هذا القرآن مهجورا … بقلم : جمال عمر


هذه العبارة ليست إدعاءا بشريا ولا اتهاما دون أدلة وبراهين قاطعة ، بل هي آية في كتاب الله في سورة الفرقان يقول فيها سبحانه وتعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، فهي إعلان رباني عن شكوى الرسول "إن قومي اتخذوا القرآن مهجورا" ، وهي حقيقة تستحق التوقف عندها كثيرا ، فكيف يكون القرآن مهجورا خاصة بعد أن نجح "الحجاج بن يوسف الثقفي" من تسهيل قراءة اللغة العربية باستخدام أبي الأسود الدؤلي الذي وضع النقاط والتشكيل للحروف العربية ، فمكنت كل من يتعلم العربية أن يقرأ القرآن مثل حفظته تماما ، فيؤجر الحجاج "أكبر سفاحي التاريخ الإسلامي" عن كل حرف يقرأ في القرآن أو غيره إلى يوم الدين ، وبل نستطيع أن ندعي أن الحجاج يكتسب في كل يوم مليارات الحسنات عن كل من يقرأة ويكتب حرفا بالعربية .

 

فكيف يكون القرآن مهجورا والمسلمون يقرأونه ويسمعونه اليوم أكثر من صحابة رسول الله في زمنهم ، فالأطفال والرجال والنساء في بلاد المسلمين وغيرها الذين يتحدثون بالعربية يقرأون القرآن ليل نهار في كل مناسباتهم خاصة في رمضان ، ونحن نعرف أنه قبل العصر الأموي لم يكن يستطيع شخص حتى لو كان عربيا أن يقرأ القرآن إلا لو كان قد حفظه على يد حافظ سبقه ، كما أنه لم يكن هناك نسخ للقرآن في كل مكان وبيت مثل اليوم ، ولم يكن هناك مسجلات وأجهزة سمعية ومرئية وأجهزة إعلام بهذه الكثافة ، ولم يكن يتردد القرآن ليل نهار مثل أيامنا هذه ، ناهينا عن أجهزة الحواسب الآلية وشبكات الإنترنت الزاخرة بالقرآن وكتبه المختلفة .

فكيف يكون المسلمين قد هجروا القرآن ؟؟؟ ،

وأقنعت نفسي زمنا طويلا بأن هجر القرآن إنما هو هجر مفاهيمه الحقيقية ، ولكني كنت موقنا أن هذا هو نصف الحقيقة فقط ، خاصة بعد تكشف لي حجم التزوير الكبير لمفاهيم الإسلام بداية من تزوير مفهوم "الدين" نفسه ، ومرورا بتزوير "مفهوم العبادة" والخلط بينها وبين مناسك العبودية ، ومفاهيم القضاء والقدر والأمانة والأرزاق وغيرها كثير من المفاهيم التي تعمد المضللون طمس حقيقتها الواضحة في آيات كتاب الله بداية من ظهور مؤلفي وعلماء ومشايخ "الشيعة" ، والتي هي إسرائيلية الأصل والانتماء ، خاصة وأن "بني إسرائيل" هم أصحاب كل تزوير لكل كتب الله عبر التاريخ البشري منذ نبي الله نوح وحتى يومنا هذا ، بل وتعمدوا تزوير أحداث التاريخ البشري خاصة تاريخ الرسل والأنبياء ، وهم أيضا من أخفوا التوراة من قبل وألفوا التلمود في ثمانية عشرة مجلدا تزيد عن العشرة آلاف صفحة ، ثم أخفوا الإنجيل وأخرجوا للعالم مئات الأناجيل ثم اختزلوها في أربعة أناجيل مزورة بفجاجة .

وكعادة شياطين بني إسرائيل في اختراق أي دين أو مجتمع ، ادعوا الإيمان بالإسلام وتفرغوا لتزوير مفاهيمه بداية من زمن الدولة الأموية التي نجحوا في النهاية في إسقاطها ، حتى أننا اليوم نجد الغالبية العظمى لكتب الفقه والتفاسير والسيرة لكتاب من "فارس" ، والذين تعمدوا طمس وإخفاء المفاهيم وتصفية أي عالم أو كاتب أو مؤرخ يخالف مخططاتهم الشيطانية ، بل وتعمدوا أن يحصروا فهم وتفسير آيات القرآن في عدد من علمائهم وفي زمانهم فقط ، حتى أننا اليوم نجد جميع تفاسير القرآن لعلماء منهم ماتوا منذ أكثر من عشرة قرون ، وتركوا لنا ميراثا من العسل الزاخر بسموم الضلال والتجهيل ، فضلا عن قواعد أصبحت مقدسة وتقتضي بعدم أهلية أي بشر بعدهم في تفسير أو فهم القرآن ، فأصبح علماء المسلمين ومشايخهم جميعا مجرد "نقلة علم مليء بالضلال" ومهاجمين بشراسة لكل من يحاول الفهم أو التفسير لكتاب الله ، لدرجة أنهم يتباهون بحفظ السطر والمكان من الكتاب الذي يستشهدون به ، ولا يجرؤ بشر أن يحاول الفهم والتدبر دون سند من هؤلاء الذين ماتوا منذ ألف سنة وأخذوا معهم العقول والأفهام (كما يدعون) .

وهكذا تم إغلاق جميع أبواب الفهم لكتاب الله ، فأصبحت حقائق مفاهيم كتاب الله مجهولة ومهجورة ، وهذا هو نصف الحقيقة ، وليست الحقيقة كاملة ، لأن الحقيقة الكاملة وجدتها في آية سمعتها وقرأتها آلاف المرات من قبل ولكني فجأة إكتشفت أنها تحمل معان خطيرة غابت عن الكثيرين .. يقول فيها سبحانه وتعالى .. {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .. }البقرة185 ، فرب العزة يؤكد أن شهر رمضان قد أنزل فيه شيئان عظيمان كريمان هما (القرآن هدى للناس + بينات من الهدى والفرقان) ، فما هو الفرقان ؟؟ والعجيب أننا اعتدنا التوقف عند هذه الآية دون التدبر والفهم ، ، واعتدنا فهمها على أن الكتاب المنزل هو القرآن فقط ، وأن هذا القرآن انزل الله فيه هدى وبينات من الهدى والفرقان ، أليس الفرقان هو القرآن نفسه كما أفهمونا من قبل ؟؟ ، فهو مسمى آخر للقرآن لأنه يفرق بين الحق والباطل كما علمنا الأوائل ونقله لنا علماء الحاضر النقلة بلا عقل ، وظللت عمرا طويلا مقتنعا بفهمهم أن القرآن هو الفرقان ، حتى توقفت عند آية يقول فيها سبحانه .. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة53 ، فنبي الله موسى قد آتاه الله الفرقان أيضا ، ويتكرر هذا الخبر بإنزال الله للفرقان على النبيين (محمد وموسى) في ستة آيات من كتاب الله هي البقرة مرتين وآل عمران والأنفال والأنبياء ، ثم سورة الفرقان ، .

وعجبا .. يقول سبحانه في سورة الفرقان .. {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1 ، فالفرقان قد أنزله الله على خاتم رسله ليكون نذيرا للعاملين ، وقد أنزله أيضا من قبل على نبيه ورسوله موسى ، ولكن الفارق بين فرقان موسى وفرقان محمد هو أن ما أنزل على خاتم المرسلين كان كما يقول سبحانه (بينات من الهدى والفرقان) ، بمعنى أن ما أنزل على محمد ليس فرقانا جديدا ، ولكنه آخر تعديلات "الفرقان" فما هي هذه التعديلات البيانية (بينات) الذي استحق أن ينزله سبحانه وتعالى ليكون للعالمين نذيرا على يد خاتم الرسل ؟؟؟ ، خاصة وأن الله قد أنزل أيضا القرآن العظيم على رسوله الخاتم ، وأكد على ذلك بذكر كلمة القرآن في آيات منفصلة بلغ عددها (69) تسع وستون آية في كتابه العزيز بل أكد سبحانه وتعالى أنه اختص خاتم أنبيائه ورسله بما لم ينزله على رسول أو نبي من قبل في قوله تعالى .. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87 ، وبهذه الآية يتضح أن القرآن العظيم ليس هو الفرقان بأي حال من الأحوال ، وأن الله يقرر بأنه أنزل لخاتم أنبيائه ورسله كتابا يحتوي على اثنين (القرآن العظيم + الفرقان) فهما نوعين من آيات الله مضافا لهما (السبع المثاني) أو الفاتحة التي لم تنزل من قبل مطلقا .

وبمقارنة الآيات ببعضها نكتشف أن الفرقان الذي أنزله الله لموسى كان يحتوي على علوم أربعة محددة ، الأولى .. هي علوم الفروض وهي مناسك الخضوع والعبودية (الصلاة والصيام و …. ) المقررة على البشر حتى عهد بني إسرائيل مع موسى ، والثانية هي علوم حدود الله وأصول المعاملات بين البشر وعقوبات تجاوز الحدود ، والثالثة هي علوم سيرة البشر والرسل والأنبياء والعبرة منها ، والرابعة هي علوم الترغيب والترهيب ، ولكن الفرقان الذي أنزله الله على خاتم رسله "محمد" كان لابد وأن يحتوي على آخر تعديلات الخالق في كل ما سبق خاصة المناسك والحدود والمعاملات مضافا إليها مكارم الأخلاق ، لأن البشر في عهد خاتم المرسلين كانوا قد وصلوا للرشد التاريخي ، ولابد من استكمال تكليفهم ، وهو ما أشار إليه سبحانه مرارا في كتابه العزيز ، وأشهرها قول الجن عن إغلاق السماء بالحرس في ليلة مولد خاتم المرسلين .. {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }الجن10 ، ففي عهد (محمد) خاتم المرسلين وبمولده قد وصل مستوى البشر النفسي لمرحلة الرشد التاريخي ، وبالتالي ففرقان محمد كان لابد وأن يحمل تحديثا لكل الفروض والحدود والمعاملات واستكمالا لسيرة وقصص البشر منذ موسى والعبرة منها وحتى محمد ، ولذلك سوف تجد أكثر القصص في القرآن هي لبني إسرائيل ، فهي استكمالا لما أنزل من قصص البشرية في فرقان موسى ، ولذلك قال سبحانه عن فرقان محمد الأخير (بينات من الهدى والفرقان) .

وهنا نتوقف لنتذكر أن المسلمين بالفعل درسوا وركزوا كل قدرات الفهم والدرس في آيات الفروض (المناسك) والحدود والمعاملات والسيرة والقصص المذكور في كتاب الله ، فهم قد اهتموا بآيات الفرقان ولم يهملوه مطلقا ، بل تجاوزوا حدود المعقول في التركيز عليها ، فألفوا في هذه العلوم أكثر من ثمانية ملايين كتابا ، وركزوا واهتموا أكثر مما يجب فاختلفوا حولها ، ثم انقسموا بسبب اختلافات فهمهم لأكثر من سبعين فرقة وجماعة ، تكفر بعضها بعضا وتقتل بعضها بعضا باسم الدين ، فأفسدوا مفهوم الدين ، وتفشى بينهم فساد النفوس والأخلاق ولم يتبق بينهم سوى مناسك وشعائر ومظاهر حتى أصبح دينهم (شعائر مناسبات) ، ففسدت بلادهم وضعفت وسيطر عليها غيرهم ، وأصبحوا خداما أو عملاء لمن يسيطر عليهم داخل بلادهم .

أما القرآن العظيم … وعدد آياته يزيد عن (3000) الثلاثة آلاف آية ، فقد أهمله المسلمون وهجروه بالفعل حيث تحتوي آيات القرآن العظيم على علوم ثلاثة هي (التوحيد والعقيدة – الغيب والحكمة – علوم الخلق والعلوم البحتة) فأهمل المسلمون جهلا أو تعمدا جزء كبير من آيات كتاب الله تقارب نصف آياته ، وصدقوا وآمنوا بمقولات أن آيات القرآن العظيم " متشابهات" ، فأغلقوا باب الفهم فيها واعتبروا محاولة فهمها زندقة وفسق بل شرك وزيغ نفوس يجب معاقبة من يفعله كالكافر والمشرك ، فمات كثير من علماء المسلمين في السجون بتهم الزندقة والفسق والشرك لمجرد اقترابهم من آيات بعينها ، فما هي هذه الآيات ؟؟ ، إنها آيات القرآن العظيم التي تحتوي على ناموس الخلق في كونه وتنقسم إلى علوم الخلق البحتة ونواميس خلق كل شيء في الكون إضافة إلى (بينات من الهدى) المشار لها بجانب الفرقان وهي آيات التوحيد والعقيدة المحكمة ومعها آيات الغيب والحكمة ، وقد ساعد على هجر هذه الآيات بعينها أسباب كثيرة ، أولها أن الايات لم تأتي منفصلة في سور بعينها ولكنها كطابع الحياة جعل الله الآيات مختلطة ومتراتبة مع بعضها البعض ، فتجد الآية الواحدة فيها توحيد وخلق وحكمة وقصص ، أو أي تشكيلة محكمة من علوم القرآن ، وثانيها أن آيات العلوم كانت في منذ قرون مضت مستحيلة الفهم على بشر في زمن التخلف العلمي ، وثالثها أن الإنسان بفطرته عجولا ، فأراد بعض الأولون الاستئثار بفضل الفهم ووضع أسس الدين لمن يأتي بعدهم كاملا ومغلقا ، ورابعها كان استغلال علماء بني إسرائيل جهل المسلمين واندسوا بين علماءهم وحرفوا كل المفاهيم الأساسية ، وأخيرا .. الرعب والهلع البشري والمقاومة الشديدة لأي محاولة للتغيير أو حتى مجرد الفهم والتدبر والإتيان بالجديد في مفاهيم القرآن العظيم ، رغم أن الجميع يدعي أن القرآن سوف يكشف أسراره تباعا إلى يوم القيامة .

وبذلك يكون كتاب المسلمين المشار له في قوله تعالى في أول المصحف في سورة البقرة .. {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }البقرة2 ، مكون من قسمين كبيرين هما (القرآن العظيم + الفرقان) ، وبالطبع ليس غريبا أن تكون الفاتحة (السبع المثاني) هي الهدية الإضافية على الكتاب فهي السورة الوحيدة التي اختص بها الله خاتم رسله مع القرآن العظيم ، والتي أكد عليها بقوله تعالى … {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87 ، وهي سورة لم ينزل مثلها من قبل أبدا على أي رسول ولها أفضال عظيمة وجعلها الله أساسا لكل صلاة ، ولها مسميات تزيد عن العشرين اسما ، ليصبح ما أنزله الله على خاتم الرسل هو ثلاثة مكتوبات هي (الفاتحة + القرآن العظيم + الفرقان)  والفاتحة منفصلة ومستقلة إضافة إلى الكتاب الذي يقول عنه سبحانه وتعالى ..  "كتابا أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" ، ولا نستطيع أن ننكر أن المسلمين قد هجروا القرآن العظيم تماما ، وادعوا زورا أن آياته متشابهات واكتفوا بأن يصرخوا كلما اكتشف غيرهم حقيقة علمية أو كونية بأن لديهم آيات تقول بهذا ، ويتناسون ويتجاهلون أن الله قد ذكر ناموس وقوانين خلقه لكل شيء في القرآن العظيم بين أيديهم وقال لهم  … { … مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ .. }الأنعام38  ، ولكنهم ما زالوا مصرين على هجر آيات القرآن العظيم ، ليصدق فيهم قوله تعالى … {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *