كفانا نهيقا .. مع القطيع …. بقلم : جمال عمر

عجبا لبني الإنسان .. في جنون حركة حياتهم عبر التاريخ البشري ، فبرغم أن الإنسان قد خلقه الله خليفة على الأرض ليعمرها بالعلم والعمل والكد والكدح ، إلا أن ابن آدم قد احترف إساءة استخدام ما منحه الله من صفات وقدرات وإمكانيات ، فتحول لمدمر لسعادته على الأرض ، وقاتل لبني جنسه ، وهو لا يدري أنه قد تحول من عابد لله إلى عبد لإبليس ينفذ قسمه الأزلي بضلال البشر وغوايتهم ، ليثبت أنهم لا يستحقون الخلافة على الأرض ، فكان أول وأخطر ما نجح فيه إبليس هو إقناع بني آدم بعدم وجوده ، وأقنع أولياءه منهم أن كل أفكارهم الشيطانية هي من وحي ذكاءهم وفهمهم ، فأنت لا تستطيع إقناع كثير من الناس أن شروره وظنونه هي من وسواسه الخناس ، وأنه قد سيطر عليه فأصبح ابن آدم أسيرا له ، لدرجة عدم إحساسه بوجوده ، وما أكثر الجدال من البشر ، { وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا } 54 الكهف.

 

ولا شك أن الشواهد كثيرة ولا تحصى ، وأبسطها ما تفشي بين أولادنا وبناتنا من صداقات ، وعلاقات على صفحات التواصل تترجم لفضائح وجرائم اجتماعية ، ونحن نعلم أن هذا محرم من الخالق العظيم ، بل ونعلم أنه يؤدي لفساد الأبناء ، ونعلم أيضا أن بنطلون البنت والأم الضيق يفضح مفاتنها للعيون ، ونعلم أن هذا محرم وخلل نفسي ويؤدي لتفشي الإثارة فساد الأخلاق ، ولكننا نفعله دون حياء أو خوف من الله ، بل ونتهم من يذكرنا بذلك بأنه رجعي ومتخلف أو يقول كلام عن الدين قد مضى زمنه ، والكل لديه حجته بأنها وسيلة للبحث عن الزوج أو الزوجة المناسبة ، وبالقطع أن السبب الحقيقي لذلك هو اختلال الإيمان بالله وقدره ورزقه ، وربما انعدام الإيمان تماما ، فالكل يعلم أن الله قدر لكل إنسان يوم مولده ويوم وفاته ورزقه وزوجه وأولاده وكل ما سوف يناله من الدنية وبتوقيتاته الدقيقة ، ولكننا لا نؤمن وانعدم اليقين في نفوسنا ، فقبلنا وجود علاقات حرمها الله ، بجحة البحث عن الشريك ، ولن تستطيع أن تقنع الشباب بهذا ، فالجدال سيد الموقف ، والدين قد تبدل وأصبح أديانا جديدة تبعا للأهواء والشهوات .

ومن المنطقي أن يسيطر إبليس وجنوده كالوسواس الخناس على معظم البشر ، لأنهم فقدوا صلاتهم بالله ، والصلة بالله ليست في الصلاة فقط ، لأن الصلوات التي نؤديها هي الصلة التي نقيم شعائرها في أوقات خاصة لتذكرنا بوجود الله لو كنا نسينا ، ولكن الصلة بالله هي التي يذكرنا الله بها في عشرات الآيات ، والتي أفهمونا أنها عن الصلاوات المقامة ولكنها تتحدث عن الصلة الدائمة بين العبد وربه ، مثل قول الله تعالى (ويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون) ، وقالوا لنا كذبا أن الويل لمن يؤخرون إقامة الصلوات ، ولم ينتبهوا أنهم بذلك قد جعلوا من يؤخر الصلوات مثل الكافرين والمنافقين والقاسية قلوبهم وهؤلاء من وعدهم الله بالويل ، وجهلوا أن السهو هنا هو عن الصلة مع الله ، وهم من لا يكون لهم صلة بالله إلا عندما يقيمون الصلاة ، فإذا انتهوا من الصلاة ، نسوا الله في حركة حياتهم وتعاملاتهم ، وقلدوا غيرهم من البشر ، دون حياء من الله أو خوف منه ، فهؤلاء هم المنافقون الكاذبون ، يخادعون الله وهو خادعهم ، وهم أنفسهم من لا يحكمون الله في تصرفاتهم وحركة حياتهم .

وهناك في حركة حياتنا ما يجب أن نتوقف عنده كثيرا ، فمثلا كثير منا يساوم بائع الجرجير والليمون ليأخذ منه المزيد وبسعر أقل ، ولكنه لا يستحي وهو يدفع المال سهلا في سلع تافهة بل ومضرة ، ولكنها تستهوي شهواته ، وكثير منا ينهر سائلا متسولا ويتهمهم بأنهم .. وأنهم … ، وينسى أو يتجاهل قول الحق.. ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ الضحى10 ، بل هناك قطاع كبير من البشر ، يرفض أن يطعم أو يتصدق ، ويقول في نفسه وربما علنا ، ما نبهنا الله له بآيات كاشفات لنفاق نفوس البشر ، بقوله تعالى ..  { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين } يس47 ، وكثير منا يرى أن الأنثى مجرد متعة ومستخدمة وأن الله خلقه رجلا لأنه يستحق السيطرة والسيادة على الأنثى ، وكثيرات من نساء البشر ترى في نفسها شيئا نفيسا ، وتستحق دوما أفضل مما رزقها الله به ، فتتكبر على من حولها ، ولو في نفسها ، والجميع لا يدري أنه أصبح أسيرا لوسواسه الخناس ، يقوده لهلاكه وخسارته لحياته في الدنيا والآخرة .

ولا شك أن من أصبح أسيرا لوسواسه الخناس ، سوف يكون دائما شكايا (كثير الشكوى) ، يشكو من كل شيء ، فهو غير راض عن رزقه ولا عن شريك حياته ولا عن أحواله ويردى دوما أنه يستحق الأفضل ، لأنه ببساطة خضع لوسواسه الخناس ، أو أصبح وليا لشيطان يطيعه ولا يستعيذ منه ، فنزع الله من نفسه الرضا ، فلا يسعد ولا يشعر الراحة في حياته مطلقا ، وهذا هو حال الكثير من البشر ، خاصة عند الأزمات والمشاكل ، فالغالبية العظمى من المصريين يشكو ويلعن غلاء الأسعار ، ويلعنون الحكومة بل والرئيس ويحملونهم أسباب الغلاء ، وهم أنفسهم من يرفعون الأسعار ، ويختلسون مرتباتهم  ويسرقون الكهرباء ويهدرون المال العام ويدفعون الرشوة ويعشقون الواسطة وخطف الفرص ، وهم يعلمون أن 90% من غلاء الأسعار هو من سوء أخلاقهم ، ويقولون ذلك ولكنهم دوما يتهمون غيرهم بسوء الأخلاق ، وكأنهم ملائكة أطهار ، وهنا يجب أن نعلم أن من يشكو من شيء فسوف يصيبه ويتمكن منه ، ومن يحمد الله ويشكره ، يزيده الله من نعمته وكرمه .

ولا عجب .. أن نرى في حركة حياة الكثير من الناس في الدنيا مثالا صارخا لنهيق الحمير مع القطيع ، وهناك نهيق منمق ومهندم ورائع في صياغته ، ولكنه في النهاية نهيق أيضا ، وهناك نهيق مزعج ومتفجر وأحيانا قاتل لأصحابه ، فالشكوى من مصاعب الحياة نهيق متبادل ومتزايد بين القطعان ، والحقد والحسد والبغضاء نهيق نفوس مريضة ، والانحراف وتقليد العري والفواحش نهيق نفوس ضلت ، والسقوط على صفحات التواصل ونشر الصورة والقصص نهيق نفوس مختلة ، وصداقات الرجال بالنساء تحت أي مسمى هي نهيق نفوس عاهرة على استحياء ، ونسيان نعم الله علينا وما فضلنا به عن غيرنا هو نهيق نفوس ضالة ، فالنهيق هو كل عمل وقول بل وظنون وخيالات للإنسان تبعا لأهوائه وشهواته متجاهلا ناموس الله في خلقه ، ومتغافلا عن أوامره ونواهيه وما يرضيه سبحانه ، وبالقطع هو نهيق لأنه مزعج لصاحبه ، ومقلق لمن حوله ولكن دون فائدة ، سوى أنه يشوش على مفاهيمه ومفاهيم من حوله ، مثل كثير من تصرفاتنا في حياتنا والتي نعلم أنها تضرنا ، ونعلم أنها لا ترضي الله ، ولكننا مصرين عليها بحماقة ، فهل ومن يستطيع الفكاك من القطيع ، وهل ومن يستطيع أن يتوقف عن النهيق ويراجع نفسه ، فكل منا يكسب ويخسر وحده ، فهو كما ولد وحده سيموت وحده ، ويقف بين يدي الله وحده لا يشعر إلا بنفسه … { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } 94 الأنعام ، ولا يظنن بشر أنه سوف يمكر بالله علام الغيوب والمطلع على نفسه وما يدور فيها ، فمن يمكر بالله فالله أسرع مكرا ، وهو القائل .. { قل الله أسرع مكرًا}21 يونس ، وهو القائل سبحانه .. { أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } 99 الأعراف ، فما نحن إلا خلق الله وعباده المكرمين على الأرض ، ولكننا أهنا أنفسنا وظلمناها ، (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) .

