انتهت أيام عيد الأضحى على خير والحمد لله ، وعاد شعبنا العظيم لسابق عهده شاكيا وصارخا معترضا ومتربصا بكل شيء بلا وعي ، ولكن ربما لمجرد تفريغ شحنات الضيق من مشاكل حركة الحياة المعتادة ، ولا يمكن لعاقل أن ينكر أننا نعاني من مشكلات جسيمة في جميع مناحي حياتنا من اقتصاد وتعليم وصحة ونقل وإسكان وعشوائيات وغيرها .. ، وكل ذلك مطروح في الغالبية العظمى من دول العالم ، ولكن ما يزيد عن تأثيرات المشاكل المختلفة علينا كشعب هو دوما أم المشاكل وعصب معاناتنا والسبب رئيسي لتفاقم الأزمات ، ألا وهي تفشي فساد الأخلاق وسوء الظن والتعامل بين أفراد المجتمع حتى أصبحت سمات الفساد عادات اجتماعية متأصلة ، ولعل النجاح المتميز لتحقيق الأمن الداخلي في السنوات الأخيرة كان سببا رئيسيا في غياب إحساس العامة وتغافلهم المتعمد عن المشكلة الأهم والأخطر على الإطلاق وهي المؤامرات الخارجية لهدم الدولة المصرية ، والتي ما زالت دولا عظمى وإقليمية بعينها مصرة على استكمال تنفيذ مخططاتها التي بدأتها منذ عقود طويلة لهدم مصر كدولة محورية تسقط بسقوطها كل الدول الإقليمية سواء العربية أو الشرق الأوسطية .
ومن المؤكد أنه ليس من المقبول محاولة المزايدة والتحيز لأي طرف من أطراف الأزمات ، خاصة وأن الطرف الأكبر وهو أفراد المجتمع من عامة الشعب ولكنهم دوما كعادة الشعوب باحثين عمن يتحمل مسئولية المعاناة في أي أزمة أو مشكلة ، ولا يوجد لدى الشعوب سوى الطرف الآخر وهو الحكومة لتلقي بهمومها ومعاناتها على أكتافها وتحملها كل المسئوليات ، حتى ولو كانت الحكومة الحالية محملة رغم أنفها بما نعلمه جميعا من موروثات تصل لحدود الكوارث ناتجة عن أخطاء أجيالنا السابقة حكومات وشعبا ، ونتناسى أن الشعوب لا تغير عاداتها الاجتماعية حتى لو كانت فاسدة إلا ببطء شديد قد يستغرق أجيالا ، خاصة لو كانت هذه العادات تتوافق مع شهوات ورغبات البشر في تحقيق أية مكاسب ولو بكسر القوانين والحدود وتحقيق الانتقام النفسي والتشفي الصامت من عدوتها اللدودة وهي الحكومة وأصحاب السلطة .
ولا شك أن من أخطر ما نعاني منه كمصريين هو فساد الفكر والوعي وإصرارنا على عدم تغييره للأفضل ، بل ونساعد أعداءنا في هدم الترابط الداخلي للمجتمع بترديد الشائعات وتصديقها ونجد فيها وسيلة لتفريغ طاقات الضيق من مصاعب الحياة ، ولا نكتفي بنقد بعضنا بعضا ولكن نستمتع بإشعال الحروب الكلامية في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ، ومن المؤكد أن فساد الفكر وفوضى الوعي هو نتيجة منطقية لفساد المفاهيم الدينية المتفشي والذي صابنا عبر قرون مضت وندفع ثمنه اليوم غاليا ، وهو أخطر ما يسيطر على فكر وثقافة المصريين فنجد الجميع مسلمين ومسيحيين ومن كل الفرق والجماعات لديهم إصرار عجيب أنهم أصحاب الحق المبين وورثة الجنة وأحباب الله وعياله على الأرض ، ولو صدقوا فيما يقولون ما تفاقمت معاناتهم سويا من مشكلات يصنعونها بأيديهم ثم يصرخون منها وعلى رأسها تزايد الأسعار المجنون استغلالا للفرص والمناسبات والأزمات .
ولا شك أن هناك خطابا دينيا فاسدا ومزورا نتج عنه تشتت الدين سواء الإسلامي أو المسيحي لفرق وجماعات متعارضة ومتناحرة بل ومعادية لغيرها ، خاصة التكفيرية منها والتي تستبيح محرمات غيرها باسم الدين ، والأخطر هو مقاومة رجال الدين الشديدة لأي محاولات لتصحيح الخطاب الديني تحت ادعاءات بأن ذلك سوف يهدم الدين ، وهو ما يجعلنا نتسائل (وهل هناك ضياع للدين أكثر مما نحن فيه) ، ولكن ربما يكون تصحيح الخطاب الديني سوف يهدم امبراطوريات تاريخية مقدسة لرجال الدين صنعتها ضلالات موروثة جعلت من المؤسسات الدينية دولة داخل الدولة ترتكز على استقلالية وحرية في تغذية ودعم الفرق والجماعات والطوائف وتفشيها في المؤسسات الدينية وتقاسمها للسلطات فيما بينها ، خاصة سلطات السيطرة على أموال وممتلكات وإيرادات عائدات الأوقاف والكنائس الهائلة والخارجة عن سيطرة الدولة وأجهزة محاسباتها ، فضلا عن سلطات دينية مقسمة بين رجال وقادة الفرق والجماعات والطوائف الدينية داخل وخارج المؤسسات الدينية .
ويكفي مثلا .. أن كل رجال الدين خاصة الإسلامي يعلمون جيدا أن الانتماء لفرقة أو جماعة أو طائفة هو شرك صريح بالله وهو ما تؤكده آيات محددة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} الروم 31 ، 32 ، وقوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159 ، ولكن ذلك لم يمنع أن يتباهى محبي شيخ الأزهر بأنه صوفيا أشعريا ، ومساعديه من الإخوان وباقي قادة الأزهر والأوقاف مقسمين بين السلفيين والشيعة والصوفية ، ولا يرون في ذلك محرما ولا حتى مكروها أو عيبا ، فكيف سيواجهون العامة ، وهل لديهم شجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيح أخطائهم الموروثة والمقدسة ، وما يستتبعها من نتائج ربما تكون كارثية على سلطاتهم ومكاسبهم الدنيوية ، أم ربما لديهم مبررات مقدسة لا نعلمها وهم يترفعون عن تبيانها أو حتى تبرئة أنفسهم من اتهامات العامة المتزايدة والتي تنخر قدور الثقة المتزايد فيهم .
ولا جدال أيضا أن حالة الفوضى الكلامية والإعلامية المتفشية كنتيجة منطقية لسنوات الفوضى الخلاقة سوف تكون سيفا بتارا على رقاب رجال الدين في المستقبل القريب ، خاصة مع سرعة انتشار الأراء والأفكار وتسارع سقوط قدسية كثير من الموروثات على أيدي أجيال الشباب المتعاقبة ، وهو ما سوف يجبر المتعنتين ورافضي التصحيح أن يرضخوا للحق أو ليسقطوا للأبد ودون رجعة ، فكذلك سقطت سلطات الكنيسة في أوروبا تدريجيا ، حتى أصبحت الكنيسة رمزا باهتا ، وهو ما تخطط له بريطانيا الماسونية علنا ومنذ زمن بعيد ، فهي مربية أجيال الدعاة الجدد كعمرو خالد ومسعود وحسني وغيرهم الكثير ، وهي التي منحت اللورد كرومر وسام الفروسية لنجاحه في زيادة عدد زوار الموالد في مصر لمليون مواطن ، وهي التي تتباهى بتعاونها الجليل مع المخابرات الأمريكية في صناعة إسلام يناسبهم في الأمم المسلمة ، وهم من صنعوا الوهابية والإخوان ثم القاعدة وداعش والجماعات الليبرالية وما زالوا يديرونهم ويحمون رجالهم لهدم دول المنطقة والسيطرة على ثرواتهم ومقدراتهم .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
