استعرضنا سابقا كيف يتسبب جهل النفوس في تشتيت الإنسان في الحياة ، يحيا حياة القطيع ، فيصبح أسمى أهدافه هو "المتعة" بتحقيق أكبر قدر من الرغبات والشهوات دون النظر لأي اعتبارات لأهداف أو حدود أو قيم قد تعوق ذلك ، فيفقد قدرته على الفهم وبالتالي سيطرته على حياته ، فإذا تكرر شعوره بهذا الفراغ والتشتت ، يحاول إسباغ القيمة على سفاهته وتفاهة حياته فيدعي قيما ومباديء مدمرة له ، لأنها أولا سوف تكون في نفس اتجاه تحصيل المتعة كالحرية وما يسميه كذبا بالإبداع ، حتى ولو بالعري والفواحش والشذوذ واغتصاب حقوق الغير باسم الشطارة والمهارة والاحتراف ، وثانيا لأن الهدف من ادعاءه هو علاج شعوره بالدونية وليس تنفيذا لمهمة وهدف له قيمة ، وترتفع مستويات جهل النفوس اجتماعيا وأدبيا وسياسيا فنراها واضحة في دولا وساسة تحترف هدم المجتمعات وتفكيك الدول تحت مسميات الديموقراطية والعدالة الاجتماعية ، وفي النهاية لا يشعر الإنسان الجاهل بالأمان ولا المصداقية ولا يترك خلفه إلا كل خراب ودمار .
ورأينا أن أبرز أسباب الجهل هو سوء استخدام الإنسان لهبات منحها الله له وعلى رأسها فطرة نفسه الفريدة للتميز والإبداع "الإتيان بالجديد" والتي منحه إياها ليعمر بها الأرض ، حيث يعد أسوأ استخدام للإنسان لفطرة "الإبداع" عندما يشوه حقائق نواميس الخالق في كونه بإضافة لمسته الشخصية على كل ما يعلمه الله إياه ، حتى طمس ابن آدم معظم نواميس الحياة وثوابتها التي قدرها مالك الملك في ملكه ، وأنزلها على رسله وأنبيائه ، فكانت النتيجة المباشرة هي تزوير الإنسان لنواميس خالقه ، وإمعانا في سوء استخدام الإنسان لهبة "الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد" ، أن الإنسان أساء استخدام نفسه فيما لم يخلق من أجله ، تماما مثلما تستخدم حذائك كوبا تشرب فيه وغطاءا لرأسك ثم تأكله عندما تجوع ، أو تقرر أن تستخدم سيارتك منزلا ، فتضيف لها ملحقات وأغراض لتصلح للإقامة ، وتكلفك أضعاف ما كنت تدفعه في بيتك ، حتى يصل بك الأمر أنك لا تستطيع أن تحركها من مكانها ، فتفقد استخدامها الأصلي ، كما أنها لا تصلح أصلا للاستخدام الذي فرضته عليها إلا بثمن باهظ وبشق الأنفس .
وهذا ما حدث تحديدا في ظاهرة المرأة العاملة ، والتي ظهرت في أوروبا كنتيجة مباشرة لمقتل ملايين الرجال في الحرب العالمية الثانية ، فظهرت حلول تشغيل النساء لنقص تعداد الرجال ، وبدأت معها دراسات جدوى لتشغيل النساء كدراسة اجتماعية دولية مشتركة بين ألمانيا وأمريكا واليابان على مدى أكثر 50 عاما ، وانتهت الدراسة في بداية الألفية بنتائج أهمها ، أن خروج المرأة للعمل كان سببا مباشرا في فساد التربية للأجيال ، وكان سببا رئيسيا في تدهور معدلات إفراز العلماء بين الأطفال من 3 في الألف إلى واحد في المليون ، وسببا رئيسيا في تفكك العلاقات الأسرية وانتشار الجرائم والأمراض النفسية والاجتماعية ، وهو ما اعتبروه تهديدا مباشرا لاستمرار الحضارة الإنسانية ، فأوصت الدراسة بأهمية عودة الزوجة والأم لإعمار بيتها ورعاية أسرتها وتربية أولادها كمهمة أهم وأسمى وأخطر من كونها امرأة عاملة خارج البيت ، فصدرت قوانين غربية وأمريكية تعطي المرأة الحق في أجازة تصل لعشرين عاما بمرتبها أو ثلاثة أرباعه تبعا للدولة إذا عادت لبيتها لتربي أولادها .
وعجبا للعرب والمسلمين … فبرغم أن تعاليم دينهم تفرض عليهم احترام المرأة وإكرامها وإحسان تربيتها لأنها سوف تربي الأجيال ، إلا أنهم تجاهلوا دينهم وأهانوا المرأة واحتقروها وأكلوا حقوقها ، وتفشت بينهم ثقافة استعباد الزوجة وقهرها وأكل حقوقها المالية ، فكانت النتيجة الحتمية هي انفجار ظاهرة تشغيل المرأة لانقاذها من مهانة الاحتقار والتخلف ، وذلك رغم أن تعاليم دينهم تفرض عليهم أن تكون المرأة ملكة متوجة في بيتها وسيدة عليه ولا تمتهن ولا تخرج للعمل إلا للضرورة ، ورغم أن ربهم قال لهن .. "وقرن في بيوتكن" ، ولكنهم مندفعون في مسار تشغيل المرأة بلا تدبر أو دراسة ، رغم أن واقع الحياة يؤكد أن البطالة بين الرجال تزيد عن ضعف النساء العاملات ، والنتيجة تزايد بطالة الرجال ، وتأخر سن الزواج وتفشي العنوسة ، فالعاطل لن يتزوج ، وانتشار العلاقات المحرمة والجرائم الاجتماعية ، ونتيجة لعمل المرأة انتشرت الحضانات وتفشت الأوبئة بين الأطفال ، وظهرت أجيال جديدة فاقدة لمعنى الأمان والاستقرار النفسي ، فانتشرت حالات الطلاق وقضايا الأسرة وفضائحها وتشريد وسوء تربية الأطفال ، وأصبحت صفحات التواصل الاجتماعي شاهدة على فشل تجارب عمل المرأة التي تراجع عنها الغرب الذي ابتدعها ، ولكننا ما زلنا مصرين على مخالفة العلم البحت وتجاهل أوامر الله المنزلة في دستور الحياة "القرآن العظيم" .
وكان امتهان المرأة والاستهانة بأخطر وظيفة لها كزوجة وأم ومربية ومحور حركة الحياة في البيوت ، أحد أهم وأخطر وأسوأ استخدام للإنسان لنفسه فيما لم يخلق له ، رغم كل ما يدعونه من محالاوت إثبات الذات وقدرة المرأة على العمل خارج البيوت ، وكأن الغباء قد تمكن من البشر ، فصور لهم أن العمل خارج البيوت أخطر وأهم من صناعة الأجيال التي لا يستطيع ألف رجل القيام بما تبدعه امرأة واحدة بفطرتها في رعاية بيت وتربية الأجيال ، ولم ترتدع البشر بكم السلبيات التي تتحملها نتيجة هذا الاتجاه بتشغيل المرأة خارج البيوت ، والذي تدفع الدول والبيوت والنساء والرجال ثمنه فادحا ماديا ونفسيا ومجتمعيا ، بل زادوا الطين بلة فعالجوا السلبيات بسلبيات أكثر خسارة ومرارة ، وما زلنا كبشر نعاند الله في ناموس خلقه وندفع الثمن فسادا ومعيشة ضنكا ، ويتناسى الجميع أن الزواج هو تكامل بين النفوس بالمودة "التي هي أسمى وأروع صور الحب والعشق والعشرة" ثم الرحمة ، فحولوا حياتهم لمسارات حياة القطيع وصراعات من أجل السيطرة والمتعة المادية .
بل ابسط من كل هذا .. ما نراه يوميا على صفحات التواصل الاجتماعي من جدال ومشاجرات فارغة لا هدف لها سوى إثبات كل أحمق وحمقاء لأنفسهم لذواتهم ، وأنهم يفهمون في كل شيء في محاولة لإثبات الوجود والأهمية والقيمة ، وعلى الجانب الآخر ترى اختصار البعض لهدف التميز واضحا في الاستمتاع بنشر صورتها وإبراز جمالها وأنوثتها أو رجولته ، وفي النهاية لم ولن يحقق الجميع شيئا سوى إرهاق النفس فيما لم يخلقوا له أو من أجله ، وكان أولى استخدام تكنولوجيات العصر فيما يفيد النفس والغير والاطلاع على مزيد من العلوم الهامة والمفيدة ، كما يفعل القليل منهم ، ولكنه ناموس الخالق في خلقه وقدره المكتوب بينهم ، بوجود المتناقضات كالأبيض والأسود ، والعاقل والمخبول وما بينهما ، والخير والشر ، والضعيف والقوي والعالم والجاهل والغني والفقير ، حتى تستمر حركة الحياة بين البشر ، ولكن يبقى أهمية أن يعرف كل إنسان الهدف الأسمى الذي خلقه الله من أجله ، ثم واجباته التي فرضها الله عليه بمعطيات حياته ، وأن يدرك أن رزقه مكفول كاملا ومن كل شيء ولن ينال غيره مهما فعل ، ولو انشغل بما عليه عمله وواجباته في الحياة ، لرزقه الله السعادة والرضا ، حتى لا يكتشف لحظة موته أنه فشل فيما كان مكلفا به ، خاصة وأن الموت لا يستأذن ولكن يأتيكم بغتة ، ولا مجال للعودة لإصلاح ما أفسدناه بالسير في القطيع وتقليد البشر ، وما من بشر يستطيع أو يرغب في تحمل تبعات غيره ، ولا سبيل لهذا .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