ولا نملك إلا نذكر كل إنسان ، أنه الله خلقه وكرمه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، ومنحه من صفاته سبحانه الكثير ، لتعينه على تنفيذ مهمة العبادة ، وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، فلقمة تصنعها لتطعم فم إنسان هي إعمار للأرض وهي العبادة الحقيقية ، وشخصا ترعاه وتنفق عليه هو العبادة الحقيقية ، وكلمة تعلمها لإنسان هي العبادة الحقيقية، وكل قول أو فعل يساهم في مصلحة وإصلاح حال البشر هو العبادة الحقيقية ، أما الصلاة والصيام والحج وذكر الله ، فهي ليست عبادة ولكنها مناسك الخضوع لله وهدفها هو الحفاظ على استقامة الإنسان في تنفيذ العبادة (إعمار الأرض) ، فعلينا إعمار الأرض ، والله تكفل بالأرزاق ، ولذلك لابد أن لا ننسى مطلقا ، أن الله قدر لكل إنسان رزقه وما سوف يناله في عمره على الأرض ، ولن ينال من الدنيا إلا ما كتب الله له من أرزاق مختلفة، ولا يوجد مخلوق بيده رزق مخلوق آخر ، ولا ينفع ولا يضر إلا الله ، ولن يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله ثم بصلاح نواياه وعمله ، ولا يوجد بشر عاص أو فاسق أو كافر هو معصوم من العذاب مهما كان دينه ومهما قال أو فعل في الدنيا ، ولا يقبل الله شفاعة أحد إلا بإذنه وحده ، ولا بد ألا ننسى ، أن حياتنا على الدنيا قصيرة ، فلا نستحق أن نهدرها في الشرور وعصيان الله واللهو والخصام والتربص والحقد والحسد والغيرة والأنانية ، فنحن أولى بهذا الوقت الذي نهدره في الإضرار بأنفسنا بحماقة .

أخيرا .. يجب أن ننتبه أن كل ما يدور حولنا هي من فتن الدنيا ، وأننا راحلون مثل من سبقونا ، وأن حياتنا هي رحلة اختبارات متصلة حتى الرحيل ، ولابد أن نتعرض لمشاكل ومصاعب الدنيا فهي سنة الله في خلقه ، ولن يدخل بشر الجنة إلا بعد نجاحه في الاختبارات في الدنيا ، وهو قوله تعالى .. { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} البقرة 214 ، ولنتذكر أن الله وعد المتقين الذين يخافون الله في كل حركة وسكنة وقول وفعل ، والذين يعملون الصالحات في الدنيا  بحياة طيبة في الدنيا وجزاء حسنا في الآخرة ، وذلك بقوله تعالى .. ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، ووعد من يتجاهلون آيات الله ووصاياه بحياة صعبة ومشقة في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة ، بقوله تعالى .. { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } طه (124 – 126) ، فمن كان يرى حياته صعبة وخانقة ، فليراجع نفسه كثيرا ، والله يقبل التائبين والمستغفرين ويتوب على عباده ، فسبحانه هو التواب الرحيم ، وسبحانه من وعد المستغفرين بالمتع في الدنيا لقوله تعالى ..{ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} 3 هود ، لأن كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطاءين التوابون والله عفو غفور رحيم ودود .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *