ماذا .. بعد الموت .. ؟؟؟ (2) …. بقلم جمال عمر

استعرضنا سابقا حقيقة الموت ، وكيف اخترع ابن آدم أكذوبة عذاب القبر عبر التاريخ ، بل وفرضها على كل دين وملة حتى على الدين السماوي الأوحد لكل البشر صاحب الكتاب الوحيد الذي لم تطاله يد البشر بالتحريف ، كذبوه وتحدوه وابتدعوا أحاديث تعارضه ونشروا الإيمان بهذه الضلالة المقدسة ، كوسيلة لتجار الدين لترهيب البشر وإخضاعهم للسيطرة الكهنوتية التي يعشقها البشر ، ورأينا كيف فصل الله تراتيب خروج النفس من الجسد ، وإعادة إنشائها مرة أخرى في نشأة أخرى شاء الله ألا يعلم ابن آدم عنها شيئا إلا بعد أن يغادر نشأته التي يحياها .

وهنا تتزايد الأسئلة وأولها ما هي قصة البرزخ التي انتشرت بين البشر بقول الله تعالى .. {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون100، وفي هذه الآية نهي قاطع عن عودة الإنسان لنفس حياته التي غادرها ، لكنها أبدا لا تنفي حقيقة عودته للحياة في نشأة أخرى مختلفة بشخصية وتكوين وبيئة وظروف حياة مختلفة ، ولكن البرزخ هنا ليس " حاجز يصدهم عن الرجوع" كما يتخيل البعض أو يقول بعض المفسرين ، أو هو " الحاجز والبَرْزخ الذي بين الدنيا والآخرة يبقون فيه إلى يوم البعث والنشور" ، لأن البرزخ فسر معناه الخالق العظيم ببساطة في قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً }الفرقان53 ، ثم أكد على المعنى في سورة الرحمن بقوله تعالى .. {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، الرحمن19بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ }الرحمن20 ، 21 ، فالبرزخ كما هو واضح من المعنى والمشاهدة الواقعية لملتقى النهر بالبحر ، أو البحر بالبحر ف أي مكان بالعالم ، هو قوانين علم بحتة ، تمنع اختلاط المختلفان في طبيعة خلقهما ، وهو ما يعني أن النفس البشرية وهي خارج الجسد سواء للنوم أو الموت لا تستطيع التعامل مع غيرها من البشر لاختلاف قوانين خلق النفس وحدها عن قوانين حياة أي نفس أخرى داخل جسدها ، وبالتالي لا تستطيع أن تتعامل النفس المجردة بدون جسد مع الحياة ومن فيها من مستيقظين يتحركون بأجسادهم .

وهذا يماثل تماما حركة الإنسان فوق سطح الأرض يسير في الهواء وهو لا يدري أنه يتحرك خلال العديد من المخلوقات التي ربما لا تشعر به ، ولا يشعر بها ، بينما يزداد شعوره بما يخترقه لو غطس في الماء وسار فيه ، وكذلك تمنع قوانين خلق الجلد على سطح جسد ابن آدم من دخول الماء في جسده ، فقوانين الخلق البحتة بين بشرة الإنسان والماء هي البرزخ ، وليس جلد الإنسان هو البرزخ ، وهذا هو المنطق ، فيكون البرزخ هو قوانين الخلق العلمية البحتة التي تصنع الفواصل بين المخلوقات وبعضها ، خاصة ما لا تراها العيون ولا تشعر بها الحواس المنظورة للإنسان ، ولعل أبسط من كل هذا هو في وجود الملائكة والجن معنا في نفس المكان ولا نراهم ولكنهم يروننا ولا نشعر بهم ، لقوله تعالى في الجن .. { .. إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ .. } ، وقد نشعر بوجود الجن أو الملائكة أحيانا وقد يرى بعضنا بعضهم في ظروف خاصة جدا ، ولكن ما يمنع رؤيتنا لهم هو "البرزخ" ، وهو قوانين الخلق البحتة حيث أن قدرة الإبصار لدى الإنسان محدودة فلا ترى كل ما هو في حيز الأشعة تحت الحمراء كالجن أو فوق البنفسجية كالملائكة .

ولذلك .. تتواجد النفوس التي خسرت الجسد الذي كانت تحيا من خلاله معنا على نفس الأرض ، ولكن لا نراها ولا نستطيع التعامل معها ، لاختلاف قوانين التعامل للنفوس المجردة بلا جسد ، عن قوانين تعامل الإنسان المستيقظ المحتل للجسد ويحيا به ، ولكن إلى متى يظل ابن آدم حرا بلا جسد بعد مغادرته الجسد الذي كان يحيا به ، وهذا السؤال يجاوب عنه الخالق العظيم في تفصيله لأحداث الموت كما استعرضنا من قبل بقوله تعالى .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ} ، فالله سوف ينشيء كل نفس بمجرد خروجها من النشأة التي يغادرها للموت في نشأة جديدة شاء الله أن لا نعلم عنها شيئا ، ولكن هي نشأة مماثلة للنشأة التي نعرفها جميعنا ولكننا ننساها ، وهي النشأة التي انتهت بالميلاد ، والتي فصلها سبحانه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، وهي نشأة نراها مرارا في حياتنا ، فهل سنجربها مرة أخرى ، فيرد علينا سبحانه بقوله تعالى في النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهذه النشأة الأخرى ليست كما يقول عنها البعض أنها يوم القيامة ، حيث يرد الله عليهم في سورة العنكبوت بقوله تعالى .. { .. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، فالنشأة الأخرى التي يكررها ابن آدم مختلفة تماما عن "النشأة الآخرة" التي سوف يحاسب ابن آدم في صورتها.

وعجبا لم ننتبه أن الله يضرب لنا أمثالا ليؤكد لنا أنه قادر على أن يدخل النفس البشرية في أي صورة لأي نوع من الأجساد ، وهو ما رد الله به عن الذين كانوا يتعجبون من عودتهم للحياة بعد أن يكونوا عظاما ورفاتا ، فيقول لهم سبحانه .. {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً } الإسراء50، 51 ، ويتجدد السؤال هنا ، كم مرة يعود ابن آدم للأرض وما هي الشروط التي يعود بها ، وهل من الممكن ألا يعود مرة أخرى ؟

نعم يعود ابن آدم مرارا وتكرارا وذلك مشروط بتجاوزه مستويات النجاح في كل اختبار حياة مر به ، لأن ميلادك على الأرض بمعطيات لا خيار لك فيها ، بداية من والديك وجنسك وشكلك وقدراتك وظروف حياتك ورزقك وانتهاء بتوقيت وفاتك ، كلها معطيات ورقة الاختبار "الحياة" التي تكون كل لحظة فيها من لحظة بلوغك وحتى وافتك هي أئلة اختبار متصلة ، فو كنت ولدت مسلما مثلا .. فأنت مسئول عن كل حرف من دستور الحياة "القرآن العظيم" ومحاسب عليه ، ومحاسب أن جئت للدنيا لتكون قدوة لغيرك في أخلاقك وعلمك وعملك ، فإن لم تكن فقد رسبت في الاختبار رسوبا مدويا ، ونحنت ما لا تستحقه وحسابك عليه شديد وأليم ، ولو ولدت بوذيا فلن يحاسبك الله على قدر ما أوتيت من علم وقدرة وفهم ومعطيات .. " ليبلوكم فيما آتاكم" ، ولذلك حتى لا تعود يوم القيامة فتعتذر لربك أنك لو كنت ولدت في الدنيا يهوديا أو مسلما أو ملحدا لكنت قد فعلت أو فعلت ، فالله سوف يأتي بك في كل صورة وملة وظروف تتخيلها ، حتى تأتيه يوم الحساب وليس لك على الله حجة ، بل ومن الممكن أن تأتي للدنيا ذكرا في مرات وأنثى في أخرى ، فالفارق الوحيد هو تركيب جسد وهرمونات وظروف حياة .

وهناك حالة بعينها يذكرها الله في الواقعة بقوله تعالى .. فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ{83} وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ{84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ{85} فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{87} ، وهنا يصف سبحانه لحظة الموت وخروج الروح من الجسد ، وعند وصول الروح للحلقوم "الزور" تحديدا ، يكون الله أرقب لعبده من كل المحيطين به ، ويسأل ابن آدم عن ديونه في الدنيا خلفه ، فهو قد أذل فلانا ، أو قتل فلانا ، فلو كان صادقا معترفا بما عليه من ديون ، فسوف يعود للدنيا فورا بجسد جديد وظروف وبيئة جديدة بمسمى آخر ، ليتم القصاص منه كما فعل في حياته التي يغادرها ، فالديون محل قصاصها في الدنيا ، ولذلك لا تتعجب من موت طفل فجأة وهو صغير ، ولا مرض مزمن لطفل أو شاب أو حتى عجوز يتعذب بها طويلا ، فتلك ديون يردها الله قصاصا ممن ارتكبها في نشأة سابقة ولم يتم القصاص منه وهو حيا فيها ، ولذلك تسمع من الحكماء قولهم في مثل هذه المواقف "له في خلقه شئون" .

فالإنسان يعود للدنيا أكثر من مرة في أقل تقدير ، فإن تجاوز حدود التميز كأن يموت شهيدا في سبيل الله ، فهو لا يعود بعدها ويكون قد أدى ما عليه كنفس في الحياة الدنيا ، ولذلك يقول سبحانه عن الشهداء .. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 ، وبالتالي فليس عجيبا أن يقول سبحانه فيهم في سورة محمد { .. وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ }محمد4، فهم ينتقلون للحياة عند ربهم ، ولا تسألن أين عند ربهم فالكون صنعته وملكه وحده ، والشهادة هنا لا تعني فقط الموت في ميدان الحرب والقتال ، بل لها صور أخرى كثيرة ، فالمرأة الحامل لو ماتت بحملها فهي شهيدة ، والمبطون والغريق والمحروق لو صدقت نيته لله تعالى لكان عند الله شهيدا ، ولذلك دوما يؤكد أهل الإيمان على إخلاص النية في كل قول وفعل لله تعالى ، لعلها تكون سببا في احتساب موته الذي يأتي فجأة شهادة في سبيل الله ، وتبقى كثيرا من الأسئلة التي تطرح نفسها مثل علاقة الإنسان في ثوبه الجديد (نشأته) فسابق شخصيته قبل موته ، وكيف يحاسبه الله على كل هذه النشآت المتباينة ، وكيف يأتي ربه فردا كما خلقه أول مرة كما يقول سبحانه في سورة الأنعام وسورة الكهف ، وغيرها من الأسئلة الكثير وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *