هذا القرآن مهجورا (2) …. بقلم : جمال عمر


استعرضنا من قبل صدق بلاغ الخالق العظيم بقوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، وعرفنا أن المسلمين كرروا خطايا من سبقهم من الأمم في حق الله وفي حق أنفسهم مرتين ، الأولى عندما هجروا مفاهيم القرآن العظيم وصدقوا ضلالات البشر ، فأغلقوا أبواب الفهم في معظم آيات الله ، فظلوا أربعة عشرة قرنا وهم يجهلون أن كتابهم المنزل لهم من الله مكون من قسمين أساسيين هما (القرآن العظيم + الفرقان) ، وعرفنا أن الفرقان مكون من آيات (الفروض والحدود والمعاملات والترغيب والترهيب وقصص البشر) ، وهو ما اهتم به المسلمون وصنعوا منه ما أسموه بالعلم الشرعي (المقدس) ، والفوا فيه ملايين الكتب ، ولكنهم هجروا آيات القرآن العظيم والمكون من آيات (الخلق والعلوم البحتة والتوحيد والعقيدة والغيب والحكمة) ، بل اعتبروها آيات متشابهات والاقتراب منها هو زيغ قلوب يستوجب الحكم على فاعله بالفسق والزندقة بل الشرك والكفر بالله ، وزادوا الجهل تفاقما بتزوير مفهوم العبادة بالخلط بينها كمهمة عبودية وبين مناسك العبودية التي فرضها الله لتحافظ على استقامة الإنسان ، فادعوا أن فروض المناسك هي العبادة ، وهجروا أكثر من نصف الكتاب المنزل لهم وهو القرآن العظيم ،  فحق عليهم قول الحق .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 .

 

ولا شك أن آيات الخلق والعلوم البحتة والتي تمثل مايقرب من (3000) ثلاثة آلاف آية وهو ما يوازي نصف الكتاب المنزل على المسلمين قد أنزلها الله لتعين البشر على اتقان العبادة التي خلقهم من أجلها وهي .. ( إعمار الأرض كخلفاء عليها ) ، وحتى لا يتشتت البشر بخيالاتهم وتصورات عقولهم القاصرة فيدعوا أن الإنسان أصله تطورا للقرود أو غيرها من فئات خلق الله المختلفة ، خاصة وأن أجساد خلق الله على الأرض مكونة من نفس مكونات جسد الإنسان ، مع الفارق في إبداع الله لخلقه مكونات جسد الإنسان ، والأروع منها والأكثر إبداعا هو مدى التوافق ما بين النفس (أصل الإنسان) وما بين الجسد الذي يحتله ليستخدمه خلال فترة حياته على الأرض .

وليس من العجيب ولكنه إعجاز الخالق في روعة خلقه .. أن كل نفس تغادر جسدها الممنوح لها يوميا للنوم ، لتسبح في ملك الله البالغ الاتساع وعندما تعود ليستيقظ الإنسان  فإنها تعود لنفس الجسد دون أن تخطيء فتدخل جسدا آخر غيره ، حتى لو تم نقل الجسد من مكانه الذي تركته النفس فيه أثناء غياب النفس للنوم ، فإن النفس لا تخطيء ولا تتوه عن جسدها بل تعود إليه مباشرة وبسرعة كبيرة جدا ، ربما تزيد عن سرعة الضوء ، ونلاحظ دوما أنك لو أيقظت شخصا بصوتك أو بلمسه فإن النفس تعود سريعا فيستيقظ الإنسان ، وبغض النظر أن حاسة السمع واللمس تظلان تعملان خلال نوم الإنسان (مغادرته جسده) ، إلا أن هذا معناه وجود اتصال دائم ومفتوح بين النفس والجسد الذي تستخدمه ، وأن هذا الجسد يرسل رسالة استدعاء للنفس لتعود للجسد وتستجيب النفس في سرعة أكبر من أي عملية استدعاء بشرية نعرفها مهما كانت دقة وتقدم أجهزة الاإرسال والاستقبال والاستجابة التي من الممكن محاكاتها بتكنولوجيا علومنا المحدودة .

ومن خلال الاتصال الدائم بين النفس وهي خارج الجسد وبين الجسد نلاحظ أن النفس تستطيع تسجيل كل ما تراه أثناء سباحتها في ملك الله (خلال النوم) على خلايا ذاكرة التخزين في المخ البشري مباشرة وبدقة متناهية ، فنرى الأحلام على شاشة المخ الدقيقة ، وقد لا تستطيع وصف كل ما تحلم به أو تراه في نومك ، وذلك لأسباب تقنية ، أهمها أنك قد لا تجد في مخزوات ذاكرتك ما يشابه ما رأيته ، فتعجز عن رسم ما يماثله في خلايا ذاكرتك فيسقطه عقلك تماما ، أو ربما لعدم اهتمامك كنفس بدقة تسجيلك لما رأيته أو ربما لتعمدك النفسي عدم تسجيله لضيق نفسك منه أو خوفك من ذكره أو تذكره ، فالاتصال ما بينك كنفس وبين مخازن الذاكرة في المخ يظل قائما طوال حياتك لتسجيل كل ما تراه سواء في يقظتك (وجودك في الجسد) أو في رحلة نومك ، والعلاقة ما بينك كنفس وبين الجسد كاملا بما فيه من خلايا خاصة خلايا المخ هي علاقة خضوع كامل من جسدك لرغبات وقراراتك كنفس ، ولذلك فالذاكرة (تذكرك الأشياء) هي عملية نفسية بالدرجة الأولى ، ولذلك فإنك في كثير من الأحيان تنسى معظم أحلامك وربما بعض الأشياء والمواقف ، ثم تعود لتتذكرها وتخرجها لحيز المعلوم في توقيتات بعينها فقط عندما تكون لديك الإرادة لتذكرها .

ولا عجب من حالات عدم السيطرة الكاملة للنفس على مطيتها (الجسد) ، سواء أثناء فترات تواجدها فيه ، أو خلال فترات المغادرة للنوم أو الإغماء والغيبوبة ، فالجسد ما دام حيا (فيه الروح) ، فهو لديه أوامر شفرية لا إرادة للنفس فيها بالإصلاح والصيان والعلاج والنمو لاستمرار حياة الجسد ، ولكن قدرات الجسد على صيانة نفسه خلال فترات تواجدك كنفس داخل الجسد تكون محدودة وأحيانا معدومة بل وأحيانا أخرى مدمرة ، ولذلك لا يحتمل الجسد تواجدك (كنفس) داخله طويلا ، ولابد من مغادرتك (للنوم) حتى يستطيع الجسد إعادة صيانة مكوناته وأجهزته كاملة واستكمال نمو ما يحتاج للنمو ، وهو ما يجعلنا نحرص على أن ينال المريض والطفل الصغير قسطا أكبر من النوم ، وبالتالي لا عجب أن يصاب الإنسان بحالات فقدان التركيز والإعياء وربما الانهيار والإغماء أو الغيبوبة إذا استمر بدون نوم لفترات طويلة ، بسبب انهيار وظائف أجهزة الجسد التي لم تأخذ حقها في الصيانة والإصلاح اللازم يوميا .

ولكن النفس تمتلك قدرات عجيبة على تدمير الجسد ، سواء بإرهاقه وإجباره على فعل ما هو أكبر من قدراته ، أو بإصدار أوامر تدمير ذاتية لبعض أجهزة جسده الحيوية ، وهو ما نلاحظه على أجسادنا عندما نصاب بالإحباط والاكتئاب أو الحزن ، فتجد جسدك ثقيلا ومرهقا ، وذلك مقارنة بإحساسك بخفة جسدك ونشاطك لو كنت سعيدا وفرحا أو مذعورا ، حيث تشعر أن قدراتك الجسدية قد ارتفعت كثيرا دون أدنى إدراك لكيفية حدوث هذا ، وعلى العكس تماما من حالة الإحباط الناتجة عن حزن شديد والتي قد تؤدي لتدمير ذاتي للجسد ، والتي نراها في بعض من يصابون فجأة بأمراض قصور أو فشل بأجهزة حساسة وحيوية بأجسادهم كنتيجة لوفاة عزيز لديهم ، أو أبسطها من يصاب بجلطة قلبية أو مخية أو توقف مفاجيء لعضلة القلب نتيجة خبر سيء أو صادم .

وهناك بالطبع وسائل أخرى للنفس لاستقبال ما تكره من مواقف الحياة مثل الهروب السريع أو نسميه بـ (الإغماء) والغيبوبة ، فحالات الإغماء والغيبوبة ليست بجديدة ولكنها هي ما اعتادت عليه النفس منذ أول مرةد دخلت الجسد وهو جنين في رحم الأم بعد اكتمال مراحل الخلق بنهاية الشهر الرابع ، فكثيرا ما هربت النفس وامتنعت عن دخول جسد الجنين لفترات بعد تعرضها لما يقلق وجودها مثل حالات الحركة العنيفة للأم أو سقوطها أثناء الحمل ، فيسكن الجنين ويقولون أن الجنين لم يعد يتحرك ، وذلك فقط .. لأن النفس انزعجت فهربت وتركت هذا الجسد المزعج ، ولذلك نجد كثير من الناس يعتاد على الهروب من جسده بالإغماء في أي مواقف مزعجة أو طارئة ، وهو أمر كثير الحدوث مع الإناث أكثر منه مع الرجال ، ويعد هذا السلوك أحيانا أحد وسائل الحماية للجسد من ردود أفعال النفس السيئة ، لأنها لو استمرت داخل الجسد خلال المواقف الحادة فربما أصدرت أوامر بالتدمير الذاتي والتي لا رجعة فيها ولا يمكن السيطرة على عواقبها الوخيمة على الجسد .

ويسجل العلم أن حالات الانفعال ترتبط بزيادة إفراز هرمونات بعينها ، وتتوقف نوع ودرجة الانفعال على تركيز الهرمون ومعدلات إفرازه وسرعة إفرازه وانتشاره في الجسد ، فهرمون واحد مثل (الأدرينالين) يرتبط بحالات مختلفة من الانفعال بدرجاتها إن لم يكن معظمها كالفرح والدهشة والصدمة والخوف والرعب والهلع ، حيث يختلف تركيز ومعدل وسرعة إفراز وانتشار الهرمون في الجسد تبعا لنوع ودرجة الانفعال ، ولا يفرز الهرمون إلا بأوامر كهرومغناطيسية أو كرهبية محددة بدقة تصدر من المخ بناء على أوامر من القائد (النفس) التي تسير على مركز قيادة الجسد في قلب المخ بالقرب من قاع الجمجمة ، وفي أغرب وأدق الأجهزة في المخ وهو الجسم الصنوبري أو ما يسميه البعض بالغدة الصنوبرية ، والتي كانت وما زالت لم تكشف عن أسرارها ووظائفها الخطيرة ، ولكننا نعرف جيدا أن إصابتها مميتة وخطيرة ، وهي التي تتحكم في عملية دخول وخروج النفس من الجسد للنوم أو الإغماء ، فهي كما يقول البعض جهاز الاتصال ما بين النفس والمخ ، أو كما يعتقد كثير من العلماء هي مركز القيادة الرئيسي للنفس في عملية السيطرة على الجسد .

ولا شك أن النفس تمارس مهاراتها وقدراتها في التعامل مع الجسد ، لاستخدامه فيما تهوى وتريد خلال فترة تواجدها فيه ، ويتأثر الجسد بشدة بالحالة النفسية ، وبالتالي تنعكس أمراض النفس بصور مباشرة في صورة أمراض عضوية للجسد ، بل إن بعض الأمراض النفسية المتداولة والمعروفة لدينا مثل عادة (الكذب) يكون لها آثارا مدمرة على الجسد بأمراض عضوية يعجز الطب والعلم على علاجها ، وعلاجها فقط توقف صاحبها عن الكذب ، ولذلك لا شك أيضا أن العلم النفسي المبني على تجارب علماء الغرب والشرق على المختلين والمرضى النفسيين قد شابه الكثير من الغالطات الأساسية ، وهو ما يجعل علم النفس المعروف حاليا يقف عاجز بنسبة كبيرة أمام كثير من أمراض النفس ، بل ويجعل الطب عاجزا عن علاج كثير من الأمراض الجسدية ، وذلك بسبب وحيد وهو الخطأ في فهم النفس البشرية ، والجهل بطبيعة وحقيقة العلاقة ما بين النفس والجسد ، وعدم الانتباه أن النفس هي القائد والمؤثر المباشر على الجسد ، والجهل بأن النفس بيدها صحة هذا الجسد بنسب قد تزيد عن 90% ، لأننا تعاملنا مع ما نراه من الإنسان وهو الجسد ، وتجاهلنا الحقائق التي أنزلها الله في خلقه للنفس والتي ذكرها في كتابه العزيز في أكثر من (300) ثلاثمائة آية تعادل تقريبا ضعف آيات الفقه (العلم الشرعي) والتي ألفنا فيها ملايين الكتب ، ولكننا أهملنا ما هو أهم لحياة وصحة الإنسان على الأرض ، وتركنا المجال لخيالات وتصورات البشر القاصرة لتسطر لنا علوم النفس ، فاستحققنا ما نحن فيه من تدهور للنفوس والأخلاق الإنسانية ـ وبالتالي أحوال الحياة على الأرض .

أخيرا .. لا شك ايضا أن الخالق العظيم في قرآنه الكريم قد أستفاض في استعراض النفس البشرية بثلاثة أنواع من الآيات المحكمات تشرح بعضها بعضا ، فأنزل أولا آيات علوم خلق النفس في قرآنه في أكثر من ثلاثمائة آية متفرقة ، فصل لنا فيها خلق وحركات وطبيعة وقدرات وأحوال النفس ، ثم شرح لنا ثانيا .. دوافعها وحالاتها وأمراضها وأساليب علاجها بدقة متناهية عبر ثلاثون قصة في القصص القرآني الدقيق ، وثالثا .. م ضرب سبحانه وتعالى مثالا مجمعا شديد البلاغة لحركات النفوس وحالاتها وأمراضها في سورة كاملة ومنفصلة مكونة من (111) مائة وأحد عشرة آية بليغة ومحكمة ، وهي سورة يوسف كإضافة متكاملة للأمثلة على حالات وحركات وأمراض النفوس ، وهو ما أدعو إليه أطبائنا الكرام بكل تخصصاتهم أن يقرأوا القرآن بفكر جديد ليتعلموا ويفهموا منه ما يرتقي بقدراتهم العلمية على علاج البشر ، وهو ما سوف يكتشفونه بأنفسهم عند تدبر وفهم آيات القرآن العظيم والربط بينها ، وسوف يكتشفون أنهم قد مارسوا الطب ، وهم يجهلون كثيرا من أسس بناء وخلق الإنسان كنفس بشرية تسيطر على جسد مادي حي (فيه روح) ، وليس كما ندعي زورا وبهتانا بالخلط ما بين النفس والروح والجسد ، وهو ما نتج عنه عبر قرون طويلة فشلا ذريعا في إنقاذ والحفاظ على صحة بل وحياة كثير من البشر على الأرض .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *