ماذا .. بعد الموت .. ؟؟؟ (1) …. بقلم جمال عمر


 

بعيدا عن كورونا .. وأوهام وأخبار وإشاعات البشر .. وحيرة البعض .. ما بين التهويل والتهوين .. نتوقف قليلا عند حقيقة مطلقة لا جدال فيها ولا مهرب منها لمخلوق على الأرض ، .. فعندما يذكر الموت وما وراء الحياة .. ربما نعرض ونتجاهل الحديث .. وقد نتوقف لنسمع بنهم .. لعلنا نعرف شيئا من غيبيات نجهلها ونتمنى لو نعرفها ، حتى ولو كان الحديث زاخرا كالعادة بخيالات وظنون وضلالات مقدسة تعودنا الإيمان بها دون أن محاولة التفكر أو الفهم لمنطقية ما نسمعه ، ولكن كيف نتكلم عن المنطق والموضوع نفسه خارج إطار قوانين العقل والحسابات ؟؟ ، فلم يعد أحد من الموت ليروي لنا ما حدث ، وماذا ينتظرنا على الجانب الآخر من الحياة .

ولا عجب .. أن يكون ابن آدم مضطرا أن يصدق بل ويؤمن بخرافات وخيالات غير مقبولة منطقيا ، بل وضلالات يعتبرها مقدسة لا اقتراب منها ، خاصة لو كانت مؤيدة بأحاديث يقولون أنها "نبوية" مهما كانت دقتها أو منطقيتها أو حتى معارضتها للقرآن وآياته ، والاقتراب من الحديث أو مناقشة موضوعيته .. يعتبره البعض فسق وزندقة وقد يتهمك البعض بالكفر والخروج من الملة ، خاصة أحبابنا تجار الدين ومن تعمدوا تعطيل العقول وبث الرعب والترهيب لضمان خضوع الأتباع بلا نقاش أو فكر ، قد يفضح كوارث الضلال لهذه الفرق والجماعات التي تصل بعض أفكارهم لمستوى الكفر بقيومية الله مثل إبليس لعنه الله .

ونتوقف أولا عند حديث لرسول الله يقول فيه .. { إذا جاءكم عني ما يوافق كتاب الله فخذوه ، وما تعارض معه فاضربوا به عرض الحائط } ، وهذا كلام منطقي مقبول وصحيح ، رغم أن الكثيرون يكذبونه ويرفضونه ، لأن الله قد عصم حروف قرآنه فقط ، ولم يعصم أقوال رسوله ، بل وضح لنا سبحانه أن الشيطان يلقي بضلاله حتى في آيات القرآن التي ينقلها رسول الله ، والله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته لتكون معصومة من التزوير والضلال ، ويصح فيها قوله تعالى .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، فما بالنا بأحاديث رسول الله عبر أعوام بعثته الثلاثة والعشرين ، بأحداثها وأيامها ولياليها ، ويتناقل البشر فيما بينهم الأحاديث والأحداث وكل إنسان منهم حسب قدرته على الحفظ والفهم وأسلوب روايته ، فتختلف الألفاظ والتعبيرات والمفاهيم ، بل والأهواء حتى أن البخاري صاحب الثلاثة آلاف حديث يقول في مقدمة صحيحه أنه رفض واستبعد ثمانية عشرة ألفا من الأحاديث التي رأى البخاري أنها مكذوبة أو مشكوك فيها ، فإذا كان البخاري بعد رسول الله بمائة سنة تقريبا قد استبعد ما يقرب من العشرين ألف حديث لشكه فيهم ، فكم حجم المدسوس والأحاديث المكذوبة اليوم بعد أكثر من ألف واربعمائة سنة .

ولا نشكك في كل ما نقله البخاري وصححه ، ولكننا عجبا نتوقف عند باب كامل في صحيح البخاري ، اسمه "عذاب القبر" ، وعجبا .. راجعت آيات القرآن كلها فلم أجد أثرا لعذاب القبر في أي آية منه مطلقا ، وكأن الله تعمد تجاهل الحديث عنه تماما ، أو الأصح أنه لا وجود لعذاب القبر كما تقول آيات القرآن الكريم ، التي تؤكد في أكثر من أربعين موضعا أنه لا عذاب بلا حساب ، ولا حساب إلا يوم الحساب "القيامة" ، فمن أين أتوا بعذاب القبر وجعلوا له أحاديث تناقض آيات القرآن وتكذبها ، أم هو دين موازي .. تبعا للأهواء واستمرارا لأساطير الفراعنة ومن ورائهم الرومان ثم المسيحية واليهودية عن حياة القبر وما بعد الموت ، دون دليل واحد أو آية واحدة تشير لعذاب القبر ، إلا آية واحدة تمسك بها المدافعون عن هذه الضلالة ، ولكنها أسفا تثبت كذبهم ولا تثبت شيئا مما يتخيلون .

هذه الآية يقول فيها سبحانه وتعالى عن "آل فرعون" .. {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }غافر46 ، ونقول لهم وللمتعجلين الفهم رفقا وتدبرا سادتنا ، اقرأوا الآية جيدا ، فهي تقول أن "آل فرعون" يتم عرضهم غدوا وعشيا على النار ، ولم يقل سبحانه أن النار هي التي تعرض عليهم ليروها ، فهم يعرضون على النار لتراهم وتتعرف عمن سوف يأتيها ويدخلها يوم القيامة ، وهل النار ترى وتعرف وتتكلم ؟؟؟ ، نعم وهو ما أوضحه يبحانه بقوله تعالى .. {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }ق30 ، ولكن لا عذاب لهم في القبور ولا قبل يوم القيامة ، حتى أن المجرمين يقولون يوم القيامة .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، بل ويقول الكافر عندما يرى حسابه .. {إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً }النبأ40 ، ويوم القيامة يقرأ كل إنسان كتابه وفيه كل أعماله فيقول له سبحانه وتعالى .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، بل إن بعض الناس يطلب من الله أن يعجل له حسابة قبل يوم القيامة .. {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ }ص16 ، فيرد الله عليهم .. {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ }ص53 ، وكان أولى أن ينذرهم بعذاب قريب في القبر ، لو كان حقيقة .

لم يكتف سبحانه بعدم ذكر عذاب القبر نهائيا في قرآنه العزيز ، ولم يكتف سبحانه بآيات تثبت كذب المدعين بحدوثه ، ولكنه سبحانه في آيات معجزات وصف لابن آدم ما سيحدث له بعد موته مباشرة ، ولكن علماؤنا الأجلاء تجاهلوا هذه الآيات تماما ، ومنهم من اعتبرها متشابهات لا يقربها ، ومنهم من زور معان الآيات لتتوافق مع ما اتفقوا على فرضه على ناموس الله في خلقه ، ولعلهم كانوا معذورين فيما فعلوا لسبب أو لآخر ، وليس هذا ما يعنينا ، ولكن يوضح سبحانه التعامل مع النفس البشرية وحركات دخولها للجسد وخروجها بقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالنفس تغادر الجسد للنوم كل يوم ، ولو كان أجلها قد انتهى فلا تعود للجسد ، بل يسترد الله سر إحياء الطين "الروح" ، فيتحلل الجسد ويعود ترابا ، فلا علاقة للإنسان بالروح مطلقا فهي سر الإحياء الموجود في كل شيء حي ، ووباسترداد الله لسر الإحياء "الروح" يموت الجسد فتفقد النفس وسيلتها للتعامل مع الدنيا (الجسد الحي) ، فأين تذهب النفس التي فقدت الجسد ، مؤكد لن تبقى في القبر بجوار الجسد الذي يتحلل لعل الله يرد للجسد الروح فيستطيع استخدامه ، أم يرد الله له الروح ليحاسبه داخل القبر كما يدعون ؟؟

حسم الله هذا الجدال والادعاء بالباطل بوصف دقيق للحظة موت الإنسان بقوله تعالى في سورة الواقعة .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، فالله سوف ينشيء كل نفس نشأة جديدة شاء الله أن لا نعلم عنها شيئا ، ولكن هي نشأة مماثلة للنشأة التي نعرفها جميعنا ولكننا ننساها ، وهي نشأة الأجنة التي تنتهي بالميلاد ، والتي فصلها سبحانه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، وهي نشأة نراها مرارا في حياتنا ، فهل سنجربها مرة أخرى ، فيرد علينا سبحانه بقوله تعالى في النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، ولكن النشأة الأخرى يقول عنها البعض أنها يوم القيامة ، فيرد الله عليه في سورة العنكبوت بقوله تعالى .. { .. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، فالنشأة الأخيرة مختلفة لأنها التي سوف يحاسب ابن آدم في صورتها .

وعجبا فالآيات واضحات ولا تحتاج لتأويل بل إن هناك آيات عديدة تؤكد تكرار الحياة مثل قوله تعالى في سورة يونس .. { .. وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ .. } ، ثم يؤكده سبحانه بقوله   {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }يونس34 ، ثم يؤكد حدوثه بقوله تعالى .. {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }العنكبوت19 ، وقوله تعالى .. {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الروم11 ، وقوله تعالى .. {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ }البروج13 ، بل أن الله يعلنها صريحة وواضحة في قوله تعالى .. {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }البقرة28 ، وقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ }الحج66 ، فتكرار الإحياء والإماتة هو شيء يسير على الله ، والإحياء هو منح النفس جسدا حيا لتحيا بواسطته وتستخدمه خلال حياتها.

وليس هذا تناسخا للأرواح كما يدعي الجاهلون بحقيقة الإنسان ، فالإنسان مجرد نفس ، يمنحها الله جسد حيا "فيه روح" ، فالروح هي سر الإحياء للجماد ، ولا علاقة للإنسان بالروح سوى أنها تحيي له جسدا ليستخدمه ، فإذا انتهى الأجل المقدر من الله ، استرد سبحانه سر الإحياء "الروح" ، فيتحلل الجسد ويعود ترابا ، وفي لحظة الموت .. قضى الله أن تشهد النفس وتشعر بآلام عملية خروج الروح من الطين تنفيذا لناموس الله .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، فالنفس لا تموت ، ولكنها تذوق آلام لحظات موت الجسد بخروج الروح منه ، رغم أن النفس لم تشهد دخول الروح لهذا الجسد منذ أن كان "حيوانا منويا" أو "بويضة" ، حيث يكتسب كل من الحيوان المنوي والبويضة الروح من أجساد أصحابها الحية دون أن يشعر بها الإنسان ، ولكن خروج الروح من الجسد شاء الله أن تذوق النفس آلامها .. كآخر مشهد للنفس في حياتها من خلال هذا الجسد .

وعجبا .. أن بين أيدينا آيات بينات مفصلات في القرآن الكريم ، الذي يقول عنه سبحانه .. { .. مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ .. }الأنعام38 ، فما خلق الله شيئا إلا وذكره في كتابه ، ولكننا هجرناه تماما فصدق فينا قول الله تعالى في كتابه العزيز .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، وكفانا أننا أهملنا الفهم لأكثر من ثلاثة آلاف آية يوضح الله فيها كل حدود علوم الخلق والعلوم البحتة ، واتخذنا القرآن أحجبة ومصدرا لكسب الحسنات ، رغم أنه كتاب العلم الأصدق على الأرض .. { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، وهو حديث الله المتصل إلى عباده إلى يوم القيامة .. { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، ودستور الحياة التي شاء الله أن يتعلمه ابن آدم حتى لا تشتته الخيالات والبهتان وتحكمه ضلالاته المقدسة ، وأخيرا .. يبقى السؤال هنا .. ما هي قصة حياة البرزخ وما هو البرزخ ؟؟ ، كم مرة يعود الإنسان للحياة ؟؟ ، وما طبيعة الجسد الجديد في كل مرة ؟؟ ، وما علاقة الشخص الجديد بسابق عهده في المرة التي سبقتها ؟؟ ، وكيف يحاسب يوم القيامة ؟؟ ، وما هي شروط العودة ؟؟ ، وهل هناك من لا يعود مرة أخرى ؟؟ ، كلها أسئلة أجاب سبحانه وتعالى عنها في آيات القرآن الكريم بدقة .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *