توقفنا سابقا عند متاهة الحياة التي يسقط فيها الغالبية العظمى البشر ، فتطحنهم ، فلا يعرفون أين هم ولماذا وكيف ؟ ، ولا إلى أين هم ذاهبون ، أو ما هو المطلوب منهم ، ولا ماذا حققوا مما هم مكلفون به أو جاءوا للدنيا لعمله ، وكيف يعرفون هذا وهم لا يعرفون حقيقة إجابة السؤال الأزلي .. لماذا جاءوا للدنيا ؟؟؟ ، خاصة عندما تتضارب الأراء والفكر والثقافات ، ولا وقت لدى للبشر للبحث الجاد أو القراءة والفهم والتدبر ، في ظل تزايد وتسارع متطلبات الحياة ، رغم توافر الشعور الفطري لدى كل إنسان أنه جاء للدنيا لهدف ، وأنه مميز وله خصوصية في نفسه عن غيره ، ولكنه لا يعرف ما هي ولا لماذا ؟؟ ، فيلجأ دوما لأي هدف يراه مناسبا ويستهويه وتتبدل الأراء والمفاهيم فينتقل لغيره مرارا وتكرارا حتى يمل البحث ، فيستسلم لحياته وتراتيبها المفروضة عليه كغيره ، ويستمر طوال حياته أسيرا لحركة الحياة ، حتى يعبر للجهة الأخرى فيكتشف أنه خدع نفسه عمرا كاملا ولا حيلة في استعادة ما انقضى من أجله ، ولا سبيل لإصلاحه إلا تبعا لناموس الخالق في خلقه وهو ما سوف نستعرضه سويا .
ولأن ابن آدم مفطور على شهوة الإتيان بالجديد "الإبداع" ، فلكل منا لمسته الخاصة في كل قيم الحياة وتراتيبها ، وهو ما يجعل قيم الحياة في نفوس البشر تتطور دوما وهي مليئة بهراءات وتخيلات وضلالات متوارثة عبر تاريخهم ، وبالتالي تنحرف بإطراد عن حقائق ناموس الخالق في خلقه إن لم يسخر الله لهم من يعيد تطهير المفاهيم ، وأبسط هذه المفاهيم هي دوما ما تتعلق بقوانين الحياة والبعث والنشور والإنشاء وحركات النفس البشرية عبر الحياة وخارجها ، لأن البشر يعشقون خيالات الضلال وإضافة اللمسة البشرية على الحقائق ، حتى ولو كانت الحقائق واضحة ومباشرة من الله ، فهم يضيفون لها لمساتهم الخاصة فتتحول لأسطورة تطمس الحقائق وتحولها لبهتان يعتبرونه مقدسات أو ضلالات مقدسة ، وما أكثرها في تراث الأديان للبشر ، وأبسطها تفشي وتعاظم قيمة ظاهرة رجال الدين والأولياء لدى المسلمين المؤمنين رغم إيمانهم بأنه لا وساطة بين العبد وربه ، وأن الله أقرب للإنسان من (حبل الوريد) وريد رقبته ، ولكنهم يقدسون المشايخ والأولياء والأمراء والمرشدين وآيات الله ولكل فئة منهم واسطته بينه وبين الله ، بل ورغم أن معظم المسلمين يعلمون أن الله نهى عن الانتماء للفرق والجماعات وأن الله وصف المنتمين للفرق والجماعات بـ "المشركين" بقوله تعالى .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون} الروم 31 ، 32 ، إلا أن الانتماء للفرق والجماعات قد تفشى بين المسلمين بعد أن اخترق الأزهر وتفشى فيه فرأينا رجاله مقسمين بين الفرق والجماعات ، ويدافعون باستماتة عن بقاءها واستمرارها مدعين أن أية محاولة لتصحيح الفكر الديني هي اعتداء وهدم للدين .
ولذلك كان لابد وأن نتوقف عند حقيقة ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم ، عن البشر وطبيعة خلقهم ، والغرض من خلقهم ، وكيف يعاملهم ويحاسبهم ليس كنوع من التذكير الديني ولكن كما وضحه المولى عز جل كأحد علوم الخلق البحتة في كتابه العزيز (دستور الحياة للبشر) ، والتي خصص الله له أكثر من ألف آية ، اعتبرها علماؤنا الأفاضل منذ ألف سنة من المتشابهات فأغلقوا فيها باب الفهم والتفكر رغم أن الله يأمرنا أن نتفكر في خلقنا ونتدبر في إطار آياته التي وضع بها الحدود حتى لا يشطح ابن آدم في ظنونه وتخيلاته عن خلق الله له ، فقال لنا .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، ثم أمرنا صراحة بقوله تعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وساعدنا سبحانه في حقيقة خلق النفس البشرية فقط بآيات عددها يعادل ضعف آيات الفروض والحدود التي ألفنا فيها ملايين الكتب وأسميناه العلم الشرعي (المقدس) ، ولكن الحقيقة المؤلمة أن علماءنا الكرام أصبحوا بإرادتهم مجرد نقلة لا عقل لهم ، يرددون فكر وفهم من ماتوا منذ أكثر من ألف سنة واخذوا معهم مفاتيح الفهم والعقل "كما يدعي البعض" ويجمع الغالبية على صحته .
وأول المفاهيم التي سقط في فهمها عملاؤنا الأفاضل هو حقيقة خلق الإنسان والخلط الأحمق بين النفس والروح ، وهي مسألة لو فهموها كما يشرخها الخالق العظيم في كتابه ، لحلت لهم كثيرا من المفاهيم المشوشة والمغلوطة ، ولكن عجبا تكتشف أن آخر من تكلموا في هذا ، قد نقلوا بمنتهى الأمانة والاستسلام كلام ابن القيم الجوزي في القرن الثالث عشر (منذ ثمانمائة عام) ، وخلط ابن القيم بين الروح والنفس ، وكأنه لم يفهم آيات الله ، أو تأثر باليهوديات والفكر الروماني متناسيا معان آيات بينات في كتاب الله تنقض كل ما قاله عن النفس والروح والخلق والإنشاء والتصوير ، ولو استعرضنا آيات النفس في القرآن العظيم لوجدنا ، أن أول الحقائق الأساسية هي أن الإنسان هو "نفس" فقط ، وما هو إلا "نفس" خلقها الله متفردة متكاملة ، ولا شيء آخر بعدها أو قبلها أو معها ، فأنت نفس خلقها الله وسواها فقال فيها ..{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا }الشمس7 ، وقال فيها .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء .. }النساء1 ، فكل منا خلقه الله من نفس واحدة وقد اقتطع منها زوجها ، وليس معنى "زوجها" هو الذكر والأنثى ، بل ما هو ما يزاوج النفس لتتكامل ، فجعل النفوس تدخل الدنيا وهي ناقصة وذلك لحكمة استمرار الحياة بحاجة كل جزء لمن يكمله ، فتبحث كل نفس عن تكاملها ، لتستمر الحياة وتتعاقب الأجيال في رحلات متجددة لبحث كل نفس عما ينقصها ، فترى كل رجل باحث عن أنثى ، وكل أنثى باحثة عن رجل ليتكاملا فتنتج أجيالا جديدة متعاقبة .
ثم يوضح سبحانه بداية ونهاية خلق النفس بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، فالمستقر في النهاية كما البداية "نفس واحدة مكتملة" ، وهو ما يؤكد عليه شبحانه في مشاهد يوم القيامة بقوله تعالى .. "وإذا النفوس زوجت" لتعود النفس كاملة كما كانت من قبل ، والمستودع استقرار مؤقت في الدنيا (لكل نفس ناقصة) في محاولة الاستكمال في الدنيا ، ولكي تحيا النفوس في الدنيا ، منح سبحانه كل نفس جسدا حيا (الحي هو ما فيه روح) لتحيا به وتتعامل به مع معطيات الدنيا لفترة محددة هي الأجل ، فإذا انتهى الأجل يتوفى الله النفس ولا علاقة لها بالجسد الحي ، حيث يسترد الله سر الإحياء لكل جماد وهو (الروح) ، ويعود الجسد ترابا لأصله ، أما النفس (أصل الإنسان) ، فينشئها الله نشأة مختلفة ، شاء الله أن لا نعرف عنها شيئا ونحن أحياء في أجسادنا الحالية لقوله تعالى في الواقعة .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} .
وهل معنى ذلك أن لنا نشأة أخرى كما يقول بعض أصحاب نظرية تناسخ الأرواح ، نعم سيدي.. ستعود للحياة في نشأة أخرى ، ولكنها ليست تناسخ أرواح ، لأننا لا علاقة لنا بالروح التي هي سر إحياء كل جماد ، ويستخدمها سبحانه ليحيي بها جسدا من طين الأرض ليكون مطية للنفس في حياتها ، ثم يسترد هذه الروح فيعود الجسد ترابا ، وحينها تفقد النفس مطيتها أو وسيلة التعامل مع الحياة وعندها يقول سبحانه "كل نفس ذائقة الموت" فالنفس لا تموت ولكنها تتذوق آلام الموت كما تتذوق المتع والألام ، ودوما تكون النشأة الجديدة للنفس في جسد آخر وبمعطيات مختلفة عن السابقة لها ، وهي ما يقوله سبحانه في النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، فهي عملية إعادة خلق مثل السابقة ، وهي التي كرر سبحانه وصفها في كتابه العزيز ستة مرات ، وأبرزها بقوله تعالى .. {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الروم11 ، ولا تقل أن النشأة الأخري هي نشأة يوم القيامة لأن هذه النشأة الأخيرة التي سوف نحاسب في صورتها وضحها سبحانه بقوله .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .
ويؤكد سبحانه في قرآنه العظيم أن النشئات المتعددة للنفس الواحدة تتكرر تبعا لناموس الخالق وقوانينه ، حتى تستوفي كل نفس حقها وفرصها ومعطياتها المتنوعة مثلما يقول سبحانه عنها "حتى يأتيني وليس له عليٍ حجة" ، ولذلك قد تأتي النفس للدنيا مرات ومرات ، وقد تأتي "النفس" للدنيا مرة واحدة ولا تتكرر ، وهو ما لم يوضح سبحانه جميع شروطها وأحوالها ، ولكنه سبحانه وضح حالات بعينها ، مثل حالة من يخرجون من الدنيا وعليهم ديون واجبة الأداء ولابد من عودتهم ليؤدوا ما عليهم بقوله تعالى .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الواقعة 86 ، 87 ، بمعنى أنك لو خرجت من الدنيا وعليك ديون وكنت صادقا عند سؤالك عنها فسوف تعود لتؤديها ، ولكنك سوف تعود طبقا لناموس الخلق ، بالولادة عن طريق ذكر وأنثى آخرين ، ناسيا تماما حياتك السابقة ، فلا تدخل النفس الاختبار ومعها المراجع السابقة ، ولكن يضعها سبحانه في نفس ظروف من آذته وتحملت منه الديون الواجبة الرد والأداء ، لتذوق ما أذاقته لغيرها ، فلو كنت قد قتلت طفلا وهو لا يعرف لماذا قتلته ، فسوف تعود لتقتل وأنت طفلا ، ولو كنت قد عذبت امرأة في حياتك ، فسوف تعود للدنيا وتولد أنثى ، لتذوق على يد زوج آخر ما فعلته بها ، ولا عجب فالفارق بين الرجل والمرأة هو مجرد جسد بقوانينه وهرموناته فقط .
وهل معنى هذا أن النفس قد تأتي للدنيا مرة في صورة ذكر وقد تأتي في صورة أنثى ، نعم فهو الذي يصوركم كيف يشاء .. {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران6 ، فكيف يشاء هنا أولها تحديد نوع الصورة (الجسد) ذكرا أو أنثى قبل أية مواصفات أخرى ، وهنا لابد وأن نتذكر لماذا منع الله ونهانا أن نعير مخلوقا بخلقه ومعطياته ، لأن الله لا يترك في حسابه سخرية ولا تهكم بشر على بشر مطلقا ، فمن عير أخيه بسوء خلقته ، كتبها الله عليه في المرة القادمة ، ومن عير أخاه بالكفر ، باء بها ومات كافرا ، أو أنشأه الله في مرة قادمة كافرا ليعيره الناس بكفره ، وهنا لابد وأن نتذكر ، أننا لم يكن لنا الخيار في الدين الذي نولد عليه ، ولا في والدينا ولا معطيات حياتنا من حولنا ، فكلها معطيات ليحاسبنا الله عليها … فيقول سبحانه في كتابه العزيز "ليبلوكم" أربعة مرات ، مرتين منهما بقوله تعالى .. " ليبلوكم فيما آتاكم" في الأنعام 48 والمائدة 165، ومرتين بقوله تعالى "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" في هود 7 ، والملك 2 ، فمعطياتنا كاملة بما فيها ديننا وأرزاقنا لم يرزقنا الله بها لأننا نستحق هذه المعطيات ، ولذلك لا جدال أنه قد افترى على الله الكذب من يدعي أن ولادته مسلما يقول .. "لا إله إلا الله" ، جعلته في الجنة مهما فعل ، وسوف ينجيه الله من النار كما ندعي كذبا بقول "لا إله إلا الله"، بل رد الله علينا بقوله تعالى في البقرة .. {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة 80 ، 81 ، فمن جاء بك مسلما هذه المرة قادرا أن يأتي بك ملحدا شديد التعلق بإلحادك في المرة القادمة .. "ليبلوكم فيما آتاكم" وأيضا "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
