متعة السعادة .. أم تعاسة المتعة (4) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
26 أغسطس، 2021
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, غير مصنف
923 زيارة

استعرضنا سويا الفارق بين المتعة وإدمان هرمون المتع (الدوبامين) والذي يقود إدمانه للإحباط و الاكتئاب والانتحار في النهاية ، وبين السعادة وهرمونها (السيرتونين) الذي يحدث الرضا والسكينة والسعادة ، وعرفنا أن المتع تعتمد على الأخذ والاكتساب من اللآخرين والدنيا ، بينما السعادة تعتمد على العطاء والاهتمام بحاجات الآخرين ، وهي فطرة خلقها الله في نفوس كل البشر {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، وذلك هو ناموس الله في خلقه ، فالنفوس والأجساد لا تقوى ولا يشتد عودها إلا بالمشقة والتعب والكدح في الدنيا ، ولذلك قلنا أن هناك أساسيات في تربية نفسك قبل طفلك ، ولابد أن تكون هذه الأساسيات ركائز لأفعالك وتصرفاتك قبل أن يفاجئك ميلاد طفل وأنت تحيا حياة القطيع ، وتتصرف بلا تفكير أو محاذير ، فتكون مضطرا أن تغير أخلاقك وأساسيات حياتك جذريا أو تستسلم مثل الكثيرين لفوضى نفسك فتربي خروفا أو نعجة في قطيع البشر المترهل في زحمة الحياة ، وتصبح مسئولا أمام الله ثم أمام نفسك ومن بعد ذلك أمام المجتمع عن إساءة تربية نفوسا سوف تصبح حجة ولعنة عليك إلى يوم الدين .

ولا شك أن هناك لغط كبير في أساليب تقويم النفس ، لدرجة أنه أصبح علوم متشعبة ، منها تربية الطفل ، ثم العلاج النفسي ، ثم التنمية البشرية ، ومنها ما تختص بمعالجة سلبيات النفوس مثل الـ (كوتشينج) ، ومنها ما يسمونه الشراكة النفسية ، ومنها برامج تربوية مدرسية ، وفي هذه المجالات المتعددة لدينا مؤلفات لا حصر لها في مختلف بلاد العالم خاصة في الغرب وبعض دول آسيا ، ولكن معظم هذه البرامج مزعجة للنفوس ومربكة وغالبا ما يتمرد عليها الإنسان بعد فترة لشعوره بالملل وعدم توافقها مع طبيعة نفسه ، وكثيرا ما تحدث تقدما ، يعقبه ارتدادا لما هو أسوأ ، وذلك أنه بنى على حقائق خلق مخالفة لطبيعة النفس البشرية ، فمعظمها نظريات علماء أساسها التجارب على المختلين نفسيا ، وهو ما يختلف كثيرا في مفاهيمه عن حقائق خلق النفس البشرية كما أبدعها الخالق العظيم .

فالنفس البشرية محكومة بصفات فطرية وضعها الله في النفس المجردة ويولد الإنسان بها ، مثل قدرة الشفافية أو ما يمكن تسميته بالوعي الموقوت ، فطفلك يولد اليوم وهو يعي تماما ما يدور حوله من تفاعلات النفوس البشرية ، بل يولد وقدراته النفسية الغير المرئية أكبر بكثير من أي شخص بالغ وناضج ، ولذلك تجد طفلك يقبل على شخص غريب ويرفض أحيانا والده ، وينام بين يدي شخص لا تعرفه ، وينزعج ويصرخ لو حاول شخص بعينه احتضانه ، وذلك أنه يرى حقيقة النفوس مجردة ، دون الحاجة لاستخدام الحواس المعروفة ، وقد تدخل بطفلك لمكان فتجده سعيدا به ، ومكان آخر يصرخ ويحاول مغادرته ، فهو يرى ويشعر بما لا تراه أو تشعر به ، خاصة في مرحلة ما قبل الكلام والقدرة على وصف ما يراه أو يشعر به ، ولذلك تكون الأطفال دوما علامة صادقة على النفوس والأماكن .

ثانيا .. الأمان ، فالنفس البشرية تعشق الأمان ، وهي فطرة لا تتغير مطلقا عبر سنوات عمره ، فالأمان هو أول احتياجات النفس البشرية في الحياة ، ولذلك لن ينجح أحد في تربية أو علاج أي نفس بشرية ما لم تكن هذه النفس تشعر بالأمان معه وفي وجوده ، ولذلك ينصح دوما بعدم استكمال الطبيب النفسي أو المعالج للعلاج مع شخص لا يثق فيه أو لا يشعر معه بالأمان ، وكذلك طفلك لن يتعلم على يد معلم لا يثق فيه أو لا يشعر في وجوده بالأمان ، ولن تؤتي أية تربية ثمارها ما لم يشعر الطفل أو الصبي بالأمان والثقة مع من يربيه ، وهو ما يفقده الوالد كثيرا مع ابنائه عندما عنيفا أو عصبيا ويرونه وهو يصرخ ويضرب أو يسب أو يمارس العنف اللفظي أو اليدوي مع الأم أو المحيطين به .

ثالثا .. المصداقية ، فالطفل يفقد المصداقية تجاه شخص بعينه سريعا ، وقد ينسى مرات ومرات ولكنها لو تكررت ، فسوف تحفر في نفسه عدم تصديق هذا الشخص حتى لو كانت أمه أو ابيه أو إخوته ، وعندما يفقد الشخص مصداقيته مع طفل ، فسوف تتحول مشاعره تجاهه إلى فقد الأمان والثقة ، وهو ما يتواكب مع رفض التربية والتعليم على يديه ، وتلك أحد أهم وأخطر ما يفقد الوالدين والمعلم في المدرسة قدرته على التعامل مع الأبناء أيا كانت أعمارهم خاصة لو كانوا يافعين وتخطوا سنوات البلوغ ، وغالبا ما يفقد الطفل مصداقيته في كل من حوله لو فقد مبكرا مصداقيته فيمن يربيه .

رابعا .. الأنا .. وهي أحد أهم وأخطر سمات النفس البشرية ، حيث يولد الطفل ولا يملك في عالمه سواها ، ويتعلم تدريجيا خلال سنواته الأولى قيم المشاركة والمساواة من بيئته ، فهو يولد لا يعنيه في الدنيا سوى نفسه واحتياجاته ، ولا يستوعب عقله سوى ذلك ، ولكنه لديه الاستعداد الفطري لتقبل وجود غيره ومشاركتهم في متطلباتهم بالتبادل ، وإن لم يتعلمها مبكرا ، فسوف نعاني من أنانيته عبر سنوات عمره كلها ، لأن تهذيب وتربية “الأنا” على المساواة والمشاركة لابد وأن تبدأ منذ سنوات عمره الأولى ، بتدريبه على العطاء قبل الأخذ ، ومساعدة الغير وتفضيل الغير على النفس ، قبل أن تتضخم “الأنا” في نفسه ، ويتحول لمتكبر مغرور يستحيل تربيته وعلاجه كبيرا .

خامسا .. الأبداع .. وهي فطرة نعني بها (الرغبة في الإتيان بالجديد ، فطفلك مولود وفي نفسه يريد أن يفعل أشياء لم يفعلها أحد من قبله ، وهي فطرة منحها الله لابن آدم لتعينه على تنفيذ مهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، ويقع ابن آدم دوما في ثلاثة أنواع من سوء استخدام هذه الفطرة ، الأول .. قتل الوالدين والمربين للإبداع مبكرا في نفوس الأطفال ، فيتحول الطفل لمسخ لا يجرؤ على الإتيان بجديد ، كنتيجة مباشرة للقمع والكبت والسيطرة المبالغ فيها على الأطفال ، أو التدليل المبالغ فيه وتلبية كل طلباته واحتياجاته ، أو التنمر المستمر والسخرية من قدراته وإمكانياته ، والنوع الثاني هو المبالغة في التشجيع على الإبداع ، حتى يعتاد الطفل خداع نفسه ، فيغتر ويخدع نفسه بتضخيم قدراته الضعيفة ، فيكذب ويعتاد الكذب والخداع ، ثم يتحول تدريجيا لنصاب أو مجرم صغير ، والنوع الثالث .. هو سوء استخدام فطرة الإبداع .. وهي عادة متفشية في معظم البشر ، وظاهرة مسيطرة حتى على الدول والكيانات ، حتى أصبح العري وممارسة الفواحش بل والشذوذ يعتبرونه في أعراف البشر نوعا من الإبداع الذي يمجدونه ويتفاخرون ويحتفلون به ، وزادوا من المبالغة فيه باستغلال أهواء وشهوات البشر ، فتجد فاشل علميا وأخلاقيا واجتماعيا لاعبا أو مغنيا أو بلطجيا وقد أصبح رمزا للشباب ويمتلك الملايين ، وفي المقابل نجد علماء يعلمون ، ويسهمون في تقدم البشرية ، يكاد بعضهم يتسول قوت يومه ، بل وبلغ سوء استخدام الإبداع لدى البشر لتزوير الكتب السماوية ، حتى أننا نجد بعضها زاخرا بقصص فاحشة ومتدنية ، وافتراءات على رسل الله وأنبيائه ، وخيالات علمية في الخلق تنافي أي منطق أو عقل ، ويقولون لنا أنه كلام الله المقدس ، وحتى الكتاب الوحيد الذي نجا من التحريف وهو كتاب المسلمين ، أغلقوا الفهم فيه ، وامتلأت كتبهم ودينهم وعقيدتهم بما يخالف كتابهم تماما ، ويرفضون أية محاولة لتنقيح دينهم الذي زوروه وملأوه بالضلالات المقدسة .

سادسا .. الميل لتلبية الشهوات سريعا ، وهو ما يجعل الإنسان يفقد التمييز والعقل تماما عندما تشتعل رغبته لأحد الشهوات السبعة المهلكات {الجنس – المال – السلطة – الشهرة – الكلام – الطعام – الراحة} ، وتظهر هذه الشهوات في طفلك تدريجيا بداية من شهوة الطعام فحب الامتلاك فإدمان التشجيع وحب الآخرين ، فالجنس بالميل لما يخالف جنسه ثم الكلام بلا هدف وأخيرا الكسل وعدم الرغبة في تحمل المسئولية ، وتلك الشهوات لابد وأن يتم تنظيم عملها للطفل وتعليمه كيفية السيطرة عليه ، وعدم تجاوز الحقوق فيها والجور على حقوق الآخرين ، ولكن بشرط مراعاة انضباط سلوكيات من يربي الطفل في ممارسة هذه الشهوات أمام الطفل ، فالطفل يربيه ما يراه من سلوكيات وتصرفات وليس بالتعليمات والمحاضرات .

سابعا .. حب الخير .. وتلك فطرة نغفل عنها ولا ننميها في أطفالنا ، فالله خالق البشر ، يقول عن الإنسان .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، فالنفس البشرية بفطرتها تحب الخير وفعله ، لأن فعل الخير أو رؤيته يفجر في نفس الطفل والإنسان عموما هرمونات السعادة ، وتشعره بالطمأنينة والرضا والسكينة ، ولذلك يجب علينا أن نكثر من ممارسة وعرض أوجه الخير على أطفالنا ، فيشاركوننا في حل مشاكل الآخرين ، وإخراج الصدقات والزكاة وإطعام المساكين ومساعدتهم ، حتى يصبح هذا جزءا من عاداتهم وسلوكياتهم ، وركائز لطبيعة نفوسهم ، وبذلك نضمن اعتياد استمرار تدفق هرمونات السعادة مثل (السيروتونين) في دماءهم ، وهو ما يضمن استقرار نفوسهم وسكينتها وقدرتها على تحمل مصاعب الحياة .

أخيرا يبقى لنا ثوابت أسس التربية للنفس ثم للأطفال ، وكيفية توجيه أطفالنا بهدوء وسلاسة ، وماذا نصدق من برامج وعلوم التربية للطفل ، والاختلافات ما بين تربية الولد والبنت ، وكيفية مواجهة المواقف الحادة والمفاجئة في تربية الأبناء ، وكيفية التعامل واتخاذ القرارات المصيرية في مستقبل تربية الأطفال خاصة في حالات الانفصال ، وهو ما سوف نستكمله لاحقا ..
جمال عمر