متعة السعادة .. أم تعاسة المتعة (3) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
18 أغسطس، 2021
غير مصنف
1,388 زيارة

استعرضنا سابقا الفارق بين المتعة والسعادة ، واكتشفنا أننا دوما ننزلق في التعاسة ونحن نحاول الوصول للسعادة عن طريق الغرق في المتع ، وكأننا نسعى للجنة بالهرولة في شوارع الجحيم ، أو كمن يروي عطشه بماء البحر فيزداد عطشا حتى يهلك ، وذلك أننا جهلنا ناموس الله في خلقه ، وأعرضنا عن استخدام الكتالوج الذي وضعه الخالق لخلقه ، وتخيلنا أننا نعرف عن نفوسنا أكثر من خالقنا ومدبر أمورنا ومن إليه راجعون ، وعرفنا أن عذاب الإنسان وفشله وأحزانه قد تحيق به كنتيجة مباشرة لسوء استخدام الإنسان لهبة الإبداع (الإتيان بالجديد) ، التي منحها الله لبني آدم لتعينهم على تنفيذ المهمة التي خلقهم الله من أجلها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، واستخدامه لقدرات الإبداع في نفسه في تحصيل أكبر قدور من المتع العاجلة ، والتي إدمانها يدمر النفس والجسد ، ويفقد الإنسان القدرة على إدراك السعادة التي يبحث عنها طوال حياته .

وعرفنا أن الله عندما وضع لنا قواعد الاستخدام لنفوسنا وأنزلها على رسله وأنبيائه ، فكان رحيما بالإنسان وحليما عليه وعفوا غفورا ، فلا يأخذه بذنوبه ولا يتربص لعقابه بل يمهله ويداويه ويصبر عليه ، ولعله يتعلم ويكتشف ويدرك أن الله لم يعلمنا قواعده ويتركنا بلا حدود ذاتية ، بل وضع سبحانه الحدود في طبيعة خلق النفوس والأجساد التي نستخدمها ، فإذا تعمدت الاستسلام للشهوات وأعرضت عن استخدام الكتالوج الرباني في التعامل مع نفسك والحياة ، فسوف تفاجئك رود أفعال نفسك وجسدك بالتمرد عليك ، بل سوف تكون ردود أفعال جسدك ونفسك مهلكة ، فكل فعل مخالف لهذا الكتالوج الرباني هو خطوة في طريق تدميرك وتعاستك وخسارتك لنفسك وجسدك ، ولا يلومن الإنسان إلا نفسه ، لأنه يخالف ربه ومالك أمره ومبدع خلقه ، “وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” .

وهنا نتوقف قليلا ، وتتمرد نفوسنا علينا ، فلها أعذارها من واقع الحياة وتطوراتها ومعطياتها التي تخطف وعي البشر فيها ، فيفقدون القدرة حتى على التفكر والتدبر ، ويدفعنا هذا لنسأل .. كيف نصلح نفوسنا وكيف نواجه تيارات الحياة ، وماذا نفعل في حياتنا تحديدا .. حتى نتجنب تدمير أنفسنا ولا نخسر كل شيء ، ولكن شريطة أن لا نكلف نفوسنا ما لا تطيقه ، وما تمل منه سريعا ، ويفقدنا متعة الحياة التي أصابنا إدمان السعي خلفها ، وتفتح لنا أبواب السعادة التي فقدناها وفقدنا مفاتيح أبوابها ، ودون أن نكذب على أنفسنا ونقول أن الأمر بسيط وميسور تحقيقه دون عناء ، ولكن إذا كنا بالفعل نعاني ونحن نتخبط ما بين آمالنا في السعادة وبين ما ننزلق إليه من تعاسات المتع ، فمن الأولى أن نتقبل المعاناة (الكبد) الذي يفتح لنا أبواب السعادة حتى نعتاده ونحترف مصاحبته والتمتع بممارسته .

وليكن أول ما نبدأ به ، أن نضع أساس السعادة لنفوسنا في المستقبل ، وذلك بإجادة تعليم وتربية أبناءنا وأجيالنا القادمة ، فتلك النفوس الصغيرة الأجساد والقدرات ، من السهل أن تعلمها كيفية الحصول على مفاتيح السعادة مبكرا ، وهو ما سوف يسعد قلوبنا غدا ، سواء في وجودنا أو بدعاء جميل من نفوس زرعت فيها السعادة ، فلن تنساك أبدا ، وأول ما تعلمه لطفلك ليذكرك به دوما هو المسئولية تجاه الحياة والنفوس من حوله ، وهذه المسئولية متشعبة ومتعددة ، فأولا .. مسئوليته عن نفسه ومعطياته ، وقضاء حاجاته بنفسه ، والتخلي التدريجي عن الحاجة للآخرين ، وذلك متوازيا مع تنمية مسئوليته عن مكان نومه ومكان لعبه وبيته في كل شيء ، فأنت لا تربي قطة أو كلبا بل هي نفس جاءت الدنيا لتتعلم على يديك تحمل المسئوليات منذ نعومة أظافرها .

فلا تسمح مطلقا لطفل أن يغادر سريره دون أن يعيد ترتيبه وذلك منذ سنته الأولى ، فلابد أن يشارك في نظافة وترتيب سريره وغرفته والبيت الذي يحيا فيه ، وفإذا تجاوز الرابعة من العمر فلا يسمح له مغادرة غرفته دون أن ينظفها ويرتبها حتى ولو كان سيتأخر عن أي شيء حتى لو كانت مدرسته ، فترتيب غرفته .. نفسيا أهم بكثير في تأكيد المسئولية في نفسه ، وهو ما ندفع ثمنه غاليا عندما يعتاد أبناءنا كونهم كسالى مدللون غير مكلفين بأي التزامات فيشبون وهم لا يستطيعون فعل شيء مطلقا ، كما نعاني منهم حاليا ، لأنهم اعتادوا أن نخدمهم وندللهم لدرجة أن بعضهم فقد الإحساس بمسئوليته عن نفسه ، حتى اعتبر بعضهم أن دراسته هي من أجل والديه ولا يعنيه شيئا ، وبالتالي سوف يتحول إلى فاشلا كبيرا وعالة على المجتمع وأهله ، ثم نعود ونشكو أن الشباب لا يستقر في عمل ولا يتحمل المسئولية ، ونصرخ من تزايد معدلات الطلاق بين الشباب ، هذا إن لم ينجرف لانحرافات مهلكة .

وثانيا .. مسئوليته تجاه الآخرين ، وبدايتها أن تعلمه كيف يحب غيره ومصلحة غيره مثل نفسه تماما ، بل يجب أن يعتاد تفضيل غيره على نفسه ، من منطلق أن رزقه مكفول ومضمون ، وأن الله يكرم ويحب من يحب ويكرم غيره ويجبر خواطر غيره ، وكيف تكون سعادته في سعادة الآخرين ، كيف يعطي لغيره ، كيف يشعر بمسئوليته عندما يمتلك شيئا محببا في مشاركته مع الآخرين ، وكيف يستمتع بالعطاء والمنح وحب الخير للآخرين ، وهو خلق بديع منه تتفجر السعادة في النفوس ، وإن لم تعتاده نفس الطفل صغيرا فلن يقدم عليه كبيرا أبدا ، وهو ما ندمره في نفوس أبناءنا بتنمية حب التملك في نفوسهم ، فهذا سريره وهذا طعامه وحده ، وتلك لعبته دون غيره ، فضلا عن تلبية جميع رغباتهم وأهواءهم صغارا ، بحجة أننا نحبهم ولا نريد أن يتعبوا من أجل شيء يريدونه ، وبحجة إشباعهم (نخلي عينه مليانة) ، والنتيجة دوما عكسية ، لأنه سوف يعتاد النهم النفسي لكل ما تشتهيه نفسه ، ويعتاد الأخذ فقط فنصنع منه دون قصد لصا صغيرا يستحل الأخذ دون عطاء ونحن لا ندري ، تلك المسئولية تجاه الآخرين لن يتعلمها بالحديث والمحاضرات ، بل سيتعلمها من سلوك والديه ، فلن يتعلم العطاء من يرى والديه يخطفان من الدنيا ما تصل إليه أيديهما ، ومن يفضلون نفوسهم على غيرهم ، ولذلك صدق من قال لي يوما ، “ربي نفسك أولا ، قبل أن تصبح مسئولا عن تربية أطفال” .

وثالثا .. مسئوليته تجاه ربه ، وتلك مسئولية لا يدركها الطفل سريعا بل تزرع في نفسه كعادة أولا ، فهو يقلدك عندما تصلي ، ويصمت عندما تصمت عند سماع القرآن أو الآذان ، ويقلد خشوعك في الصلاة ، فمن اعتاد أن يرى والديه يصلون الفجر فلن يترك صلاة الفجر مطلقا ، ومن اعتاد أن يرى أمه تهمل الصلاة ، فلن ينتظم في الصلاة مهما حاولت معه ، والأهم والأخطر ، أن تعلم طفلك بتصرفاتك احترام أوامر الله ونواهيه ، فلا تكذب ولا تتجسس ولا تسرق ولا تهدر المال العام ، ولا تكن بذيء اللسان سيء الخلق في تعاملاتك ، ولا تفعل ما يغضب الله أمام ابنك ، لأنك لو فعلتها فقد أصبح فعلك مستباحا بل وقانونا محفورا في نفسه ، ولا تغتب أحدا ولا تستحل النميمة ولا سوء الحديث عن غيرك ، خلاصة القول أن ابناءك سوف يكونون صورة أخلاقية مكبرة لأخلاقك ، فعالج عيوبك وحسن أخلاقك إلى الصورة التي تحب أن يكون عليها أطفالك غدا ، وهو ما سوف تكون أنت أول يتأثر بأخلاقهم سواء أن تكون أول وأكثر من يسعد بهم أو تكون أول من يعاني من مساويء أخلاقهم .

رابعا .. يجب مراعاة الاختلاف في التربية ما بين الولد والبنت ، فالولد يجب أن يتعلم منك الرجولة ، كمسئوليتك عن أمه واحترامك لها وحنانك عليها ومساعدتك لها في كل شيء ، ورقيك في التعامل معها ، وعدم تنطعك عليها أو تجاوزك لحدود الأدب والأخلاق معها ولو للمزاح أمام أطفالك ، ولا تسمح لنفسك أن تعتاد الجلوس بين النساء ، فيقلدك ولدك فيتعود هذا ثم يصبح كما يقولون (عيل رباية امرأة) ، وكذلك البنت يجب أن لا تعتاد الجلوس بين النساء فذلك يدمر حياءها مبكرا ، ولكن البنت والولد يجب أن يعتادا التدريب على قضاء متطلبات المنزل في كل شيء بداية من النظافة والترتيب ومرورا بإعداد الطعام وحتى الاشتراك في ميزانية البيت ومشترواته ، خاصة الولد الذي يجب أن يجيد عمل كل شيء حتى ولو كان إعداد الطعام ونظافة البيت والمطبخ ودورة المياه ، والسلم والشارع أمام البيت ، فكل ما يتعلمه ابنك في تربيته سوف يضيف له قدرات تعينه على كبد الدنيا ومشاقها ، وتزيد من توافقه العضلي العصبي وترابط جسده ونفسه ، فتكون دراسته سهلة وميسورة عليه وترتقي بمستويات فهمه للحياة والعلم .

تلك أساسيات في تربية طفلك ولابد أن تكون هي ركائز أفعالك وتصرفاتك قبل أن يفاجئك ميلاد طفل وأنت تحيا حياة القطيع ، وتتصرف بلا تفكير أو محاذير ، فتكون مضطرا أن تغير أخلاقك وأساسيات حياتك جذريا أو تستسلم مثل الكثير لفوضى نفسك فتربي خروفا أو نعجة في قطيع البشر المترهل في زحمة الحياة ، وتصبح مسئولا أمام الله ثم أمام نفسك ومن بعد ذلك أمام المجتمع عن إساءة تربية نفوسا تكون حجة ولعنة عليك إلى يوم الدين ، ويبقى من الأساسيات أن نستعرض أبسط الخطوات لتربية نفسك وتقويمها بهدوء ، ثم نضرب أمثلة لردود أفعالك في المواقف المختلفة خلال المراحل السنية لنفسك وطفلك وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر