ما قدروا الله حق قدره … ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

صدق الله العظيم في قوله تعالى في كتابه العزيز .. {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ … } ، وهذا التعبير يوثق جهل الخلق وحماقتهم في تقديرهم لخالقهم سبحانه وتعالى ، وقد ذكره سبحانه في كتابه العزيز في ثلاثة مواضع تباعا ، أولها في سورة الأنعام بقوله تعالى .. {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ … }الأنعام91 ، وثانيها في سورة الحج بقوله تعالى .. {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج74 ، وثالثها في سورة الزمر بقوله تعالى .. {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }الزمر67 ، ففي الأولى يحدد سبحانه السبب بأن الناس كذبوا ما أنزله الله إليهم ، وفي الثانية لأنهم كفروا بالله ولم ينظروا لضعفهم مقارنة بأضعف خلق الله ، وفي الثالثة لجهل الخلق بأن الله قادر ومحيط ومسيطر على كل شيء خلقه بما فيها الأرض التي يحيون عليها ، والسماوات التي تحيط بهم ، وبالتالي فإن البشر لم يقدروا الله حق قدره لأنهم جهلوا قدرته وأنكروا ألوهيته ، وكفروا وجحدوا ربوبيته .

ومن قمة جهل بني آدم بقدرة الله تعالى ، أنهم جميعا يستخدمون خيالهم المحدود والضعيف في تحديد مدى قدرة الخالق على الخلق ، ومدى اتساع خلقه وتنوعه وتباينه ، وتناسوا أنهم لا يملكون القدرة على ادراك ما لم يحيطوا به علما ، لسببين ، الأول هو صغر حجم معلوماتهم عن الخلق تبعا لصغر حجم معلوماتهم ومشاهداتهم ، والثاني وهو الأهم أن بني آدم قد كتب عليهم الغفلة في الدنيا رحمة بهم ، فضرب عليهم الغطاء في حياتهم على الأرض ، فلا يرون حقيقة الأشياء كاملة بكل ما فيها ، لعدم قدرتهم على استيعاب ذلك ، وهذا الغطاء الذي يكشفه سبحانه في لحظة مفارقة الجسد بالموت ، فيقول له سبحانه .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، وهو ما نراه كثيرا في لحظات الوفاة لبعض الناس ، فتراه يكلم ما لا نراه ، وينادي على بعض الأموات ، ويقول أشياء غير مفهومة ، ويتفاعل معها لدرجة تربك الحاضرين ، فهو يرى في لحظتها ما لم يكن يستطيع رؤيته من قبل .

فإذا كنت يا ابن آدم يفاجئك كشف غطاءك في لحظة الموت ، لأنك فقط رأيت حولك ما لم تكن تستطع رؤيته في حياتك ، فكيف تتخيل حجم ما يحويه الكون من الخلائق ، بعيدا عن موضع موتك ومكانك بل وزمانك الذي تظن أنه الحقيقة المطلقة ، ثم نكتشف أن الزمان مثل المكان يمكن تغييره ، ولكنه في حكم الغيب بالنسبة لنا ، وهو ما تثبته علوم الكم والفيزياء المتقدمة حاليا ، وما نسمع عنه من الأكوان والأبعاد الموازية ، والبوابات البعدية بين الأكوان والأبعاد ، والتي فرض الله علينا عدم ادراكها ، فقط من أجل منح ابن آدم حقه كاملا في حرية اختياراته لإجابته على أسئلة اختباراته في الحياة الدنيا ، دون أي تأثير خارجي يشتت تركيزه ويبدد قدرته على الاختيار ، مع مشيئة الله بأن يفتح لنا مجالات لنتعرف على بعض الأمثلة ، وبعض العلوم عن ملامح الحقائق المخفية عنا ، مصداق لقوله تعالى .. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }فصلت53 ، وقوله تعالى .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 .

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ - ppt download

وصدق سبحانه وتعالى عندما قال لنا .. {…. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فما لدينا جميعا على الأرض من كل العلوم أقل بكثير من نقطة ماء في بحر خلق الله وعلومه ، وكان أولى بنا قبل أن ندعي على الله في خلقه ما لا نعرفه وما لم ترقى قدرات عقولنا على تخيله ، أن ندرك ونفهم ونستوعب ما أنزله الله من علوم في كتابه العزيز ، قبل تشطح خيالاتنا ونصدق هراءات بعضنا ، ونتجاهل ما قاله لنا سبحانه عن خلقه ، وعلى رأسها أكثر 400 آية في خلق الله لنفوسنا ، شرح فيها سبحانه بداية خلق النفس ومسارها ونهايتها ومصيرها وحركاتها وأحوالها وأمراضها في الدنيا وعلاجاتها ، ولكننا تجاهلنا ذلك ، وصدقنا علوم النفس التي ألفها بشر كافر أو ملحد من واقع تجاربه على المجانين والمختلين مثل (سيجموند فرويد) وغيره من علماء النفس ، والأعجب أن معظم أطباء النفس المسلمين يعلمون ذلك ولكنهم يفضلون الحفاظ على مكاسبهم من خرافات البشر على حساب علوم الله في كتابه العزيز .

مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ...

والعجيب أن هذا مثالا واحدة لملايين من سلوكيات الإنسان التي يعاند أو يتجاهل خالق ، يغمض عيون قلبه وعقله عن الحقائق من أجل المكاسب التي يظن أنها يستطيع أن ينالها دون مشيئة الله وتقديره ، ولن تجد استثناءا واحدا بين البشر ، حتى رجال الدين في كل ملة ودين ، ولن اتعرض لرجال الدين المسيحي ، فكفاهم ما هم فيه ، وكفاهم أنهم يعرفون حقيقة ما يصرون على قدسيته ، وهو تحدي صارخ لله وقدره في خلقه ، أما رجال الدين المسلمين ، فالبرغم من احترامي الشديد واعتزازي بهم ولكني ألوم عليهم كثيرا ، لأنهم أكثر البشر تمسكا بالتراث الديني ، حتى لو كان مخالفا للمنطق والعقل السليم ، هل لأنهم يستمدون هيبتهم من هذا التمسك الأجوف ولو بالضلالات ؟؟ ، ولماذا لا يستطيع مسلما أن يستخدم عقله وينتقد ضلالة أو حكما غير منطقيا ، دون أن تجد آلاف التهم من اذدراء الأديان والزندقة والفسق وهدم ثوابت الدين ، وذلك من أكثر ما يقع فيه رجال الدين ، بالدفاع المستميت عن فكر وفقه رجل من السابقين ، مثل الدفاع المستميت عن فقه أبي شجاع ، وبعض أحاديث البخاري وكتابات ابن تيمية ، ووبعض فتاوى المذاهب الأربعة التي وجب تغييرها لاختلاف الزمان والمكان والبشر ، ولسنا ننتقد علوم أحد ولا فهمه ، ولكن هناك في علومهم بعض الكوارث الفقهية ، تخالف آيات كتاب الله صراحة ، وما زالت تدرس على أنها علوم للفقه .

المقالات | Mahmoud Essam

نعم .. لا يمكن لعاقل أن ينكر أن لرجال الدين أفضال وجميل على أهل زمانهم ، فهو حائط الصد الأخير ضد حملات التشويه لدين الله ، ولكنهم في زخم تصديهم يغفلون عن عوامل هدم لدين الله بأيديهم ، أولها الإصرار على أساليب الدعوة الجامدة والتي تنفر الشباب ، وثانيها .. تخاذلهم أمام موجات التغريب والانحراف في الإعلام وصفحات التواصل ، وافساحهم المجال للدعاة صناعة المخابرات البريطانية ليستحوذوا على العقول والقلوب ، وثالثها .. إصرارهم على كثير من الضلالات المقدسة مثل عذاب القبر ، والذي لا يسعد به سوى إبليس (عليه لعنة الله) ، ورابعها .. غضهم الطرف عن حقيقة شرك الجماعات والفرق والتي صدر فيها حكم الله ورسوله ، بقول الله تعال في سورة الروم .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} ، ورغم علمهم بشرك كل من ينتمي لفرقة أو جماعة لها أمير أو شيخ أو مرشد أو قائد ، إلا أن كثير من المشايخ الكبار يتباهون بانتمائهم لجماعات وفرق .

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ – اجمل واروع الصور  الاسلامية والدينية 2024

وخامسها .. سيطرة فكر النفخ في الزبادي على عقولهم .. فتجدهم يتشددون ويشجعون فكر الوهابية السلفية المقيت ، بحجة الخوف من انحراف الناس خاصة في الفتاوى الفقهية وهم يعلمون أن التشدد أخطر على دين الله من الانحراف ، سادسها .. التشهير والعداء لكل صاحب رأي وتبنيهم لفكرة أنهم فقط وكلاء الله على الأرض فلا يتحدث عن دين الله سواهم ، بحجة أنك تذهب للطبيب عندما تمرض ، وهي حجة فاسدة ، لأن الحياة التي نمارسها ليست في مستشفى الدنيا ولسنا مرضى ، وكل منا يحتاج لعقله وفهمه وتقديره ، لأنه مسئول أمام الله عن اختياراته ، ولن يشفع لي شيخا اتبع فتواه فضل بها ، سابعا .. إصرارهم المستميت أن علوم الفقه ، والتي لا يمثلها في كتاب الله سوى أقل من (3%) ، هي فقط علوم الله وأصحابها فقط هم العلماء وهم الناجون ، وغيرها من علوم الله فهي فرض كفاية ، رغم أن العلوم البحتة في كتاب الله تزيد عن 40% من آيات كتاب الله ، فقط لأنهم يتمسكون بتفسيرات قاصرة للعلماء الأوائل ، ويعتبرونهم فقط هم أصحاب الفهم والعقل .

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...

ولذلك .. فإن رجال الدين يأتون على رأس قائمة من قال فيهم سبحانه .. { ما قدروا الله حق قدره .. } ، فبرغم أنهم أقرب الناس إليه ، إلا أنهم ارتكبوا في حق الله ما لم يرتكبه غيرهم من العامة ، ولست مهاجما أحد بعينه ولا متخذا منهم أعداء ، ولكني أنقل إليهم رؤية العامة لهم ، والتي ربما لا يستطيعون إعلانه لهم ، خوفا من القضايا والتشهير وتهم الفسق والزندقة والإلحاد ، وأذكرهم بأن من تحمى بهم نار جهنم هم علماء الأمة ، وأشد الناس عذابا من كتم علما أو حقا لله يرجو به في الدنيا مغنما ، ونسى ما يقوله دوما لعامة الناس ، أن الله شديد العقاب ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ولذلك أدعوهم للتدبر في كتاب الله ، وأن يتوقفوا عند 424 آية في خلق النفس البشرية ، وسوف يكتشفون فيها أنهم كانوا في ضلال مبين ، وأنهم تبنوا ضلالات مقدسة نهانا الله عنها ، وفصل لنا سبحانه حقيقة خلقه لنا ، وأدعوهم ليفتحوا أبواب العقول لحقائق ومعارف زمانهم ، قبل أن يصبحوا مثل رجال المسيحية الذين أصبحوا رموزا مهملة ، فاضطروا أن يصدروا فتاوى محرمة كزواج الشواذ ليحافظوا على بقايا احترام الناس لهم ، واضطر آخرون للنصب على الرعية بضلالات صكوك الغفران ، وادعاء أنهم وكلاء الرب على الأرض .

أخيرا .. لابد أن نتذكر دوما .. أن كل إنسان قد خلقه الله ، قد جعله أمة قائمة بذاته ، وأنه وحده المحاسب على كل حركة وسكنة في حياته ، وأن الله يحبه كما يحب كل إنسان غيره ، ويدرك تماما أن من أحب كل الناس غيره ، وأحب لهم ما يحبه لنفسه ، فإن ربه سوف يحبه ، فمن طلب حب أحد ، تقرب له بحب عياله وخلقه ، ولا ننسى أننا في رحلة موقوتة ، وسوف ننتقل بعدها لجوار الله ، وربما منها لحيوات أخرى تعتمد طبيعتها على مدى نجاحنا في رحلتنا التي نحياها ، فلسنا طعاما للقبور ، فالقبور للأجساد البالية التي نركبها مؤقتا في رحلتنا في الدنيا ، والأجساد يبدلها الله كيفما شاء ، والروح سر إحياء هذه الأجساد ولا علاقة لنا بها ، فنحن نفوس أبدع الله خلقها وكرمها ، ولها القدرة بإذن الله على الحياة داخل أجساد حية ، يمنحها الله مرات ومرات ، على قدر تعدد اختبارات النفس في الدنيا ، ولذلك لا يوجد لنفس اختيار في والديه ونوعه وشكله وجسده وبيئته ودينه وحياته في كل مرة ، وليس هذا تناسخ أرواح كما يقول الجهلاء ، ولكنها آيات كريمة في كتاب الله ، ولكن البشر لا يتدبرون ولا يتفكرون ولا يعقلون ، وصدق سبحانه وتعالى .. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 ، ولنا في ذلك استعراضا مفصلا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. تحياتي و تقديري لشخصك الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *