متعة السعادة .. أم تعاسة المتعة (2) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا الفارق بين المتعة والسعادة ، واكتشفنا أننا دوما ننزلق في التعاسة ونحن نحاول الوصول للسعادة عن طريق الغرق في المتع ، وكأننا نسعى للجنة بالهرولة في شوارع الجحيم ، أو كمن يروي عطشه بماء البحر فيزداد عطشا حتى يهلك ، وذلك أننا جهلنا ناموس الله في خلقه ، فالسعادة لا يمكن الحصول عليها إلا بالعطاء والكد والكدح والسعي لسعادة الآخرين ، حتى أن الله خلق النفس البشرية والجسد الذي تسكنه بنفس الطريقة ، فكلا من النفس والجسد لا يقويان ولا يجدان صحتهما إلا بمزيد من التعب والكد والكدح ، فالنفس المرفهة ضعيفة ولا تصلح لمشاركة الآخرين حياتهم ، ولا تتحمل مسئولية غيرها ولا نفسها ، ولا يمكن الاعتماد عليها ولا تصل للسعادة مطلقا ، وكذلك الجسد المرفه الكسول يصبح ضعيفا مترهلا لا يقوى على الجهد والعطاء ، وتهلكه الأمراض والسقام ، لأنه دوما في حاجة لمن يعينه ، ولا يساعد النفس للوصول للسعادة مطلقا .

وعرفنا لماذا ترتفع معدلات الانتحار في الدول الغنية والتي يتمتع أهلها بأعلى درجات الرفاهية ، حيث تغرق النفوس في المتع ومع تزايد إشباع المتع ، يتزايد إدمان الجسم لهرمون المتعة “الدوبامين” ، والذي فرط إدمانه أشد خطرا من إدمان المخدرات ، وفرط إدمانه يأتي من اعتياد البحث والتفكير والانشغال بتحصيل أكبر قدور من المتعة ، فمثلا هذا محمول جديد لمجرد التقليد ، وتلك سيارة جديدة لمجرد التباهي بها ، بل وأبسط من هذا أن تسهر أمام الفضائيات أو على الكافيه كل يوم وبلا حدود ، أو تترك ولدك فريسة للألعاب الاليكترونية واللهو حتى ترتاح من شقاوته وإزعاجه ، فتعتاد البحث والغرق فيما تشتهي من المتع ، حتى يصبح الدوبامين إدمانا في دمك ، ويسبب انسحابه السريع اكتئابا للنفس ثم الإحباط والتعاسة وعدم القدرة على تحمل أي أعباء للحياة ، حيث تتأثر النفس كثيرا بما يفرزه الجسم من هرمونات ، كنتيجة مباشرة لانحراف النفس عما خلقها الله من أجله ، وهو اعتيادها الأخذ فقط وعدم العطاء أو مشاركة الغير في حركة الحياة ، وهو ما يصل بالنفس إلى فكرة التخلص من الحياة بسهولة ، ناهينا عن حالات الانتحار الشاذة بين مختلف الطبقات والبشر والتي تأتي في مواقف حادة وشاذة ، أو نتيجة تربية عشوائية مرفهة فاشلة ، ولذلك تركز الدول الواعية صاحبة الحضارات الأصيلة مثل بعض الدول الآسيوية على تربية أبناءها على عشق العمل والكدح والعطاء والاحترام للغير ، وتقديم الجماعة على الفرد كوسيلة لتحقيق السعادة المجتمعية .

ولعلنا تساءلنا .. لماذا تستمر وتستقر حالات الزواج بين الفقراء ومحدودي الدخل وهم يكدحون من أجل لقمة العيش طوال حياتهم ، والإجابة بسيطة وهي أنهم يقضون سنوات طويلة يسعدون بالنجاح في استكمال احتياجات بيوتهم الأساسية التي لم يستطيعوا توفيرها قبل الزواج ، فتسعدهم أبسط الأشياء ويعرفون قيمة التواصل والتعاون والمشاركة والعشرة والصبر ، مما ينبت في قلوبهم حالات حب وعشق عظيمة وقوية تدوم مدى أعمارهم ، وهي حالات كانت هي العامة والمسيطرة في زمن مضى ، حيث كان الزوجان يبدأون حياتهم بأبسط الأساسيات ، وينقصهم الكثير سواء من الماديات أو التعارف النفسي والجسدي ، وهو ما كان يمنحهم فرصة عظيمة لتدوم العلاقة أكثر بينهما ، بتزايد التعارف بينهما يوما بعد يوم ، مع آمال كبيرة باستكمال ما ينقصهم من الاحتياجات المادية والنفسية والجسدية بينهما ، فلا يصل الحال بينهم للملل مطلقا ، ولا يصلون للخلاف المؤدي للخسارة والكراهية والتفريق ، لأن النفوس عند الزواج بأقل قدر ممكن من التعارف النفسي والجسدي وكذلك أقل قدر ممكن من الكماليات ، تكون ما زالت عطشى للتواصل والاستكمال لمتطلبات الحياة المادية والجسدية والنفسية ، وهو ما يستغرق منهم وقتا أطول يحتاجونه لبناء حصون التوافق والعشرة الضامنة للاستمرار .

بينما اليوم في زمن إشباع المتعة ، تدهورت كثيرا أنماط العلاقات ، حيث تفشي بين البشر خاصة الشباب أكذوبة ضرورة التعارف وأحيانا الحب قبل الزوج وقد يتطور للعشق ، ويصرون على ضرورة دراسة كل من العروسين لبعضهما قبل الزواج ، بكثير من اللقاءات والخروجات والهدايا والتداخلات وأحيانا السفر ، والأخطر هو ممارسة الحديث على المحمول والواتس والفيس بالساعات عن كل كبيرة وصغيرة ، ولا مانع من التواصل الجسدي سرا أو علنا بين بعض الطبقات ، ليكتشفوا بعد الزواج أنه لم يعد هناك جديد يسعون لاكتشافه سويا ، فضلا عن معضلة صغيرة ، وهي أن ما كانا يتبادلانه سرا قبل الزواج يكون له طعم مختلف وممتع نفسيا وجسديا ، وهو ما سوف يختفي بعد الزواج لاختلاف ظروفه ومتطلباته بعد أن حولوه لواجبات مملة بإشباع رغباتهم قبل الزواج ، وهكذا يفعلون في متطلبات الزواج المادية حيث يتباهون ويتنافسون في تجهيز بيوت الزوجية بأكبر قدر من الكماليات فضلا عن الأساسيات ، لدرجة ظهور الغارمات في تجهيز بناتهن ، والتكبيل بالديون قبل الزواج ، فتبدأ الحياة بينهما وهما قد وصلا لدرجة الإشباع المادي والنفسي وربما الجسدي ، فلا يوجد لديهما ما يستمتعان باستكماله أو اكتشافه والاستمتاع به سويا ، فيبدأون سريعا رحلة الملل والتربص والمقارنة النفسية ، وتساعدهما واقعية الحياة بكبدها ومتاعبها على سرعة الملل والندم والخلاف والاكتئاب ثم الكراهية والفراق بمختلف صوره التي نعرفها ونراها في المحاكم أو بين العائلات مع مزيد من الجروح النفسية والتشريد للأطفال والمشكلات الاجتماعية المزمنة .

ذلك ببساطة ما يفعله الاستسلام لأهواء إشباع المتع في النفوس ، نتيجة الجهل بطبيعة النفوس ومتطلبات سعادتها ، والخلط بين مفهوم المتعة ومفهوم السعادة ، ولذلك لا يعتبر منع العروسان من الاختلاط والاختلاء ببعضهما قبل الزواج تصرفا متزمتا أو خاطئا ، بل هو عين الحكمة لضمان دوام السعادة بينهما فيما بعد (حتى يجدا ما يشغلهما ويتحدثان فيه ويحلمان سويا بتحقيقه) ، ويكفيهما القبول النفسي بينهما ، وقليل من تبادل الحديث أمام الأهل وليس عبر المحمول والواتس والتواصل الاجتماعي ، مع تحري طرفي الأهل عن بعضهما ، وكذلك كان تجهيز بيت الزوجية بالأساسيات مسئولية كاملة للعريس ، وهو عين الحكمة ، أولا لقطع الطريق عن مزيدا من اختلاف الأذواق في التجهيز وغلق لأبواب الخلاف بين العائلتين ، ثانيا .. ليترك للزوجين الجديدين فرصة كبرى لنوعين من الآمال يضمنان استمرار الزواج ، ويكفلان تجاوز سنوات التوافق الأولى ، وهو ضروري لنفوس العروسان بعد الزواج وتعطيهم فرصة لتدوم بينهما العشرة في رحلة الحياة الزوجية ، في حماية وانشغال بنوعين أو جناحين من الآمال والأحلام الجميلة التي تستشرف حياة جديدة يتمنون النجاح فيها ، وأول الجناحين هو الجناح الذاتي حيث يبدآن رحلة التعارف والتوافق النفسي والجسدي بعد الزواج بحذر وحياء (لأنهما لم يكسرا الحياء بينهما قبل الزواج) والتي تنمو وتزهر بقدوم الأطفال بجمالها وأعباءها ، وثاني الجناحين هو رحلة المشاركة في تدبير استكمال احتياجاتهما من التجهيزات المختلفة التي لم يستكملوها قبل الزواج .

فإذا كان الشاب والفتاة قد عرفوا كل كبيرة وصغيرة عن بعضهما في فترة الخطبة ، وتحدثا لشهور وربما سنوات لساعات طويلة كل يوم ، وبالقطع سوف يكون من هذه المعلومات المتبادلة أشياء غير حقيقية ، حرص كل منهما عن السؤال عنها ، وحرص الطرف الآخر على تجميلها ، وإذا كانا قد مارسا كل ألوان الحب النفسي والعذري وربما تجاوزاه في لهيب العشق وآمال الحب مرات ومرات ، فسوف يصلون للزواج وقد تشبعا تماما ببعضهما ، ولم يعد لديهما جديدا يقدمانه لبعضهما سوى أن يكتشف كل منهما عيوب الآخر وأكاذيبه خلال الخطبة ، ونقاط ضعفه ومساوئه ، ومساويء أهله ، خاصة وأنهما ليس لديهما ما يشغلهم من استكمال تجهيز البيت الذي حرصا على استكماله بكل الكماليات ، فسوف ينزلقون سريعا في زخم رحلة التربص والتحدي والسيطرة والخلاف والمحاسبة والجدال والمشاجرات والتنافس في سوء الأخلاق وانعدام الحياء الذي كسرانه خلال الخطبة ، وبالتالي فالنهاية بينهما محتومة وقادمة عاجلا أو آجلا ، وسعداء الحظ من يفترقان مبكرا قبل التورط في الزواج ، فمثل هذه الزيجات فاشلة بكل المقاييس ، وليس ذلك لعيب في الشخصين مطلقا ، ولكن فقط لأن في أساليب بدايات الزواج وتفصيلاته التي ركزت على المتعة والأخذ قدر الاستطاعة ، وبالتالي قد خالفت ناموس الخالق في خلق النفوس والأجساد ، فاستحقت النتيجة .

والعجيب أننا نغفل عن حكمة ناموس الكون وعدالة الله في توزيعه للأرزاق بمختلف صورها ، فهناك نفوس جاهلة تفضل المتع على السعادة أو تظن أن السعادة في مزيد من المتع ، أو يغلبها ضعف نفسها لتستزيد من المتع ، فيأتيها عقابها من طبيعة خلق الله لنفوسها وأجسادها سريعا ، بل وقمة الجهل فيمن يظن أنه يمتلك الحرية في التصرف في نفسه كما يشاء ، لأنه لا يعلم أن مجرد انحرافه عن أسلوب الحياة التي فرضها الله عليه في الدنيا ، هو تدمير متعمد منه لنفسه وجسده ، فمدمن متعة الخمر ينتهي به الحال بتدمير عقله وجهازه العصبي وجهازه الهضمي والدوري وقلبه ، ومدمن متعة الزنا ينتهي به الحال بمختلف ألوان السرطانات والأمراض الخبيثة ، ومدمن متع المخدرات يدمر عقله ومختلف أجهزة جسده ، ومدمن صفحات التواصل يدمر حياته الاجتماعية ويفقد قدرته على إيجاد السعادة في الحياة الواقعية ، ومدمن متعة الكلام بحرية وبلا حدود يفقد أقرب الناس ، فلا حياة بلا حدود ، بل إن الله خلق الكون وجميع مخلوقاته وقضى وفرض حدودا وخلق في طبيعة فطرة المخلوقات ما يحمي ويصون هذه الحدود ، فمن تخطاها دفع الثمن غاليا من سعادته التي لا ينالها ولا يصل إليها إلا بالالتزام بحدود الخالق في خلقه .

وليس عجيبا أننا كلما تقدمنا في العلم والتكنولوجيا نكتشف أننا في قمة الجهل حتى بطبيعة خلقنا كنفوس وأجساد ، ولذلك أسعد الناس من أطاع وخضع لحدود خالقه دون تفكير أو جدال ، والذي يحترفه البشر كجزء من فطرة الإبداع التي رزقنا الله بها في نفوسنا لنعمر بها الأرض ، فإذا بنا نسيء استخدامها في مخالفة طبيعة خلق نفوسنا وأجسادنا ، وكأننا أعلم بنا من الخالق مدفوعين بشهوات ورغبات نفوسنا الأمارة بالسوء ، وليس هذا تشاؤما ولا تجنيا على البشر ، ولكنه واقع الحياة الذي نراه في أحوال البشر وتطورات حياتهم ، فهم مدمنون للبحث عن مرادهم في غير مكانه ، ويسلكون الطرق الخاطئة ويظنون أنهم سيصلون لما يتمنون ، فيصلحون نتائج أخطاءهم بمزيد من الأخطاء ، فترى ظواهر العري والإباحية باسم التطور في معظم دول العالم قد أفرزت مزيدا من الانحراف والمشاكل والجرائم الاجتماعية ، فلا يعتبرون ولا يرجعون ، ولكن يعالجونها بمزيد من الفجور والعري والشذوذ باسم الحرية ، ومحاربة الزواج بتشديد شروطه ومتطلباته ، حتى وصل الحال في كثير من دول العالم المتقدم إلى الإحجام عن الزواج ، وتفشي ظاهرة الأم العزباء بل ووصلت معدلات أطفال الملاجيء في بعض الدول المتقدمة لأكثر من 80% من الأطفال والشباب ، وتفشت ظواهر الاغتصاب والتحرش والخطف والقتل المتسلسل ، وأصبح الإتجار بالأطفال والنساء من أكبر وأكثر الجرائم انتشارا في العالم ، حتى تعدت حجم المكاسب المحققة من الإتجار بالبشر أكثر من 200 مليار دولار في عام واحد ، وارتفع عدد الضحايا لأكثر من 25 مليون إنسان .

ناهينا عن كل هذا .. فنحن أمام مخطار كبيرة كنتيجة مباشرة لأخطاء الفهم ما بين المتعة والسعادة ، وما زال القاتل لا يدري أنه عندما يقتل نفسا فإنه يقتل جزءا من نفسه معه ، وعندما يغتصب المغتصب حقا ليس له ، فإنه يغتصب نفسه ويدمر منها أجزاء لا تعوض ويصيب قلبه في مقتل ، رغم أن الله حذرنا بقوله “بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون” ، فما تقدمه لغيرك من خير وسعادة ، سوف تجده مضاعف في نفسك فيزيائيا كيميائيا ومعنويا ، وما تفرط فيه من الأخذ للمتع استجابة لشهوات نفسك وحدك دون فائدة لأحد منه ، ما هو إلا إضافة لحجم تعاستك الكيميائية والفيزيائية والنفسية في الدنيا ، ولذلك وجب علينا أن نتوقف ونتأمل ما نفعله بأنفسنا ، والأهم منا هم أجيالنا القادمة ، فلو كنا نريد خيرا لمستقبل ابناءنا ، فلابد أن نحسن تربيتهم بما يهذب ويقوي نفوسهم وأجسادهم ويعلمهم المفاهيم الصحيحة والحقيقية للحياة ، والفارق بين المتعة والسعادة ، وكيفية تحقيق التوازن بينهما وتحويل المتع لسعادة قدر الإمكان ، فأبناءنا ليسوا أغناما تأكل وترعى وبيوتنا ليست مزرعة لتفريخ الأغنام ، وكفانا ما نعانيه ونشكو منه من نتاج تربياتنا العشوائية الفاشلة ، لأننا خالفنا خالق الكون في أساليب تربيتنا للنفوس في بيوتنا وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *