هل تصدقني .. لو قلت لك ؟؟؟ …. بقلم : جمال عمر

فطر الله النفوس فأبدع خلقها ، ثم صورها أو بمعنى أكثر دقة (أنشأها) في جسد من سلالة متطورة من طين الأرض ، ومن إعجاز خلقه تعالى للنفوس ، وإعجازه في عملية إنشاء النفس في الجسد ، أن ابن آدم لا يشعر بالفارق بينه (كنفس) وبين جسده ، بل إن الإنسان يبلغ أقصى مدى لغرقه في جسده ، أنه اعتبر أن جسده هو الأصل ، فحاول عبر تاريخه وحتى اليوم الوصول لخلود هذا الجسد ، بل وما زال حتى اليوم يسخر كل ما تعلمه لتحقيق هذا السراب ، ولو علم الحقيقة لاكتشف أن الجسد هو مجرد مطية (ركوبة) مؤقتة ، منحت له ليستخدمها خلال حياته المؤقتة على الأرض ، والكارثة ما زال لم يكتشف أن لديه أجساد متعددة في أبعاد أخرى ، يزورها يوميا ويدخل فيها ويمارس بها حيوات أخرى ، ولكن من أهم الصفات الفطرية الأصيلة في النفس ، هو النسيان لدرجة الطمس ، فحين تخرج من جسدك وتتركه (للنوم) ، وتذهب لبعد آخر وتدخل جسدا آخر (هو محدد لك) ، تنسى تماما أن لك جسدا في بعد مخالف ، وكذلك عندما تعود لدنيانا ، تنسى تماما حياتك وجسدك وتعاملاتك في البعد الذي قضيت فيه ساعات نومك القصيرة .

ولا عجب سيدي أن تنام ساعات قليلة ، ولكنك تقضيها هناك في بعد آخر ربما أياما ، وترى في الأحلام حياة متكاملة ، بكل صورها وقصصها ومشاكلها ومتاعبها وحلاوتها وملذاتها ، ولكن بالكاد لا تذكر من ذلك سوى ملامح وربما إشارات أو صور ، وربما كلمات لا معنى لها في عالمك ، وغالبا لا تصلح للربط بحياتك الحالية ، لأن هناك حقيقة علمية مؤكدة باختلاف الزمن ومعاييره بين الأبعاد ، فساعات نومك تساوي في بعد آخر أياما ، وساعات نومك هناك تساوي تلك الساعات التي تقضيها هنا مستيقظا ، فتباينات الزمن بين الأبعاد هو أحد أهم الأسرار التي عجز ابن آدم على إدراكها ، لأسباب عديدة أهمها وأكبرها ، هو غباء وحماقة الإنسان الذي قرر أن يتبع هواه ويصدق ظنونه وخيالاته ونظرياته ، وأهمل علوم خلقه التي أنزلها الله في كتابه العزيز ، وصدق الله في قوله .. {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً }النجم28 ، فنحن نتبع الظنون ونهجر كتاب الله وعلومه ، فصدق فينا قوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 .

ليس هذا افتراضا أو ضربا من الخيال ، بل هي الحقيقة المجردة عن خلق وحياة النفوس ، فكل نفس تحيا أكثر من حياة في نفس الفترة الزمنية ، وكل حياة بمعطياتها تمثل بعضا من أسئلة اختباراته المتعددة ، تماما مثلما تخرج من لجنة امتحان لتدخل لجنة امتحان أخرى في مكان آخر ، وفي النهاية تكون نتيجة اختبارتك هي محصلة نتائج الاختبارات المختلفة ، ولكن تبقى دوما تساؤلات لا نهاية لها ، وأولها كيف يحدث التبديل بين الأجساد المختلفة ، وهنا نتوقف ونذكر أنفسنا ، بأننا عندما ننام نترك الجسد حيا (فيه روح) في مكان النوم ، ونغادره ونبدأ بمجرد خروجنا في رؤية ومشاهدة ما نسميه أحلاما ، وهناك فترة زمنية ما بين الخروج من جسد في بعد معين ، وبين الدخول في جسد آخر في بعد آخر ، والذي من المؤكد سيستيقظ من حالة النوم بدخولك فيه ، وخلال هذه الفترة الزمنية ما بين البعدين تتحرك النفس لتعبر الحاجز بين البعدين ، فالنفس قادرة على عملية العبور دون مشاكل أو تعقيدات ، لأن النفس ليست من مادة ثقيلة كالجسد ، بل هي مادة طيفية أو قل أثيرية قادرة على اختراق الأشياء والأبعاد بسهولة .

وخلال فترة الانتقال ما بين الأبعاد تمر النفس في مسارات حرة ، وهي التي تتحرك فيها أقدار الله وما كتبه من قضاء على الكون ومن يسكنه ، فيتاح للنفس أن ترى الكثير مما سوف يحدث لهل أو لغيرها في المستقبل ، وكذلك ما حدث من قبل ولم يعرف عنه شيئا ، فكلها أمور غيبية بالنسبة له ، فالأمور المستقبلية قد قدرها الله وصدرت من الإمام المبين قبل حدوثها على الأرض (تحديدا) بمسافة خمسمائة سنة من سنوات الأرض ، فتنزل (صوت وصورة ) حية ، وتستغرق من الإمام المبين إلى الأرض حتى توقيت حدوثها (500) خمسمائة سنة ، ثم تعاود الصعود بعد حدوثها (حية) صوتا وصورة في مسيرة أخرى قدرها خمسمائة سنة أخرى ، لتكون رحلة الأمر (الحدث) من صدوره وحتى لحظة وصول البلاغ بتمام حدوثه هي ألف سنة مما نحسبها على الأرض ، وهو قوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، ومن المؤكد أن الأمر مماثل في الأبعاد الأخرى ، ولكن ربما تختلف المسافة والزمن وسرعة نزول وصعود الأمر .

ومسألة نزول الأمر وصعوده علميا بما نعرفه اليوم من تكنولوجيا ليس مستحيلا بل هو واجب الحدوث ، فمنذ سنوات طويلة وكثير من العلماء يؤكدون أن أي حدث يحدث في أي مكان من العالم يمكن استرجاعه لو لم يمر على حدوثه أكثر من دقائق ، ثم تطور الأمر فأصبحت قدرة الاسترجاع ممكنة بعد مرور ساعات ، وعلميا بنيت المعدات والأجهزة المستخدمة على حقيقة وجود آثار فوتونية لكل شيء موجود أو يحدث ، وهذه الآثار الفوتونية تكون مميزة بدقة لأن لكل شخص أو شيء بصمته الفوتونية الخاصة ، ومجرد وجودك في مكان فإنك تترك آثارا فوتونية تحمل بصمتك الفوتونية ، والتي تبدأ في الاضمحلال والتلاشي من المكان بمجرد خروجك منه ، ولكنها لا تتلاشى للعدم ، بل تترك المكان وتنجذب لسجلك الكوني (كتابك) ، لتسجل ما فعلت في ترتيب زمني دقيق ، فكل ما تفعله وتقوله في الدنيا يسجل نفسه تلقائيا (فوتونيا) ، ولا حيلة لمخلوق في ذلك ، ولا قدرة لأحد على اعتراضه أو تغييره ، ولذلك يقول لك سبحانه وتعالى يوم القيامة  .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 .

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل إنه من العجيب أن يكون هناك احتمالات كبيرة لحياة النفس الواحدة في أبعاد متعددة تصل ربما لسبعة أبعاد ، ولكن مع اختلافات في المعطيات كالسن والوظيفة وأساليب الحياة ومدى تطورها تبعا لنوعية الاختبارات المقررة على النفس ، ولذلك قد ترى شخصا صاحب وظيفة وضيعة ، ولكنه يتعامل في الدنيا بشموخ وكبرياء ، وكأنه قائدا أو ملكا أو رئيسا ، وله كل الحق فهو عندما ينام يدخل في جسد آخر في بعد مختلف ليجد نفسه ملكا أو فارسا أو مليونيرا ، ولا يستطيع التخلص من ردود أفعال نفسه بين الأبعاد ، فالمعطيات المختلفة والمتباينة لا تمحو آثارها من النفس ، ولعل هذا هو سبب أن تستيقظ من نومك شديد الفرح أو الحزن دون سبب معروف ، بل وأكثر من هذا أنك ربما ترى شخصا (ذكرا أو أنثى) لأول مرة ، ولكن تكون واثقا أن تعرفه جيدا وهناك علاقة بينكما ، رغم أن ذلك مستحيلا بمعطيات حياتك وحياته ، وذلك لأن في بعد آخر لك علاقة وطيدة معه ، بل ربما يكون شريك حياتك في بعد مختلف ، ولذلك تكون ردود أفعالكم ببعض هي ترجمة لمعرفة نفوس في بعد مختلف .

الأعجب والأغرب أن النفس عندما تغادر جسد في أي بعد لانتهاء فترة حياتها فيها (انتهاء الأجل) ، يتلقاها (يتوفاها) ملك الموت .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، ويكون مع ملك الموت رسل الله وفيهم ملائكة موكلة بالنفوس .. {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 ، ويصحبون النفس ولكن ليس لحسابه ، فالحساب يوم الحساب ، ولكن ليتم إعداد النفس للنشأة التالية (الحياة التالية) ، فيسألونه عن الأساسيات ليذكروه بها ، والتي أهمها ربه ودينه ليؤكدون له أن ربه الله ودينه الإسلام لله ، ثم يسألونه عن ديونه التي تحملها من عباد الله في حياته التي غادرها ، والسؤال هنا لا عقاب فيه ، ولكن ليتم تحديد معطيات حياته التالية ، فإن كان صادقا واعترف بديونه ، يأذن الله له أن يعود للدنيا في جسد جديد بمعطيات مختلفة تتوافق مع رد ديونه التي تحملها .. وهو ما وضحه سبحانه بقوله .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الواقعة 86 ، 87 ، (فلولا – غير) نفي النفي إثبات ، فإن كنتم مدينين (عليكم ديون) ، ترجعون لتسديدها إن كنتم صادقين ، فلو كنت مثلا قد قتلت طفلا في العاشرة ، فسوف تأتي للدنيا بنفس أحوال الطفل وتقتل في العاشرة مثلما فعلت ، أما لو كنت معتادا على الكذب والانكار ، فأنكرت فقد أجلت الحساب على هذا الدين إلى يوم القيامة فيظل مدونا في سجلك (كتابك) .

أما لو كنت كنفس قد انتهيت من سداد ديون حياتك الماضية ، أو كانت ديونك يمكن أن يتم ردها من خلال معطيات حياتك القادمة ، فإنك تكون مستعدا للعودة للدنيا في بعد قد غادرته ، لاستكمال اختباراتك في جسد جديد بمعطيات مختلفة ، فيأذن الله لك بالإنشاء في جسد طفل اكتمل شهر الحمل الرابع له (اكتمل جسده) ، فكل نفس تموت اليوم ، يكون أمامها على الأقل خمسة شهور لتعود للدنيا في جسد جديد ، وهي ما قاله سبحانه في الواقعة بقوله تعالى في سورة الواقعة .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وتلك النشأة الجديدة التالية بعد الموت ، هي التي شاء الله أن لا نعرف عنها شيئا قبل الوفاة (ننشئكم فيما لا تعلمون) ، مماثلة تماما لما نعرفه لو تذكرنا النشأة الأزلية بالحمل والولادة ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهي نشأة تختلف عن نشأة يوم القيامة ، والتي يقول فيها سبحانه وتعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .

وهل معنى ذلك أن الله يعيد الخلق مرات ومرات ؟؟ ، نعم وهو ما فصله سبحانه في ستة مواضع في كتابه العزيز بقوله تعالى تحديدا .. (إنه يبدأ الخلق ثم يعيده) ستة مرات منهم مرتين في كل من سور يونس والروم ومرة واحدة في كل من سورة النمل والعنكبوت ، وقد وضح سبحانه لماذا يعيد الخلق ؟؟ في سورة يونس بقوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، والسبب هو .. (ليجزي بالقسط .. ) والقسط هو تحري وتدقيق العدل ، فيكون العدل أقساطا مقسمة على اختبارات الحيوات التي تحياها النفوس ، فلا يكون لنفس على الله حجة يوم القيامة ، وقد مر بجميع ألوان وأشكال الاختبارات في الدنيا ، وفي مختلف الأبعاد والأعمار والتكاليف والأحوال .

أخيرا .. أعلم تماما أن الموضوع خارج نطاق المعروف من أساطير البشر ، بل ربما يعتبره البعض تخاريف وخزعبلات من نتاج أفلام هوليود أو أساطير البشر الموروثة ، ولكن للأسف .. ما تم استعراضه يحمل في طياتها كثيرا من الحقائق التي يجهلها الإنسان وربما لا يستطيع عقله استيعابها .. فمشكلة ابن آدم الأزلية هي غرقه في مستنقع جسده ، فلا يريد أن يصدق إلا ما هو في حدود قدرات حواسه الضعيفة والمحدودة ، بل ومن قمة حماقة الإنسان أنه يتجاهل دوما قدرات بل ووجود نفسه ويخلط بينها وبين الروح ، ولا يستطيع التفريق بينهما وبين الجسد ، حتى في أرقى علوم الإنسان الأكاديمية والطبية ، وناهينا عن علوم الأديان التي تحجرت مفاهيمها عند تفسيرات علماء ماتوا منذ قرون طويلة واعتبرنا فهمهم وتفاسيرهم هي قمة العلم ، منكرين على أنفسنا أية قدرات للفهم والتفسير لكتاب الله وآيات العلوم البحتة فيه ، وعلى رأسها آيات الخلق والعلوم البحتة ، ولعلنا يوما ندرك حجم الحماقات التي نرتكبها في أنفسنا وصدق الله بقوله .. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }الزخرف76 …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *