لا شك أننا لا نعرف الفارق بين المتعة والسعادة ، بل إننا قد احترفنا الغرق في الجهل بالفارق بينهما ، لدرجة أننا نسلم أنفسنا للتعاسة بحثا عن السعادة ، وهذه المعضلة يعاني منها كل البشر ، وهي السبب وراء ارتفاع معدلات الانتحار بين الأغنياء والطبقات العالية الدخل والتي تمتلك أكبر قدور من المتعة والرفاهية ، بينما تندر وتختفي معدلات الانتحار في الطبقات الدنيا وبين الفقراء والطبقات المتوسطة التي تكافح فقط لتحيا ، وهذا ليس حكرا على نوعية من البشر بل هو منتشر وعام على كل أجناس البشر على وجه الأرض ، لأن طبيعة خلق الإنسان واحدة ونوازع النفس واحدة ، وناموس الخالق في خلقه لا يتبدل ولا يتغير من نفس لأخرى ، فالنفس إن لم تكد وتكدح وزادت معدلات متعها وراحتها فسدت ، وكذلك جسدك إن أرحته ترهل وفسد ، وإن أرهقته وأتعبته عملا وكدحا اشتد عوده وكماله وجماله .

فالفرق بين المتعة والسعادة كبير وخطير ، لأن المتعة فائدة سريعا تمنح النفس جرعة من الفرحة والنشوة اللحظية المؤقتة تزول تدريجيا وربما سريعا جدا ، وتترك خلفها جوعا وتعطشا لمزيد من هذا الإحساس بالمتعة ، بينما السعادة هي شعور بالرضا يهدهد النفس ويشعرها بالاكتفاء والسكينة ، وذلك لأن هناك سبعة اختلافات عكسية جوهرية ما بين المتعة والسعادة ، وهي كالتالي .. ، أولا .. المتعة تعتمد على الأخذ ، بينما السعادة تعتمد أساسا على العطاء ، ثانيا .. المتعة وليدة رغبة أو شهوة ، بينما السعادة وليدة مشاعر وأخلاقيات وأفعال كريمة ، ثالثا .. المتعة عضوية ، بينما السعادة نفسية ، رابعا .. يمكن تحقيقها بالماديات ، بينما السعادة لا يمكن تحقيقها بالماديات ، خامسا .. المتعة لحظية مؤقتة تزول سريعا ، بينما السعادة شعور بالغبطة يدوم أكثر ، سادسا .. المتعة تتحقق للشخص منفردا ، بينما السعادة لا تتحقق إلا في الجماعات ، سابعا .. فرط المتعة يؤدي للإدمان والاستزادة منها تزيد من تعاسة النفس ، بينما السعادة ليست إدمانا والاستزادة منها لا تخلف بعدها تعاسة مطلقا ، ثامنا .. المتعة نشوة نفس ، بينما السعادة سكينة نفس ، تاسعا .. المتعة تواكب إفراز الدوبامين في الجسم ، بينما السعادة يواكبها أفراز هرمونات السيروتونين والأوكسيتوسين والأندروفين .

ويعد كلا من هرمون المتعة “الدوبامين” وهرمون السعادة “السيروتونين” مواد عضوية وناقلات عصبية يصنعها الدماغ ويستخدمها في التواصل بين خلايا عصبية وأخرى ، حيث تعمل هرمونات السعادة والمتعة في منظومة دقيقة للحفاظ على حياة الإنسان ، حيث يفرز الدماغ هرمونات بعينها لحماية الخلايا العصبية من الأضرار الناتجة عن فرط المتعة ، وبالتالي كلما سعيت للاستزادة من المتعة .. ازدادت تعاستك ، ويخلط العلماء وأطباء النفس وبالتالي عامة الناس بين السعادة والمتعة كثيرا ، وذلك نتيجة عدم الفهم الواضح سواء لطبيعة النفس البشرية أو ردود أفعال الجسد والمتمثلة في ميكانيزمات منظومة إفراز الهرمونات وتركيزاتها وكمياتها وسرعة تدفقها ، وعلاقة كل منهما بالهرمونات الأخرى .

فنجد هرمون “الأندروفين” يلقبونه بـ «هرمون الرياضة والضحك»، حيث يفرز الجسم الإندروفين عند ممارسة الرياضة ، حتى يتغلب على الإحساس بالألم الذي يسببه التمرين ، ويعضهم يعتقد أن ما يحدث للإنسان بعد ممارسة التمارين هو الشعور بالمتعة بينما هو السعادة ولكن بتركيز معين ، بدليل أن الدماغ يفرز الهرمون نفسه عند الضحك من القلب صافيا ، ولا يفرز الأندروفين منفردا ولكن وجوده يحفز الدماغ على إفراز هرمونات أخرى ، قد تكون هرمونات سعادة مثل “السيروتونين والإكسيتوسين” ، أو هرمون المتعة “الدوبامين” ، وتتفاوت التركيزات والكميات وسرعة التدفق لهذه الهرمونات مع هرمونات أخرى مثل هرمونات النمو والهضم وتحسين آداء الأجهزة المختلفة في جسد الإنسان ، ويقود هرمون الرياضة (الأندروفين” منظمومة تحسين الآداء بكفاءة عالية ، ولذلك ينهار جسد الإنسان سريعا إن لم يمارس الرياضة ، ولو في أقل مستوياتها بالمشي المنتظم يوميا .


أما هرمون “الدوبامين” فهو هرمون المتعة بلا منازع ، حيث يفرزه الدماغ عند الحصول على أي نشوة متعة ، سواءا كانت جسدية أو للفوز أو انتصار فريق تشجعه ، أو حصولك على تقدير أو ترقية ، أو الفوز في مسابقة ، أو حتى شراء شيء تريده أو حتى لا تريده ، أو شرب القهوة أو أكل الشطة ، ويعد أبرز أحوال إفراز “الدوبامين” هي لحظات النشوة الجنسية ، ولكن تتفاوت كمياته وتركيزه وسرعة إفرازه تبعا للحالة والموقف ، وكلها مواقف مادية نحفز الدماغ لافراز الدوبامين ، وخطورة “الدوبامين” في إدمانه من نوعية معينة تبعا للشخص ، حيث يؤدي الإدمان للتعاسة المتزايدة ، وذلك أن جرعة “الدوبامين” التي يحتاجها الجسم تتزايد باستمرار ، وما لم يوقفها ويحجمها الإنسان فإنها لا تتوقف عن الزيادة عند حد معين ، حتى تصل لمرحلة يستحيل معها الزيادة ، فتدخل النفس في نوبات تعاسة متكررة .

أما هرمون السيروتونين .. فهو هرمون السعادة بلا منازع ، لأنه الهرمون الذي يختص ب “العطاء” ويزيد من تركيزه تناول الشوكولاتة والقهوة ، وتفرزه الدماغ استجابة لحالة الرضا الناتجة عن أفكار الإنسان وسلوكه نحو «العطاء»، خصوصاً عندما يقدم كل ما فيه نفع للآخرين ، وهذا غالباً يتحقق عندما يصل الإنسان بنفسه إلى مرحلة يتجاوز خلالها «الأنا»، ويصبح قادراً على العطاء للآخرين بلا انتظار مقابل من البشر ، وذلك ما يقابله أعلى معدلات افراز هرمون السعادة “السيروتونين” ، فعندما تعطي بلا انتظار المقابل (لوجه الله) ، يفرز الدماغ أعلى معدلات هذا الهرمون فيمنح الإنسان الشعور بالرضا والسعادة والسكينة ، والعجيب أن الإنسان إذا أعطى أو منح وهو ينتظر الرد والمقابل فإن تركيزات “السروتونين” تكون ضعيفة وغير مستقرة ، لأن الدماغ لا يعطي أوامره كاملة بناء على سماحية النفس المنقوصة لانتظارها الرد والمقابل .

وتتوافق وتتزامن بعض الهرمونات الأخرى مع هرمون السعادة والمتعة في مواقف بعينها مثل هرمون “الأوكسيتوسين” ، وهو «هرمون الحب والحميمية» ، فهو متعلّق بالقرب ممن نحب بالمصافحة أو العناق وهذا يختلف عن الدوبامين الخاص بالنشوة الجنسية ، ولذا، ينصح كل من يضطرب مزاجه بحضن أطفاله الصغار ليشعروا جميعاً بمشاعر السعادة بسبب إفراز هرمون “الأوكسيتوسين” ، ولذلك ينصح بعض الأطباء وصفات يومية للسعادة تعتمد على ممارسة الرياضة أو الضحك وتحقيق إنجازات ولو صغيرة وتقديم نفع للآخرين بأي صورة ولو بسيطة ، وكذلك الحرص على عناق أطفالنا وأصدقائنا لتكتمل هرمونات السعادة في أجسامنا ، ويعد من إعجاز المولى أنه جعل في أداء الصلوات الخمس اليومية تحقيقاً لإفراز الهرمونات الأربعة (الأندروفين – السيروتونين – الأوكسيتوسين – وأخيرا الدوبامين) لأنها رياضة وإنجاز وعطاء وحميمية إذا تحقق الخشوع ، ولذلك يلاحظ كثير من الناس الراحة الكبيرة بعد الصلاة ، لدرجة أن البعض يشعر وكأنه قد وضع عن كتفيه جبالا من الهم والإحباط والكسل بعد الانتهاء من الصلاة ، ولذلك صدق رسول الله وهو يقول “أرحنا بها يا بلال” .

ويمكن اختصار آثار الهرمونات في مسمياتها ، فالدوبامين هو هرمون الرغبات والشهوات والنشوة اللحظية ، والأندروفين هو هرمون “الرياضة والضحك” ويساعد على تخفيف ألم الجسم عند بذل الجهد البدني العالي ، والسيروتونين هو هرمون العطاء ، والأكسيتوسين هو هرمون العواطف والمشاعر الحميمة ، وتتفاوت تركيزات وسرعتها وكمياتها من شخص لآخر ومن موقف لآخر ، ولكن يبقى خطورة إدمان الدوبامين ، لأن تزايد إدمانه لا يتوقف وتزيد معدلات طلب الجسم له باستمرار حتى يسقط المزاج العام للشخص في اعتياد التعاسة والاكتئاب ، وهو أحد أسرار وصف النساء بالكآبة واحتراف النكد لأنهن أكثر من الرجال سقوطا في إدمان الدوبامين ، ولكنه لا يكون قاتلا للنساء مثلما لو تمكن من الرجل ، لارتفاع نسب إفراز النساء لهرمون الحميمية “الأكسيتوسين” بوفرة خلال التعامل مع الأطفال والزوج والأهل .

ليست الخطورة في الهرمونات ومعدلات إفرازها ، ولكن الخطورة الكبرى هي في المؤمرات المستمرة والمتزايدة على الإنسان بواسطة المنظمات السرية والحكومات الخاضعة لها ، والتي تحيك المؤامرات الكاملة للسيطرة على البشر ، باستغلال ميكانيزمات هرموناتهم باستمرار ، بالطريقة والتوجيه المناسب لإحكام السيطرة على البشرية ، وليس هذا وهما لفكر المؤامرة ، بدليل أبسط إعلان تشاهده أنت وأبناءك على شاشات الفضائيات أو على صفحات التواصل ، سوف تجده يلعب على هرمونات تحرك الرغبة الجنسية وشهوة الفوز والمكسب السريع ، والرغبة في قنص الفرص التي لا تعوض ، ويبدو للمشاهد أن الهدف هو إسعاد الناس ، والحقيقة هي اللعب على هرمون المتعة بهدف ظاهر وهو تحقيق مزيدا من المكسب المادي للشركات والمنظمات ، ولكن الهدف الأخطر والمخفي “سواء أرادوه أو جاء عفوا” ، فهو سقوط الإنسان أسيرا لشهواته ورغباته تقليدا لما يراه ، بل وزادوا الطين بلة ببرامج وألعاب مخططة بدقة لقيادة النفوس للانتحار في النهاية ، لدرجة أن بعض الألعاب تصاحبها موسيقى وأغاني محملة على موجات غير مسموعة ، ولكنها تسبب الإدمان والاكتئاب وتحرك مشاعر بعينها في النفوس ، وهو ما يعرف باسم (المخدرات الرقمية” ، فنتج لدينا جيلا من الشباب معظمه ملول ومشتت وسطحي الفكر ، مشغولا بشهواته ورغباته ، وهدفه في الحياة هو تحقيق أكبر استفادة تتيح له أكبر قدر من المتع ، والنتيجة مزيدا من حالات الفشل في الدراسة والعمل والأسرة وارتفاع معدلات الطلاق والاكتئاب والتشتت وكراهية الغير ثم الذات والناس والمجتمع ، والاستعداد لفعل أي شيء لتحقيق الرغبات والشهوات والمتع السريعة ، وهذا هو المستهدف من أجيال الشعوب المستهدفة بالسيطرة .

وتلك هي دعوة للوالدين أن يستفيقوا ، فالبيوت ليست كمرعى الأغنام ، والتربية ليست طعاما وشرابا وتعليما وتلبية الاحتياجات فقط ، ولكن الأهم والأخطر هو تربية نفوس تحتاج للمراقبة والتهذيب والتوجيه والحزم خاصة في استخدام تكنولوجيات بعينها ، وترشيدا لإدماننا وأبناءنا لصفحات التواصل اللا اجتماعية ، بل وننصح كل شاب وشابة ، ألا يقبل على الزواج ممن أدمن صفحات التواصل ، لأن هؤلاء لا خير يرجى فيهم مطلقا ، لأنهم أدمنوا الهروب من الواقع “الفاشلين فيه” ، ولن يستطيعوا النجاح على أرض الواقع ، وأبسطها أنك سوف تجد أسرارك الحميمية تناقش علنا ومع الغرباء ، وأسوأها أنك سوف تستبدل مرارا وتكرارا ببدائل من شبكة التواصل العنكبوتية ، للظن بأنهم أكثر حنانا وفكرا وفهما وتفاهما بالحروف ، وأخطرها أنك سوف تصبح حقلا لتجارب اجتماعية ونفسية وشخصية منقولة من بيئات ومجتمعات وأشخاص مختلفين ، وهو ما سوف تفقدك وأولادك هويتكم وشخصياتكم ودينكم وانتماءاتكم وقيمكم وبمنتهى البساطة ، ولا أمل في التفاهم والنقاش مع محترفي صفحات التواصل ، لأن خالق البشر قال لنا .. “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا” ، فزواجك من محترف أو محترفة لصفحات التواصل ، هو دخول لوكر الأشرار لا خروج منه سليما أبدا ، وفتح لذيذ لأبواب الجحيم على نفسك لبقية عمرك ولا ضمان لإصلاحه إلا بعد فوات الآوان .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
