متعة السعادة .. أم تعاسة المتعة (4) …. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سويا الفارق بين المتعة وإدمان هرمون المتع (الدوبامين) والذي يقود إدمانه للإحباط و الاكتئاب والانتحار في النهاية ، وبين السعادة وهرمونها (السيرتونين) الذي يحدث الرضا والسكينة والسعادة ، وعرفنا أن المتع تعتمد على الأخذ والاكتساب من اللآخرين والدنيا ، بينما السعادة تعتمد على العطاء والاهتمام بحاجات الآخرين ، وهي فطرة خلقها الله في نفوس كل البشر  {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، وذلك هو ناموس الله في خلقه ، فالنفوس والأجساد لا تقوى ولا يشتد عودها إلا بالمشقة والتعب والكدح في الدنيا ، ولذلك قلنا أن هناك أساسيات في تربية نفسك قبل طفلك ، ولابد أن تكون هذه الأساسيات ركائز لأفعالك وتصرفاتك قبل أن يفاجئك ميلاد طفل وأنت تحيا حياة القطيع ، وتتصرف بلا تفكير أو محاذير ، فتكون مضطرا أن تغير أخلاقك وأساسيات حياتك جذريا أو تستسلم مثل الكثيرين لفوضى نفسك فتربي خروفا أو نعجة في قطيع البشر المترهل في زحمة الحياة ، وتصبح مسئولا أمام الله ثم أمام نفسك ومن بعد ذلك أمام المجتمع عن إساءة تربية نفوسا سوف تصبح حجة ولعنة عليك إلى يوم الدين .

ولا شك أن هناك لغط كبير في أساليب تقويم النفس ، لدرجة أنه أصبح علوم متشعبة ، منها تربية الطفل ، ثم العلاج النفسي ، ثم التنمية البشرية ، ومنها ما تختص بمعالجة سلبيات النفوس مثل الـ (كوتشينج) ، ومنها ما يسمونه الشراكة النفسية ، ومنها برامج تربوية مدرسية ، وفي هذه المجالات المتعددة لدينا مؤلفات لا حصر لها في مختلف بلاد العالم خاصة في الغرب وبعض دول آسيا ، ولكن معظم هذه البرامج مزعجة للنفوس ومربكة وغالبا ما يتمرد عليها الإنسان بعد فترة لشعوره بالملل وعدم توافقها مع طبيعة نفسه ، وكثيرا ما تحدث تقدما ، يعقبه ارتدادا لما هو أسوأ ، وذلك أنه بنى على حقائق خلق مخالفة لطبيعة النفس البشرية ، فمعظمها نظريات علماء أساسها التجارب على المختلين نفسيا ، وهو ما يختلف كثيرا في مفاهيمه عن حقائق خلق النفس البشرية كما أبدعها الخالق العظيم .

فالنفس البشرية محكومة بصفات فطرية وضعها الله في النفس المجردة ويولد الإنسان بها ، مثل قدرة الشفافية أو ما يمكن تسميته بالوعي الموقوت ، فطفلك يولد اليوم وهو يعي تماما ما يدور حوله من تفاعلات النفوس البشرية ، بل يولد وقدراته النفسية الغير المرئية أكبر بكثير من أي شخص بالغ وناضج ، ولذلك تجد طفلك يقبل على شخص غريب ويرفض أحيانا والده ، وينام بين يدي شخص لا تعرفه ، وينزعج ويصرخ لو حاول شخص بعينه احتضانه ، وذلك أنه يرى حقيقة النفوس مجردة ، دون الحاجة لاستخدام الحواس المعروفة ، وقد تدخل بطفلك لمكان فتجده سعيدا به ، ومكان آخر يصرخ ويحاول مغادرته ، فهو يرى ويشعر بما لا تراه أو تشعر به ، خاصة في مرحلة ما قبل الكلام والقدرة على وصف ما يراه أو يشعر به ، ولذلك تكون الأطفال دوما علامة صادقة على النفوس والأماكن .

ثانيا .. الأمان ، فالنفس البشرية تعشق الأمان ، وهي فطرة لا تتغير مطلقا عبر سنوات عمره ، فالأمان هو أول احتياجات النفس البشرية في الحياة ، ولذلك لن ينجح أحد في تربية أو علاج أي نفس بشرية ما لم تكن هذه النفس تشعر بالأمان معه وفي وجوده ، ولذلك ينصح دوما بعدم استكمال الطبيب النفسي أو المعالج للعلاج مع شخص لا يثق فيه أو لا يشعر معه بالأمان ، وكذلك طفلك لن يتعلم على يد معلم لا يثق فيه أو لا يشعر في وجوده بالأمان ، ولن تؤتي أية تربية ثمارها ما لم يشعر الطفل أو الصبي بالأمان والثقة مع من يربيه ، وهو ما يفقده الوالد كثيرا مع ابنائه عندما عنيفا أو عصبيا ويرونه وهو يصرخ ويضرب أو يسب أو يمارس العنف اللفظي أو اليدوي مع الأم أو المحيطين به .

ثالثا .. المصداقية ، فالطفل يفقد المصداقية تجاه شخص بعينه سريعا ، وقد ينسى مرات ومرات ولكنها لو تكررت ، فسوف تحفر في نفسه عدم تصديق هذا الشخص حتى لو كانت أمه أو ابيه أو إخوته ، وعندما يفقد الشخص مصداقيته مع طفل ، فسوف تتحول مشاعره تجاهه إلى فقد الأمان والثقة ، وهو ما يتواكب مع رفض التربية والتعليم على يديه ، وتلك أحد أهم وأخطر ما يفقد الوالدين والمعلم في المدرسة قدرته على التعامل مع الأبناء أيا كانت أعمارهم خاصة لو كانوا يافعين وتخطوا سنوات البلوغ ، وغالبا ما يفقد الطفل مصداقيته في كل من حوله لو فقد مبكرا مصداقيته فيمن يربيه .

رابعا .. الأنا .. وهي أحد أهم وأخطر سمات النفس البشرية ، حيث يولد الطفل ولا يملك في عالمه سواها ، ويتعلم تدريجيا خلال سنواته الأولى قيم المشاركة والمساواة من بيئته ، فهو يولد لا يعنيه في الدنيا سوى نفسه واحتياجاته ، ولا يستوعب عقله سوى ذلك ، ولكنه لديه الاستعداد الفطري لتقبل وجود غيره ومشاركتهم في متطلباتهم بالتبادل ، وإن لم يتعلمها مبكرا ، فسوف نعاني من أنانيته عبر سنوات عمره كلها ، لأن تهذيب وتربية “الأنا” على المساواة والمشاركة لابد وأن تبدأ منذ سنوات عمره الأولى ، بتدريبه على العطاء قبل الأخذ ، ومساعدة الغير وتفضيل الغير على النفس ، قبل أن تتضخم “الأنا” في نفسه ، ويتحول لمتكبر مغرور يستحيل تربيته وعلاجه كبيرا .

خامسا .. الأبداع .. وهي فطرة نعني بها (الرغبة في الإتيان بالجديد ، فطفلك مولود وفي نفسه يريد أن يفعل أشياء لم يفعلها أحد من قبله ، وهي فطرة منحها الله لابن آدم لتعينه على تنفيذ مهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، ويقع ابن آدم دوما في ثلاثة أنواع من سوء استخدام هذه الفطرة ، الأول .. قتل الوالدين والمربين للإبداع مبكرا في نفوس الأطفال ، فيتحول الطفل لمسخ لا يجرؤ على الإتيان بجديد ، كنتيجة مباشرة للقمع والكبت والسيطرة المبالغ فيها على الأطفال ، أو التدليل المبالغ فيه وتلبية كل طلباته واحتياجاته ، أو التنمر المستمر والسخرية من قدراته وإمكانياته ، والنوع الثاني هو المبالغة في التشجيع على الإبداع ، حتى يعتاد الطفل خداع نفسه ، فيغتر ويخدع نفسه بتضخيم قدراته الضعيفة ، فيكذب ويعتاد الكذب والخداع ، ثم يتحول تدريجيا لنصاب أو مجرم صغير ، والنوع الثالث .. هو سوء استخدام فطرة الإبداع .. وهي عادة متفشية في معظم البشر ، وظاهرة مسيطرة حتى على الدول والكيانات ، حتى أصبح العري وممارسة الفواحش بل والشذوذ يعتبرونه في أعراف البشر نوعا من الإبداع الذي يمجدونه ويتفاخرون ويحتفلون به ، وزادوا من المبالغة فيه باستغلال أهواء وشهوات البشر ، فتجد فاشل علميا وأخلاقيا واجتماعيا لاعبا أو مغنيا أو بلطجيا وقد أصبح رمزا للشباب ويمتلك الملايين ، وفي المقابل نجد علماء يعلمون ، ويسهمون في تقدم البشرية ، يكاد بعضهم يتسول قوت يومه ، بل وبلغ سوء استخدام الإبداع لدى البشر لتزوير الكتب السماوية ، حتى أننا نجد بعضها زاخرا بقصص فاحشة ومتدنية ، وافتراءات على رسل الله وأنبيائه ، وخيالات علمية في الخلق تنافي أي منطق أو عقل ، ويقولون لنا أنه كلام الله المقدس ، وحتى الكتاب الوحيد الذي نجا من التحريف وهو كتاب المسلمين ، أغلقوا الفهم فيه ، وامتلأت كتبهم ودينهم وعقيدتهم بما يخالف كتابهم تماما ، ويرفضون أية محاولة لتنقيح دينهم الذي زوروه وملأوه بالضلالات المقدسة .

سادسا .. الميل لتلبية الشهوات سريعا ، وهو ما يجعل الإنسان يفقد التمييز والعقل تماما عندما تشتعل رغبته لأحد الشهوات السبعة المهلكات {الجنس – المال – السلطة – الشهرة – الكلام – الطعام – الراحة} ، وتظهر هذه الشهوات في طفلك تدريجيا بداية من شهوة الطعام فحب الامتلاك فإدمان التشجيع وحب الآخرين ، فالجنس بالميل لما يخالف جنسه ثم الكلام بلا هدف وأخيرا الكسل وعدم الرغبة في تحمل المسئولية ، وتلك الشهوات لابد وأن يتم تنظيم عملها للطفل وتعليمه كيفية السيطرة عليه ، وعدم تجاوز الحقوق فيها والجور على حقوق الآخرين ، ولكن بشرط مراعاة انضباط سلوكيات من يربي الطفل في ممارسة هذه الشهوات أمام الطفل ، فالطفل يربيه ما يراه من سلوكيات وتصرفات وليس بالتعليمات والمحاضرات .

سابعا .. حب الخير .. وتلك فطرة نغفل عنها ولا ننميها في أطفالنا ، فالله خالق البشر ، يقول عن الإنسان .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، فالنفس البشرية بفطرتها تحب الخير وفعله ، لأن فعل الخير أو رؤيته يفجر في نفس الطفل والإنسان عموما هرمونات السعادة ، وتشعره بالطمأنينة والرضا والسكينة ، ولذلك يجب علينا أن نكثر من ممارسة وعرض أوجه الخير على أطفالنا ، فيشاركوننا في حل مشاكل الآخرين ، وإخراج الصدقات والزكاة وإطعام المساكين ومساعدتهم ، حتى يصبح هذا جزءا من عاداتهم وسلوكياتهم ، وركائز لطبيعة نفوسهم ، وبذلك نضمن اعتياد استمرار تدفق هرمونات السعادة مثل (السيروتونين) في دماءهم ، وهو ما يضمن استقرار نفوسهم وسكينتها وقدرتها على تحمل مصاعب الحياة .

أخيرا يبقى لنا ثوابت أسس التربية للنفس ثم للأطفال ، وكيفية توجيه أطفالنا بهدوء وسلاسة ، وماذا نصدق من برامج وعلوم التربية للطفل ، والاختلافات ما بين تربية الولد والبنت ، وكيفية مواجهة المواقف الحادة والمفاجئة في تربية الأبناء ، وكيفية التعامل واتخاذ القرارات المصيرية في مستقبل تربية الأطفال خاصة في حالات الانفصال ، وهو ما سوف نستكمله لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *