ماذا تنتظر .. من الدنيا .. ؟؟ …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
21 مايو، 2023
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
606 زيارة

لا شك .. أننا جئنا الحياة لا نعلم شيئا ، ومن الميراث التاريخي تعلمنا ممن سبقونا وركبنا بحر الحياة ، وخطفتنا حلبات التنافس على الدنيا ، وألهتنا فتن الحصول على رغباتنا وشهواتنا من الحياة مثل غالبية من سبقونا ، ولكن يظل دوما هناك أسئلة حائرة تتردد في النفس ، لماذا .. وماذانريد وماذا ننتظر من الدنيا ؟؟ ، وكعادة الغالبية العظمى مضت عقودا طويلة ولا أملك إجابة نهائية وشافية على هذه الأسئلة ، فما تاقت نفسي إليه بالأمس قد تغير اليوم ، وما حصلت عليه اكتشفت أنه لا ضرورة له أو إنه لا يكفي ، وما لم احصل عليه سرعان ما أكتشفت أنه لم يكن يستحق أن اتوق إليه ، أو امنحه مساحة من تفكيري وحساباتي ، فكل الأشياء تتغير قيمتها ورونقها ، والحاجة إليها بمرور الزمن ، ولكننا في حينها وفي ظل شهواتنا لا نرى هذا المنظور مطلقا ، لأننا ببساطة مجرد بشر قد اختار أن يكتشف الحياة بالتجربة ، فكلنا قد يقبل ولكنه يتجاهل نصائح من سبقوه ، من منطق الحق في التجربة ، وحق التمتع بها والتعلم منها ، حتى وإن كان هذا يعد قصورا في العقل والفهم ، وابعد ما يكون عن الحكمة ، خاصة في مراحل الصبا والشباب ، حيث يكون الإنسان أشبه بسيارة سباق قوية المحرك وشديدة السرعة ولكن .. بدول (فرامل) ، والتي هي القيم والمبادئ التي تتحكم في جماح النفس .

ومن أبرز القيم التي تتضح مفاهيمها بالتجربة ، أن الهرولة خلف المتع لا تمنح السعادة مطلقا ـ بل على العكس تماما ، فقد تم مؤخرا اكتشاف أن السعادة والمتعة لا يلتقيان إلا بشرط وحيد ، وهو أن يكون الغرض من المتعة هو الإحساس بإمتاع الآخرين وإسعادهم ، أو جبر خواطرهم ، أو مساعدتهم في قضاء حوائجهم ، ولا شك أن اكتشاف ذلك مؤخرا قد أجاب على السؤال الأهم ، وهو لماذا كلما زاد ثراء ورفاهية الإنسان ازدادت تعاسته وبعده عن السعادة ؟؟ ، فأعلى معدلات الانتحار في العالم موجودة في دول تمتلك أعلى معدلات الدخل في العالم كاليابان والسويد والدانمارك وسويسرا وأمريكا ودول أوروبا الغربية ، ولا أنكر أنها كانت مفاجأة كبيرة ، عندما اكتشفت أن زيادة الرفاهية والمتعة هي أقصر الطرق للتعاسة والشقاء ، واكتشفت أن الإنسان يقترب من السعادة أكثر كلما كانت حياته أقرب إلى الكفاف ، فيعتمد الجميع على بعضهم البعض ، فيصبح التعاون والتقارب بين البشر أساس الحياة ، وهو ما يغذي النفس والجسد بهرمونات السعادة والرضا ، بل وتزداد سعادة الإنسان كلما زاد إحساسه بفائدته وأهميته لدى الآخرين ، وذلك هو الإحساس الوحيد الذي يفجر في الجسد هرمونات السعادة مثل (السيروتونين & الاوكسيتوسين) ، والتي تمنح النفس حالة من الرضا والثقة بالنفس والأمل في المستقبل ، بينما هرمونات المتعة مثل الأندروفين & الدوبامين) تعد من أخطر الهرمونات التي تسبب الإدمان والأنانية والخوف من الحرمان ، والذي ينتهي بالشقاء والإحباط واليأس .

وقد ساعدت الاكتشافات العلمية الحديثة مؤخرا على التفريق بين هرمونات السعادة وهرمونات المتعة ، وبذلك تم فك حالة الالتباس التي سببت كثيرا من الأخطاء في علم النفس والعلاج النفسي ، فلم تعد نصائح الأطباء للمرضى النفسيين باستخدام بعض المتع مجدية للتفريج عن النفس ، وأصبح البديل هو محاولة دمج المريض في المجتمع وتكليفه بخدمة غيره ، وهو العلاج الأمثل لحالات الاكتئاب والإحباط والقلق وكثير من الأمراض النفسية ، خاصة الناتجة عن الرفاهية وإدمان المتع المختلفة ، لاسيما للنفوس الغير سوية والتي اعتادت البحث عن مكاسبها فقط من أي تفاعل وتعامل مع الحياة ، ولذلك نجد كثيرا من أغنياء العالم يتفرغون للعمل الأهلي ومساعدة الفقراء والمحرومين والمرضى ، ويجدون في ذلك حالات من الرضا والسعادة التي لم يعتادوها من قبل ، وذلك تحديدا ما أمرنا به الخالق العظيم سبحانه وتعالى في رسالاته السماوية ، ثم أخبرنا بالسبب الفطري في النفس لهذه الحقيقة في آية بليغة وجميلة يقول فيها عن الإنسان .. (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) العاديات8 .

وبالتالي لم يعد هناك شكا في أن المجتمعات الفقيرة هي أكثر سعادة من المجتمعات الأكثر رفاهية وغنى ، وذلك لاعتماد أفراد المجتمعات الفقيرة والمغلقة على بعضهم البعض منذ الطفولة ، فالطفل في المجتمعات الفقيرة والريفية لا يعرف أنانية الممتلكات الشخصية ، ولا حتى كارثة تناوله الطعام بمفرده أو في طبقه الخاص ومكانه الخاص ، فطبق الطعام لابد فيه من شركاء ، والكل يتعلم بل ويحترف مراعاة غيره ، والحرص على حقوق ومنفعة واقتسام المنفعة مهما صغرت قيمتها ، وتلك بمنتهى البساطة هي أرقى معان الأخلاق الإنسانية ، ولو لم يتعود الطفل على مثل هذا السلوك منذ صغره خاصة في طعامه ، فلن يقبلها أو يعتادها كبيرا مهما حدث ، ونلاحظ ذلك جليا في الفارق بين طفل مرفه تربى وحيدا له غرفته وأشيائه الخاصة منذ صغره ، وبين طفل آخر تربى بين العديد من الأطفال ، يأكلون سويا ويلبسون سويا ، ويمارسون حياتهم بالتبادل والتفاعل سويا ، فنجد طفل الأخوة الكثيرة أكثر قدرة على النجاح والتفوق والتأقلم ، وأكثر مهارة في التفاعل مع حركة الحياة ، لأن نفسه سوية وقد اعتادت قبول غيرها ومراعاة الآخرين منذ نعومة الأظافر .

ولا شك .. أننا نلمس هذا جيدا في تربية ابنائنا ، فالطفل الأول سوف يرفض أخاه التالي له عند مولده ، لأنه سوف يسقطه من فوق عروش الاهتمام التي تملكها وحده قبله ، وبالتالي تصبح ردود أفعاله عنيفة وعصبية لفترة من الوقت حتى يعتاد ويقبل وجود أخ أو أخت له يشاركه الحياة ، فيكون ذلك أول درس عظيم في معنى الحياة وحكمتها ، وسوف تتكرر نفس المشاهد والتفاعلات مع كل طفل جديد ، ولذلك سوف نجد أن الطفل الذي تربى في أسرة عديدة الأطفال يشب معتدلا نفسيا وجسديا واجتماعيا ، وسوف تزداد قدراته وإمكانياته سريعا ، لأنه مطالب بأن يحفر لنفسه مكانة بين العديد من الإخوة ويتعايش ويتأقلم معهم ، بخلاف الطفل “توتو ننوس عين أمه” الوحيد المدلل صاحب الاهتمام الكامل من والديه خاصة أمه ، فهو يشب ضعيف القدرات فاقد الإمكانيات ، لأنه لم يجرب الاعتماد على نفسه ولم يحمله والديه مسئولية أي شيء ، وهو ما نراه الآن من (الماميز) وهن أمهات تحيا حياة أبناءها بكل تفاصيلها وتظن أنها تحسن التربية ، لدرجة معرفة مناهج الدراسة لأبناءها أكثر من الأبناء أنفسهم ، ظنا منها أنها تصنع لهم مستقبلا باهرا ، وهي في الحقيقة تدمر شخصيتهو قدراتهم ومستقبلهم .

والأخطر أن هذه الأمهات تتفرغ لتفاصيل حياة أبناءها ، وتحرص على تدبير كل شيء لابنها أو ابنتها وتوليهم قدور الاهتمام المزعجة التي نراها متفشية حاليا ، ولا تدري هذه الأم أنها في الحقيقة ترتكب جريمة متكاملة الأركان في حق طفلها ، لأنها تدمر قدراته على الوصول للسعادة يوما ما ، لأنها تصنع منه شخصا مدمن للمتع والرفاهية على حساب غيره ، فقد اعتاد أن يكون والديه أو أمه مرهونين لمستقبله ورغباته وأحلامه ، فيحفر في نفسه أنه يستحق كل ما يتمنى ، حتى لو كان هذا على جثة أي بشر غيره ، وتلك أحد بذور الإجرام التي نزرعها في نفوس أطفالنا باهتمامنا الزائد بمستقبلهم وما يريدونه وما يتمنونه ، والحرص على تحمل المشقة بدلا منهم ، بل وصل الحال بنا أن نجد الأمهات تتكفل بتوصيل أبناءها للمدارس والدروس الخصوصية يوميا ، وتنتظر خروجهم ، وهو ما يقنع الطفل والشاب أولا .. أنه محدود القدرات ويحتاج دوما للحماية والرعاية الخدمة ، ولابد من أحد ليفعل له ما يريده ، وثانيا .. أنه محور الحياة ورغباته وشهواته حق له على غيره بلا حدود ، وثالثا .. هو غير مطالب بتحمل المسئولية ما دام هناك غيره من يتحملها ، وأخيرا .. قناعته بأن مهمته في الحياة هي الحصول مطالبه ومتعه وشهواته .

ولا شك .. أن حركة الحياة دائما تصدم هذه النفوس بما لا تشتهي ولا تتوقع عاجلا أو آجلا ، وحينها سوف يعتاد على تكرار الفشل ، ومحاولات الهروب منه بالأكاذيب والخداع ، وإلقاء اللوم على أي شيء أو شخص غيره ، فهو لم يتعود على تحمل مسئولية نفسه وأخطائها ، ولذلك نواجه في السنوات الأخيرة تزايد خطير في حالات الطلاق والانفصال والمشاكل النفسية والأسرية بين الشباب ، لأنهم تربوا على أيدي أمهات جاهلات فاقدات للفهم والعلم والحكمة ، ومدفوعات فقط بعواطف ومشاعر الخوف على مستقبل فلذة كبدها ، فتدمره بمنتهى الحنان والحماقة ، لاسيما لو كانت أما وحيدة ، وقد دمرت حياتها الزوجية بنفس القدر من الجهل والحماقة ، في ظل الغرق في ثقافة الفضائيات والتواصل ، والتي تخضع لمؤامرات محبوكة لتدمير مستقبل الشعوب ، حيث تعاني منطقتنا العربية من تبعات مؤامرات متكاملة لتفكيك الأسر ، ببرامج فكرية ممنهجة بداية من فساد الإعلام والفن ومرورا بفساد التعليم وهدم القيم والتقاليد وتحطيم القدوة والرموز ونهاية بجروبات الماميز .

ولا شك أنه في زخم هذا الكم الهائل من ضوضاء الحياة ومشاغلها ، وسرعة المتغيرات الرهيبة ، لابد أن يفقد الإنسان قدرته على الوعي بما يدور حوله ، ونادرا ما سوف يسأل نفسه ، ماذا يفعل ولماذا ؟؟ ، ولماذا جاء إلى الدنيا وما هو المطلوب منه ؟؟ ، وهل هناك قيمة لما يفعله أم هو قد جاء للدنيا وسيخرج منها بلا نتيجة ؟؟ ، وهل هو مجرد (رقما) من هوام العوام التي عاشت وماتت بلا هدف ؟؟ ، وما حقيقة ما يلقنونه لنا رجال الدين والدعاة ؟؟ ، ومن نصدق ومن نتبع ؟؟ ، ومن نحن ؟؟ ، هل نحن مجرد أجساد حية تمتلك بعض الحواس والمشاعر والشهوات والرغبات ؟؟ ، أم نحن أكبر من كل ذلك ؟؟ ، وما هي حقيقة النفس البشرية ؟؟ … وما حقيقة الحياة ؟؟ وهل هي حقا مجرد مرة واحدة على الأرض .. ولا تتكرر ؟؟ وأين نذهب بعد مفارقة الحياة ؟؟ وماذا بعد ذلك وإلى أين ؟؟ …وغيرها .. آلاف من الأسئلة .. والتي لابد أن نتوقف عندها ولو مرة ، حتى لا تطاردنا المخاوف من الفشل وإهدار فرصة الحياة التي نحياها ، وهو ما سوف نستعرضه بالتفصيل لاحقا ..
جمال عمر