قسمين ، قسم يأتيك حتى لو لم تعمل ، وآخر لن يأتيك إلا بالسعي ، وحجته أنه يخشى قول الحقيقة فيتكاسل المسلمون ، وربما هم معذورون لعدم فهمهم لمعنى وسبب كفالة الله للرزق ، فالله كفل الرزق حتى لا تكون الأرزاق موضع تنافس وخلاف بين البشر ، فيقتل بعضهم بعضا من أجل التكالب على الأرزاق ، كما يفعل معظم البشر في حياتهم لجهلهم بحكمة كفالة الرزق ، فرزقك مكفول وسيأتيك على قدر ما قدره الله ولن تأخذ غيره ، سواء سعيت أو نمت في بيتك ، ولكنك لن تأخذ سوى ما قدره الله لك مهما فعلت ، وقد حسم الله ذلك مرارا بقوله تعالى .. { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } العنكبوت62 ، فكيف يقدره الله ويظن بشرا أنه سوف يستطيع أن يأخذ ما تشتهيه نفسه .

فالرزق محدد لكل إنسان من قبل مولده ، ولا حيلة في زيادته أو نقصه ، فالرزق يطارد صاحبه كما يطارده أجله ، ولكن كل إنسان مأمور بالسعي والكد والكدح في الأرض ، من أجل إتقان إعمار للأرض ، وهو ما سوف يحاسب عليه حسابا عسيرا ، وفائدة السعي الوحيدة والخطيرة هي البركة في الرزق ، فالبركة مرهونة بقدر إخلاصك في سعيك ، والرزق بلا بركة لعنة ويحوله الله عقابا شديدا وهما على صاحبه ، فلو نزع الله البركة من الرزق ، لتحول الرزق لوبال على صاحبه ، فما الفائدة أن يكون رزقك بالملايين ، ولكن الله أصابك بالهم والخوف والهلع والحزن ، أو جعلك الله مريضا لا تشفيك أموالك ، أو حرمك الله أن تتمتع بها ، كأن يرزقك بالبخل في نفسك فتجمع المال لغيرك من بعدك ، ولذلك يقول سبحانه .. { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } الأعراف 96 ، فالبركة تجعل فائدة القليل كبيرة المنفعة ، بل يجعل الله القليل مرضاة للنفوس وسعادة لها ، ونزع البركة من الرزق تحوله لأبواب للشقاء والتعاسة .

ومن تزوير مفهوم الأرزاق أيضا ، زورنا مفاهيم عطايا الله للإنسان ، فيقولون أن الزوجة رزق ، والآولاد رزق ، والمنصب رزق ، وهكذا خلطوا الحابل بالنابل ، فالعلماء الأوائل لم يفرقوا كثيرا بينهم ، وبالتالي لا يصح أن نكون على آثارهم مقتدون ، ولا يجوز تجاهل تقسيم الله لعطاياه لبني آدم ، فقد قسم الله عطاياه إلى رزق ، ، حسنة ، هبة ، منة ، ثم الهداية ، فمعطياتك الأولية التي تضمن بقائك حيا هي أرزاق ، ثم تأتي بعدها (الحسنة) وهي الزوجة (حسنة الدنيا) ، ثم (الهبات) وهم الأولاد وهم ليسوا من الأرزاق ، ولكنهم هبة من الله ، والهبة لا حق لك فيها ، ولكن الله يهبها لمن يشاء سبحانه فقط ، فإذا وهبها لك فأنت محاسب عليها حسابا شديدا .. { لله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ  } الشورى(49 : 50) ، ثم تأتي بعد ذلك نوع العطايا الأرقى وهي (المنة) والتي يسبقها سبحانه بقوله تعالى (يؤتي .. من يشاء) ، وقد قصرها سبحانه على الملك والحكمة ، { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } آل عمران26 ، { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } البقرة269 ، وكلما ارتقت عطايا الله كلما اشتد حسابه عليها .

ثم اختتم الله عطايا بالهداية والتي لم يجعل لها لقبا مثل باقي العطايا (رزق – حسنة – هبة – منة) ، لأنها أكبر وأروع ما يمنح الله بها من يستحق من عباده ، فقال سبحانه .. { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } النور35 ، وقد استثنى الله الهداية من سنن عطاياه ، فلا يمنح الهداية الحق دون صدق النوايا والهمم ، بل ربطها سبحانه بالجد والاجتهاد فقال فيها … { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } العنكبوت69 ، ولا ننسى أن نؤكد أنها معطيات الدنيا جميعا عدا الهداية ، لا علاقة لها بمن يستحق ومن لا يستحق ، لأنها معطيات للحساب عليها لقوله تعالى .. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } الأنعام165، وكلما زادت عطايا الله لأحد عباده ، كلما زاد واشتد حسابه .

وأخيرا … لم يتوقف تزوير المفاهيم عند مفهوم العبادة والدين والأرزق ، ولكنه توغل أكثر في حقائق خلق الإنسان ، ومصيره بعد الموت فاجتاحتنا الأساطير والضلالات ، وجعلناها ضلالات مقدسة ومن يحاول الفهم والتدبر ، فسوف يواجه تهما بالفسق والزندقة وهدم الدين ، والعجيب أن هناك إصرارا مستميتا على الحفاظ على سيطرة الجهل على المسلمين ، يتبعون الموروثات صما وبكما وعميا ، يسمعون ويطيعون ، لا يفهمون ولا يناقشون ولا يتدبرون ، بحجة أن العلماء هم فقط نقلة العلم المقدس الموروث ، ولذلك فشلوا في استقطاب الشباب وإقناع عقولهم ، وخطف بعضهم بعض الدعاة صناعة المخابرات البريطانية كعمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني وشحاتة وغيرهم ، واستسلم بعضهم لأفكار الانحراف والإلحاد ، واعتزل كثير منهم أي حديث عن الدين ، لأن الجميع افتقد ما يقنع عقولهم وقلوبهم بالمنطق والعقل رغم أن كتاب الله زاخر بحقائق العلم والمنطق ، وهو ما سوف نحاول استعراضه سويا .. لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *