توقفنا سابقا عند حركة النفس (أصل الإنسان) الأولى وإنشاءها في جسد بعد اكتمال نموه ، لبدء رحلة حياة جديدة (نشأة أخرى) وأشرنا أن عملية الإنشاء للنفس الواحدة ليست عملية واحدة لكل نفس لا تتكرر كما ندعي زورا وبهتانا بل هي عملية متكررة للنفوس ، لتختبر النفس في الحياة مرارا ، وفي شتى الصور ، وبمختلف المعطيات ، وهو ما لامنا عليه سبحانه وتعالى بقوله .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ثم تعجب الله من افتراء البشر وإنكارهم إعادة الإنشاء في ثمانية مواضع في كتابه العزيز وأشهرها قوله تعالى .. {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ }الرعد5 ، فعملية الإنشاء للنفس في جسد جديد عملية مستمرة ومتكررة مرات ومرات ، وقد أوضحها الله بمجموعة آيات متكاملة ، بداية من قوله تعالى (وننشئكم فيما لاتعلمون) ثم تأكيده أنها نشأة مماثلة للنشأة الأولى التي نعلمها جميعا ونراها كل يوم بالحمل والولادة ، وذلك في وصفه سبحانه للحظة الموت في الواقعة بقوله تعالى .. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وتأكيده على تكرار النشأة في النجم بقوله تعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهي بالقطع ليست النشأة الأخيرة ليوم القيامة والتي يوضحها سبحانه وتعالى بقوله .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .

فالنفس عندما تفقد الجسد لموته (لخروج الروح منه) ، وهو وسيلة التعامل مع الدنيا ، يتوفاها ربها ، لينشئها نشأة جديدة (أخرى) ، بجسد مختلف ومعطيات حياة أخرى مختلفة وفي بيئة مختلفة ، وبدين مختلف وأرزاق مختلفة وأجل مختلف ، لأنها ورقة اختبار جديدة في مواد اختبار مختلفة ، فإذا كنت قد اختبارك كمسلم وذكر وغني وقوي الصحة وواسع السلطة ، فربما تكون ورقة الإجابة التالية كملحد وفقير ومعتل الصحة ، وربما جئت للدنيا أنثى وليس ذكرا ، فالفارق بين الذكر والأنثى هو طبيعة جسد فقط ، ولو جئت مرة للدنيا في جسد ومعطيات أنثى وفقيرة ويهودية وخاضعة لإذلال رجل ومجتمع ، فلابد وأن تختلف معطيات المرة التي تليها ، مع احتمال تكرار الاختبار في المواد التي لم تنجح فيها في اختبارك السابق ، لترد الديون التي عليك لغيرك ، وهو ما يوضحه سبحانه في الواقعة بقوله تعالى .. { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ{83} وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ{84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ{85} فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{87} ، ففي لحظة موتك تتوفاك ملائكة النفوس ، وتعرض عليك ديونك التي عليك للناس ، فإذا كنت صادقا ومعترفا بها ، فسوف تعود لترد هذه الديون كاملة ، فلا عجب أن ترى طفلا أو شابا يموت بلا ذنب ، فربما ميتته هذه ردا لدين عليه حيث قد قتل طفل مثله من قبل في حياة سابقة ، وقد جاء ليرد الدين كاملا ، ولاشك أيضا أن المقتول قد تسبب والديه في ألم مثله لوالدين من قبل ، فسبحان من يدبر وينظم ملكه وشئون عباده ، فلله في خلقه شئون .

وهل من الممكن أن تغادر النفس ويتوفاها ربها ، ولا تعود مرة أخرى للدنيا ، فتصبح من الذين سبقوا بقية البشر ولن تكمل رحلة الحياة بتكرار الإنشاء مرات أخرى ؟؟ ، نعم وهؤلاء نوعان .. النوع الأول هم أصحاب الامتياز والتفوق الذين يقول فيهم سبحانه في الواقعة .. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ{10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ{11} ، وهم من يقول فيهم سبحانه .. {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء69 ، ثم يصف سبحانه مكافئاته لهؤلاء المقربون في الواقعة بقوله تعالى .. فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ{88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ{89} ، وأول مكافئاته هي (روح) ، والروح هنا هي نفسها سر الإحياء للجماد يمنحها الله لنفوس المقربين ، لتكون لهم القدرة على الحياة في أي جسد يختارونه ، فيحيون به ويرزقون به إلى يوم القيامة ، فيقول سبحانه مثلا في الشهداء ، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 ، فهم أحياء لأن الله منحهم (روح) ، يحيون بها في أي جسد يختارونه إلى يوم القيامة .

والنوع الثاني الذي لا يعود ، فهم الملعونين الذين تحدوا الله بكفرهم ، وأصروا على كفرهم وهم يعلمون ، فيقبضهم وهو غاضب عليهم ، لجحودهم آيات الله وهم يعلمون وهم من يقول فيهم سبحانه .. {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ }الأنفال50 ، فهؤلاء يعجل الله العذاب ، كما عجل التمتع للمقربين قبل يوم القيامة ، ولكن عامة البشر بخلاف هذان الفريقان ، فلا يرون نعيم ولا عذاب كما ندعي كذبا ، إلا بعد الحساب ، ولا حساب لهم إلا يوم الحساب ، بل هو تكرار للحياة في نشئات مختلفة واختبارات متتالية ، ليوفيهم حسابهم بالقسط وهو ما يقوله سبحانه وتعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ .. }يونس4 ، والقسط هنا هو تدقيق وتحري العدل ، لتأكيد نجاح النفس في مختلف أنواع الاختبارات .

ولذلك نقول دوما أن الله ما خلقك مسلما لأنه يحبك أو أنك تستحق هذا ، وغيرك كالمولود مسيحيا أو مشركا ما خلقه الله هكذا لأنه لا يستحق أو أن الله يكرهه ، ولكنها معطيات يأتيك الله بها ليحاسبك على قدرها ، وهو ما يقوله سبحانه وتعالى .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، فدينك وملتك وبيئتك هي من تقدير الله وقضاءه ليختبرك فيه ، وليس لأنك من أحبابه وخاصته وتستحق هذا ، ولذلك كلما كانت معطيات الله جميلة وترضي النفوس ، كلما كان الحساب فيها وعليها عسيرا ، فالفقير لن يحاسب على زكاة لا يملكها ، والضعيف لن يسأله ربه عن صحته وكيف اهدرها ، والملحد لن يحاسبه ربه عن كل حرف في كتاب الله مثل المسلم ، وهو ما يقرره سبحانه في البقرة بقوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ، وهنا حدد سبحانه وتعالى حدا أدنى لمن لم يولد مسلما وهي التوحيد والخوف من الحساب والعمل الصالح في الدنيا ، وتلك شروط كافية لقبوله ورحمة الله له ومنح الله له الأجر والثواب والنعيم ، ولذلك لم يمنح الله الحق للبشر أن تعاقب بشرا مثلها على معتقداتها أو كفرها أو شركها ، بل قال لرسوله الخاتم والأكرم .. فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ{21} لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ{22} إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ{23} فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ{24} إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ{25} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ{26} ، ولو كان رسول الله اسوة وقدوة حسنة لنا ، فما وظيفتنا سوى أن نذكر فقط ، فلم يعطي الله الحق لبشر مهما كان أن يفرض الإيمان على غيره ، بل كل البشر عائدون لله فيحاسبهم على معطياته ، لأن وجود المشرك والملحد والكافر بجوار المؤمن والمسلم هو سنة الحياة وناموس الله في خلقه ، تماما مثل وجود الأبيض والأسود والليل والنهار والخير والشر .

ولذلك لا عجب أن يضرب الله الأمثال ، فيكشف الله لبعض البشر عن ذاكرتهم ، فيتذكرون حياتهم من قبل ، في حياة مختلفة غادروها منذ فترة ، وفيؤكدون للناس صدق وجودهم من قبل في حيوات سابقة ، وهو ما تزخر به كتب الغرائب والعجائب ، واشهرها كتاب أرواح وأشباح لأنيس منصور ، ولكن هنا لابد وأن ننتبه أنه لا صحة لمعلاقة الأرواح بكل هذا ، فالروح سر إحياء أي جماد ، وتوجد الروح في كل جسد حي بداية من الخلية الأحادية مرور بالفطيرات والبكتريا والحشرات والطيور والحيوانات والأحياء البحرية ، ووجودها في جسد الإنسان فقط من أجل إحياء الجسد لتستطيع النفس استخدامه ، ولكن الحقيقة هي رحلات حياة بإنشاء جديد بمعطيات جديدة هي في حقيقتها مواد اختبار جديدة ، فإذا نجح في مادة لا يعاد اختباره فيها مرة أخرى في حيواتها القادمة ، ولذلك فكل معطياتك اليوم هي ليست للخلود والأبدية ، بما فيها من تحب ومن تكره ، فكلها مواد اختبار للنفس ، هل تكون نفسا قويمة إذا كرهت لا تظلم ، أم هي نفس منحرفة ، تكرم إذا أحبت وتبطش إذا كرهت ، وتعطي لو أغناها الله أم تحرم وتبخل إذا أغناها الله ، ولذلك سوف تجد أن الله دوما يوصي ابن آدم أن يستقيم نفسا ، ويحذره مرارا وتكرارا ، ويداوي نفسه بكبد الدنيا لعله يرجع ويستقيم ، فلا بقاء لمعطيات في الدنيا ولا دوام لمتع الدنيا ولا لشرورها ، وهو ما يقوله ويؤكد عليه سبحانه وتعالى بقوله .. {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }الحديد20 .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
