استعرضنا سابقا كيفية سقوط الغالبية العظمى البشر في متاهة الحياة ، وكيف تطحنهم ، فلا يعرفون أين هم ولماذا وكيف ؟ ، ولا إلى أين هم ذاهبون ، أو ما هو المطلوب منهم ، ولا ماذا حققوا مما هم مكلفون به أو جاءوا للدنيا لعمله ، وتوقفنا عند أبرز الأسباب .. وهي جهلهم لحقيقة إجابة السؤال الأزلي .. لماذا جاءوا للدنيا ؟؟؟ ، وعلمنا أن تراكم الضلالات التي تم تقديسها كان من أهم أسباب طمس الهوية الإنسانية وفقدان الإنسان لمفاهيم حياته الأساسية ، وسقوط البشر في متاهات التشتت والعداء والتصفية الذاتية ، التي نجح إبليس في زرعها في نفوس البشر ، فأصبحوا أخطر على أنفسهم من أي عدو لهم ، فليس أسوا من خروجك من الدنيا وأنت لا تعلم لما جئت ، ولا ماذا حققت ؟؟ .
وعلمنا أن أهم أسلحة إبليس صاحب القسم الأشهر .. "فبعزتك لأغوينهم أجمعين" في تعمية البشر كان هو الجهل والتجهيل ، وطمس العلم واستبداله بالبهتان والضلالات المقدسة ، مستغلا شهوة الإنسان للتميز والإتيان بالجديد ، حتى طمست مفاهيم الخالق التي أنزلها في كتبه السابقة ، بل وتم استبدال كل كتبه بكتب مزورة لا أصل لها كالأناجيل المتعددة والتلمود ، أما القرآن .. فعندما فشل أبالسة الإنس والجن في تزوير آياته ، أغلقوا أبواب الفهم والتفكر والتدبر في آياته بحدود جعلوها مقدسة لا يقربها بشر ، فطمست كل علوم الخلق والعلوم البحتة والتي أنزلها الله في قرآنه العظيم لأكثر من ألف سنة ، رغم أنها تمثل نصف آيات القرآن تقريبا ، وإمعانا في الضلال أطلقوا أيادي وعقول المفكرين والعلماء في نوعين فقط من العلوم القرآنية وهما علم الفروض والحدود وعلم المعاملات والأخلاق وأسموهما العلم الشرعي "المقدس" ، وسجلوا كل ما قيل فيه من أراء ، حتى وجهات النظر الشاذة وأسموها تراثا ، حتى أصبح لدينا ملايين الكتب في هذا العلم الشرعي ، زاخرة بكل ألوان الاختلافات والتناقضات بل والهراءات التي صنعت الفرق والجماعات ، والتي نهى الله عنها واعتبرها شركا صريحا ، فسقط الكثيرون في الشرك وتباهوا به في صورة تفاخرهم بالانتماء للفرق والجماعات والتي قسمتهم وفرقت شملهم ورزعت العداء بينهم حتى أصبحوا الملة الوحيدة في العالم التي يكفر ويسفه ويقتل ويستبيح أصحابها دماء وأعراض وأموال بلدان بعضهم بعضا باسم الدين .
بل لم يتوقف البهتان والضلال عند حدود تقسيم المسلمين لفرق وجماعات ، بل سقط المسلمين في نفس ما سقط فيه من سبقهم من الأمم ، وهو التعصب والاعتقاد بأنهم فقط خاصة الله وأوليائه ، وأنهم أمة التوحيد وأصحاب الجنة ، بل ادعى بعضهم أن مفتاح الجنة هو قول "محمد رسول الله" ، وتجاهلوا ما كرره القرآن مرارا بأن كل خلق الله مسلمهم وكافرهم وملحدهم هم "عباد الله" ، أي يؤدون مهمة العبودية التي خلقهم الله من أجلها بفطرتهم ، لأنهم بالفطرة يعمرون الأرض وينجبون ويبنون ويطورون حياتهم ، بل وأوضح القرآن أن خلق الناس مختلفين ما بين المؤمن والملحد والصابيء ما هو إلا معطيات مؤقتة ، ليضرب الأمثال ويصلح النفوس بالنفوس ، بل أكثر من هذا حذرهم من التباهي والمعايرة بالكفر أو أيا من معطيات الحياة التي لم يختارها ابن آدم ، ووعدهم بأن يعيد من يفعل ذلك للدنيا بنفس المعطيات التي سخر منها وعير وسخر من غيره بها ، مهما صغرت أو رآها هينة ، بل شرح سبحانه شروط العودة للدنيا في جسد وحياة ومعطيات وبيئة مختلفة تتوقف على نتائج اختباراته في حياته الحالية ، وجعل النشأة القادمة مجهولة لا يعلمها سواه .. "وينشئكم فيما لا تعلمون" .. "وأن عليه النشأة الأخرى" .. "ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون" .. "فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين" .. "وهو يبدأ الخلق ثم يعيده" .
وكان من أفدح وأسوأ ما جاء في تراث العلماء الأقدمون عن الإنسان هو ما تخيله وابتدعه غيرهم من البشر عن خلق الإنسان وبدايته ونهايته ، فرأينا كيف خلطوا بين النفس "أصل الإنسان" وبين الروح والجسد وهما مجرد مطية لابن آدم في الدنيا رغم أنه القرآن شرح ذلك باستفاضة في ضعف عدد آيات العلوم الشرعية التي ألفوا فيها ملايين الكتب ، ومن تزوير مفاهيم الخلق تم تزوير مفاهيم العبادة وهي "أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها" ، وادعوا على الله كذبا وزورا وبهتانا بأنها في أداء فروض ومناسك الحفاظ على الاستقامة (الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج – ذكر الله) ، ومنها تم تزوير معنى الدين نفسه والذي أراد الله به "الأخلاق" والتي هي معتقدات وقناعات النفس البشرية التي تتحكم في أسلوب ممارسة حركة الحياة ، وزوروها لتكون فقط مناسك وشعائر ومظاهر للتقرب إلى الله ، فتزايد فساد أخلاق أخلاق البشر مع تزايد التزامهم بمظاهر التقرب إلى الله ، فكان لابد من ادعاء وتفشي أكذوبة وأساطير حياة القبور وجحيمها وعذابها ونعيمها ، لترهيب البشر لعلهم يرتدعون رغم أن القرآن لم يذكر حياة القبور مطلقا ولم يشر ولم يحذر من وجودها أبدا .
ومن تزوير مفاهيم الدين والعبادة استطاع إبليس أن يزور مفهوم الأرزاق في النفوس ، حتى رأينا العلماء في حيرتهم التاريخية ، هل يقولون للناس الحقيقة أن الأرزاق مكفولة ولا حيلة لبشر فيها ، حتى وإن لم يعمل ويكدح في الدنيا ، فيتكاسلون ويزداد تواكلهم ، أم يكذبون عليهم ويقولون "كما يقولون الآن” أن الأرزاق نوعان ، نوع يأتيك بلا سعي وآخر يأتيك بالسعي ، فاختاروا أن يكذبوا ويدعوا أكذوبة النوعان من الرزق ، رغم أن القرآن العظيم يؤكد أن كل رزق ابن آدم حتى عدد أنفاسه معدودة ومقدرة ولن يأخذ سواها مهما فعل ، لأننا خلقنا فقط لنسعى على إعمار الدنيا ولم يكلفنا الله بالسعي على الأرزاق ، فالرزق سيأتيك حتى ولو لم تسعى ، ولكن احذر أن تتكاسل فتخسر رضا الله ، فينزع البركة من رزقك ، فتفقد متعته والرضا به فلا يرضيك شيئا ولا تقر عينك بشيء ، بل يرزقك السخط في رزقك فتشقى به ، ويكون سبب تعاستك في حياتك كلما زاد قدره ، ولذلك لابد لك أن تتقي سخط الله وغضبه .. وهو قوله تعالى .. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96 ، فحقيقة لا تغيير ولا زيادة في الأرزاق المقدرة سلفا من قبل قدوم الإنسان للدنيا وهو ما قرره الله تسعة مرات في قرآنه العزيز أشهرها قوله تعالى .. {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }العنكبوت62 .
ونتوقف قليلا عند كلمة يعقب الله بها مرارا على قوله تعالى "يبسط الرزق" وهو قوله تعالى .. "ويقدر " .. أو .. "يقدر له" ، فالله يقدر إي يحدد الرزق على قدر ما يصلح به النفوس باختلاف طبائعها ودواخلها وما تخفيه وهو سبحانه أعلم بها فهو خالقها ، بل إن قوله تعالى يقدر له تقرر أن الله عادل في توزيعه وتقديره للأرزاق ، فما يمنح الله نوعا من الرزق لمخلوق إلا ويحرمه من قرينه ، فكثرة المال لا يمنح الله معها راحة البال مطلقا ، وكثرة العيال لا يمنح الله معها السكينة وهدوء النفس ، والجاه والسلطة لا يمنح الله معها السكينة بل يحمل معها مسئوليات ، والصحة لا يمنح الله معها الراحة مطلقا ، بل ويحمل الله ابن آدم مع كل نوع من الرزق زكاته وصدقته ، فإن لم يؤديها صاحبها حرمه الله الاستمتاع به ، ولا عجب أن نعلم أن الأرزاق في الدنيا لا علاقة لها بالاستحقاق أو حب الله ، فكل الأرزاق هي اختبارات لابن آدم ، فهل يؤدي حقها ؟؟ أم يصور له شيطانه وعقله القاصر أنه حقه وهو المتصرف فيه كيف يشاء بلا حساب ؟؟ ، كما يوضح سبحانه أن كل معطيات ابن آدم في الدنيا هو محاسب عليها حتى وقت فراغه ، وظنونه وتخيلاته وأحلام يقظته ، وهو مصداقا لقوله تعالى .. {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 ، وحذر الله الحمقى الأغبياء الذين يظنون أنهم يسبقون عقاب الله بفعلهم السيئات في أرزاقهم بقوله تعالى .. {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ }العنكبوت4 ، بل حذر المتنطعون في أرزاقهم .. {لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }إبراهيم51 ، وقوله تعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، فكل نفس مرهونة بما كسبت وما فعلته فيما كسبته .
ولا عجب أن يتم تزوير مفهوم الأمانة التي تحملها بني آدم في قوله تعالى .. {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 ، رغم أن الله شرح معنى تحمل السماوات والأرض للأمانة في آية أخرى ضرب بها المثل ليفهم بني آدم معنى الأمانة ، ولكننا تجاهلنا قوله تعالى .. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }فصلت11 ، فقبل خلق الإنسان وفي خلال عملية خلق السماوات والأرض ، خيرهما الله بين أن "يأتيا" بمعنى أن يؤديا مهمتهم التي خلقهم من أجلها طوعا أو كرها ، بمعنى أن يمنحهم الله القدرة على الاختيار في أداء المهمة فيكرهوا نفوسهم على أداءها "كرها" ، أم "يأتوا" طائعين لا إرادة لهم ولا اختيار في أداءه المهمة ، فاختاروا "طائعين" لا اختيار لهم" ، وتلك هي "الأمانة" أن يأتمنك الله على اختيارك ، فيكون لك القدرة على الاختيار في أن تفعل أو لا تفعل ، وهي التي عرضها سبحانه وتعالى على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن على نفوسهم من ثقلها ، ولكن الإنسان قبل ورضي أن يتحملها وهو جاهل بقدرته على أداءها ، ظالما لنفسه بتحميلها هذه الأمانة ، وما أكثر ما اختلف علماؤنا الأفاضل في نوع الأمانة وقالوا هي العقل أو هي المناسك والشعائر وقال آخرون هي الضمير أو النفس اللوامة أو الأرزاق ، وما كان أيا من تفاسيرهم مقنعة أو متوافقة مع كتاب الله ، الذي يؤكد دوما أن "إرادة الاختيار" هي أحد أهم ما منح الله ابن آدم وهي سبب استحقاقه للحساب ، لأنها الأمانة التي استودعها الله في كل نفس ليحاسبه عليها في كل حركة أو سكنه أو حتى همسة أو ظنا أو خيالا لقوله تعالى .. {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة284.
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
