في زخم استعراضنا لأسباب سقوط الغالبية العظمى البشر في متاهة الحياة ، والتي تطحنهم ، فلا يعرفون أين هم ولماذا وكيف ؟ ، ولا إلى أين هم ذاهبون ، أو ما هو المطلوب منهم ، ولا ماذا حققوا مما هم مكلفون به أو جاءوا للدنيا لعمله ، وصلنا إلى أبرز الأسباب وهي جهلهم لحقيقة إجابة السؤال الأزلي .. لماذا جاءوا للدنيا ؟؟؟ ، خاصة عندما تكثر وتتصارع الأراء والثقافات ، فلا وقت لدى للبشر للتوقف والبحث عن الحقائق ، وتوقفنا عند حقائق خلق الله للنفس البشرية ، ورحلة حياة كل نفس بداية من نشأتها الأولى في جسد بشري ، ثم مغادرتها عند انتهاء أجلها المسمى ، ثم إعادة إنشائها مرة أخرى في جسد بشري آخر بمعطيات مختلفة تتقوف طبيعتها على مدى نجاحها في نشأتها السابقة ، في عملية مكررة بشروط وحدود وضعها الخالق العظيم حتى يوم القيامة ، وهو ما وضحه سبخانه تفصيلا في ثلاثمائة وثلاثة عشرة آية في القرآن العظيم .
وعلمنا من آيات الله أنه لا صحة مطلقا لضلالات حياة القبور ونعيم وعذاب القبر ، فلا علاقة للنفس بالجسد البالي والمتحلل إلى أصله الترابي لمغادرة الروح (سر إحياء الجماد) له ، ولا علاقة للنفس (أصل الإنسان) بالروح مطلقا ، إلا أن الروح تحيي له الجسد الذي يمتطيه في رحلته خلال أجله المسمى ، كما استعرضنا أهم أسباب سقوط ابن آدم في ضلالاته المقدسة وتزويره للمفاهيم رغم وجود القرآن بين يديه ، ولكنه لا يفهم ولا يتدبر ولا يعقل ما يقرأه ، طاعة منه للمضللين الأوائل الذين أقنعوه أنه أغبى من أن يفهم آيات الله ، وتصديقه الأحمق بأن محاولته الفهم تعتبر فسق وزندقة وهدما للدين ، وما زال هناك من يدعي هذا ويعتبر أي مخالفة لهراءات وقصور فهم الأولين هدما للدين ، فصدق فيهم جميعا قول الله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، رغم أننا اليوم نقرأ ونسمع القرآن أكثر من عهد رسول الله مئات بل آلاف المرات .
وراينا كيف سقط المسلمون في مستنقع التعصب الديني الذي سقط فيه كل من كان قبلهم ، ورغم حقيقة أن أي إنسان لم يكن له الخيار في أيا من معطيات حياته بداية من والديه ويوم مولده ونوعه وشكله ونهاية بيوم وفاته ، إلا أن المسلمين كرروا ادعاءات المضللين من قبلهم ، بأنهم خاصة الله وأولياؤه وأحبابه وأصحاب الجنة وغيرهم في النار ، رغم أن الله حذرهم من هذا ، وكرر لهم أسباب خلقهم مختلفين في كل شيء بقوله تعالى .. "ليبلوكم فيما آتاكم" .. أو قوله تعالى .. "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" ، وذلك لأنهم جهلوا ولم يفهموا من القرآن حقيقة أنها معطيات ليحاسب عليها ، وأنهم سوف يعودون للدنيا في نشآت أخرى مماثلة ، وربما في بيئة مشركة أو ملحدة أو يهودية ، وهذا ليس بأيديهم ولكنه كنتيجة مباشرة لما فعلوه في النشأة السابقة ، ولذلك كان من قمة الغباء والحمق الناتج عن الجهل أن يعتبر بعض البشر أن ولادتهم كمسلمين أو يهود أو مسيحيين هو عن استحقاق وجدارة ، وليس كمعطيات هم محاسبون عليها ، وتمادوا في غيهم وضلالاهم ، فانقسموا أصحاب كل ملة إلى أكثر من سبعين فرقة تعادي وتكفر بل وتقتل بعضها بعضا باسم الدين ، والدين منهم براء .
ورأينا كيف جهل البشر حقيقة أننا كنفوس من الطبيعي جدا أن نعود للدنيا مرات ومرات ، لنستكمل اختباراتنا المتعددة الأشكال والأنواع ، ليرى الله كيف حالك وأنت مسلم وكذلك وأنت ملحد أو يهودي أو فقير أو غني أو جاهل أو متعلم أو حتى رجلا أو إمرأة ، فليس من ولد على معطيات مثل الدين أو الملة .. هو يستحقها ، وأنها هي الملة الحق وغيرها هو ضلال وزور وبهتان ، بل إن النفس تعود للدنيا في كل مرة بمعطيات حياة مختلفة تمثل أسئلة الاختبار الجديدة ، وكل حياة منها تضيف ورقة في كتاب حساب كل نفس ، وهو كتابه الذي سيقرأه يوم الحساب بنفسه لقوله تعالى .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، وكل حياة لها ميزانا واحدا خيرا أو شرا يضاف لحصيلة موازينه في الآخرة ، وهو قوله تعالى .. {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ }الأعراف8 ، 9 ، كما جهل ابن آدم أنه يستطيع لو أخلص النوايا وقدر له أن يموت شهيدا مثلا ، لكانت نشأته هذه المرة هي آخر المرات ، ولا اختبار بعدها مرة أخرى .
ولابد أن نتوقف قليلا عند خلق الله لبني آدم ، وهم آخر سلالات الإنس على الأرض ، فمن آيات القرآن نكتشف أن الله خلق نوعين من الخلق وجعلهم من فئة واحدة لها مهمة واحدة وجليلة في كون الله ، وهي فئة العمار ، ومهمتهم هي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، وهما الإنس والجن ، فالإنس أجسادهم من الطين (تراب + ماء) ، والجن أجسادهم من نار ، وينتقي الله من كل فئات خلقه من يرتقي منهم في أداء مهمته فيجعلهم الله ملائكة مقربين ، وهو ما نراه في قوله تعالى .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ، فالملائكة اعتادوا رؤية المستخلفين على الأرض يفسدون ويسفكون الدماء ، وقد كرم الله بني آدم لجلال مهمتهم بإعمار الأرض ، فأمر الملائكة أن يسجدوا له ليس لجلال خلقه ولكن لجلال المهمة ، وهو ما لم يفهمه إبليس الذي رغم كونه من الجن ولكنه كان من الملائكة وذلك قبل كفره بقيومية الله بعصيانه أمر السجود .. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً }الكهف50 ، فكان أمر السجود إجلالا لمهمة إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، ثم أمر الله ملائكته بعد السجود لآدم أن يستغفروا لذريته ويدعون لهم ويحفظونهم عونا لهم على أداء مهمتهم .
فكانت مهمة العبودية التي خلق الله من أجلها بني آدم .. هي إعمار الأرض كخليفة لله عليها وتلك هي "العبادة الحقيقية" ، ولذلك كان ناموس الكون الأبدي ، أن من يتقن إعمار الأرض يجعله الله سيدا عليها ، حتى وإن ولد كافرا أو ملحدا ، فتلك قضية مستدركة لكل نفس في نشآت متكررة تالية ، فمن ولد ملحدا سيولد مؤمنا يوما ما ، ومن يعاير يهوديا بدينه فسوف يولد يهوديا في مرة قادمة ، لأنها معطيات دنيا هو محاسب عليها على قدر ما أوتي منها ، ولذلك فمن قمة إعجاز الله في خلقه أن كل إنسان بفطرته يريد أن يعمر الدنيا أفضل من غيره ويريد أن يتزواج وينجب ويبني ويطور حياته / فالإنسان مفطور على الرغبة في إعمار الأرض ، ولذلك اعتبر المولى سبحانه تعمد الإفساد في الأرض هو إعلان للحرب على الله ورسوله ، وبل جعل له العقوبة الوحيدة التي شددها الله في الدنيا والآخرة ولم يجعل لها مثيلا ولا شبيها في أي جريمة أو معصية ولا حتى الكفر بالله أو ترك الصلاة ، وهو ما وضحه سبحانه وتعالى فيما يسمونها آية الحرابة بقوله تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، ويبدأ الإفساد في الأرض من إلقاء ورقة في الطريق العام أو إفساد نفوس الناس بكلمة سيئة ، وتتدرج حتى تصل لأفعال كلاب النار خوارج الزمان ومن يقتلون الناس ويخربون بلادهم باسم الدين وهو منهم براء .
وعجبا لم أجد أحد من المفسرين من يبرر لماذا يخاطب الله الكفرة والمشركين من خلقه بقوله "عبادي" ، رغم أن لفظ "العباد" لا يطلق إلا على من يؤدون مهمة العبودية بإرادتهم فيكونون "عباد لله" ، فيقول سبحانه وتعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام في رده على ربه بشأن الكفرة المشركين الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله .. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }المائدة118 ، بل ويقول سبحانه وتعالى فيمن يختار الضلال .. {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام88 ، والسبب واضح وبسيط وهو أن العبادة الحقيقية وهي أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها هي فقط إعمار الأرض بالعلم والعمل وهو ما يفعله كل إنسان مؤمن أو كافر أو ملحد بفطرته ، فكلهم ما داموا يعمرون الأرض فهم عباده ، ولذلك سوف نجد أن نصف آيات القرآن تقريبا هي آيات علوم بحتة وعلوم خلق ليستخدمها ابن آدم في إعمار الأرض ، ولذلك كانت أكبر ضلالات المسلمين التي سقطوا فيها هي ادعاءهم كذبا وزورا أن العبادات هي في أداء الفروض ومناسك الاستقامة (الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج – ذكر الله) ، فأصبحوا دروايش لا قيمة لهم ، فهانوا على الله بتزويرهم وضلالاهم ، فأهانهم في الدنيا .
ولو أن المسلمين استخدموا عقولهم وفهموا آيات القرآن بين أيديهم ما صدق فيهم قوله تعالى .. {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الجمعة5 ، فأبرز ما في التوراة هو الفرقان لقوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ }الأنبياء48 ….. والفرقان هو أيضا من أهم ما أنزله الله في القرآن العظيم على خاتم رسله .. لقوله تعالى .. {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1 ، فالفرقان أنزله الله على موسى بأحكام وحدود ثم أعاد سبحانه وتعالى إنزاله مرة أخرى معدلا ومنقحا بأن نسخ منه آيات وأحكام ، ليعيد تجديد حدوده للبشر ، وهو تفسير قوله تعالى .. {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106 ، فسبحانه نسخ بالفرقان على خاتم رسله بعض أحكام الفرقان التي أنزلت على موسى ، ولذلك فلا ناسخ ولا منسوخ في الكتاب الخاتم والقرآن العظيم ، فالنسخ كان بما أنزل فيه لما كان قد أنزل من قبل على موسى عليه السلام ، لأن دين الله الواحد الأحد لا تبديل له ولاتغيير فيه ، وما فعل المسلمون سوى أنهم قلدوا اليهود ، فأهملوا القرآن ومفاهيمه ، واكتفوا بأنهم كلما اكتشف العلم حقيقة كونية أو علمية أن يصرخوا ويعلنوا أن لديهم آيات تقول بهذا منذ اربعة عشرة قرنا وهم عنها متغافلون طاعة لإبليس الذي أقسم ليغوي البشر ويحرص على طمس علوم القرآن ، حفاظا على تخلف البشرية وفشلها ، مستخدما الأغبياء والحمقى من كل البشر وعلى رأسهم من أغلقوا العقول واكتفوا بفهم الأقدمين ، فضيعوا الدين وأفسدوا مفاهيمه وطمسوا علوم الله وحولوا الدين لمناسك وشعائر عبر قرون طويلة مضت .
ولا نستطيع أن ننكر أن تراث علماء المسلمين الأولين هو تراث له قيمته الكبرى في محاولات الفهم والتدبر فيما يوازي نصف آيات القرآن والتي تمثل ستة من علوم القرآن العظيم ، وهي علم التوحيد والعقيدة ، وعلم الفروض والحدود ، و علم المعاملات والأخلاق ، وعلم الترهيب والترغيب ، وعلم القصص القرآني ، وعلم الغيب والحكمة ، ولكنهم ارتكبوا أخطاءا جسيمة في علوم المفروض والحدود والمعاملات والأخلاق والغيب والحكمة ، بإدخال ضلالات موروثة من ملل يبقتهم كاليهوديات ، وأكاذيب مقدسة مثل حياة القبور ، وكانت أكبر أخطاءهم القاتلة هو إهمال ما يقارب نصف آيات القرآن وهي آيات الخلق والعلوم البحتة التي اعتبروها متشابهات ، ففتحت عليهم أبواب الضلال والأساطير البشرية فامتلأ الدين بالضلالات المقدسة ، والتي يصر البعض على قدسيتها ، وعدم الاقتراب منها ، وهو ما أفقد رجال الدين مصداقيتهم وهيبتهم تماما مثلما حدث لرجال الكنيسة في العصور الوسطى ، والتغيير والتصحيح قادم لا محالة رغم أنف كل البشر ، { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر

