هل الضلال .. حرفة بشرية أم شهوة ؟؟؟ …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
15 فبراير، 2024
اراء ومقالات, الشئون الدينية, المقالات والرأي, متنوعات
473 زيارة

تخيل أو تذكر معي .. أن فلانا قتل سحلية أو حشرة صغيرة أمام أولاده ، فقص أبناؤه ذلك تفاخرا لأصدقاءهم ، وتداول الناس القصة ، وبعد أيام قليلة سوف تسمع القصة بأن رجلا قتل ثعبانا ، ولو استمرت القصة سنوات فربما يصبح الثعبان تنينا مجنحا ، لأن كل منا سوف يضيف لمسته أو رؤيته (التاتش) ، سواءا لجذب الاهتمام ، أو زيادة التميز ، وذلك ما نسميه القيل والقال ، وهو أهم وأخطر أسباب تفشي الزور والبهتان والضلال بين البشر ، وهكذا تحديدا يكتب التاريخ ، وتتفشى المعتقدات والأساطير ، وتدار البيوت ثم المجتمعات ثم الشعوب والأمم ، ولا شك أن أحوال البشر الحالية والتي تنذر بفناء البشر ، كانت نتيجة منطقية لتصاعد الصراعات فيما بينهم ، ولا شك تصاعد الصراعات كان وما زال هو النتيجة الطبيعية لاحتراف البشر للضلال والبهتان ، والذي بدأ منذ بداية استخلافهم على الأرض ، وتزايد وانتشر الضلال بين البشر مع تطور حياة الإنسان على الأرض وتطور وسائله وقدراته ، وبالتالي إمكانياته المادية والعقلية والنفسية ، فتسارعت معها وتطورت قدرات وإمكانيات الضلال بصورة خطيرة ، حتى أصبحت حركة الحياة كافية لإفقاد عامة الناس لقدراتهم على التمييز بين الحق والباطل ، فاستسلم الغالبية العظمى لما هو معروض وموروث ومتاح ، بل أصبح الحديث عن الدين والعلم والثقافة شيئا مملا لكثير من الناس ، وخاصة الدين الذين يهربون منه ويتجاهلونه ، وربما لا يعرفونه إلا في الأزمات والمناسبات وفي مواقف الحياة الصارخة كالموت والزواج والميلاد أحيانا ، وتحول الغالبية العظمى للبشر لتروس في ماكينة الحياة اليومية بلا عقل أو تمييز ، أو حتى محاولة للفهم أو التدبر ، رغم التطور الرهيب لوسائل المعرفة والتعلم ، ولكن عادة القراءة أصبحت مملة للغالبية العظمى ، ولا يمارسونها إلا من أجل الحصول على المزيد من المكاسب في الحياة من مختلف الشهوات والرغبات المادية .

ولاقتحام مشكلة الضلال البشري المتفاقم ، لابد أولا أن نعرف سويا ما غاب عن الفكر الجمعي للبشر ، فأدى لفساد وضلال البشر ، والذي لن نعرفه قبل أن نفهم جيدا ونتدارك مجموعة من ثوابت ناموس الله في خلقه ، ونفهم جيدا كيف يفكر ويتصرف الإنسان ، والذي يتوقف على تركيبته الحقيقية والمكونة من الثلاثية (جسد + روح + نفس) ، لنعرف من المسيطر وما هي تأثيرات تركيباته على ممارسته لحركة حياته ، ومن معرفة تركيبه لابد وأن نعرف قدرات العنصر المسيطر وحدوده ، ثم نتعرف على سبب وجود الإنسان في الحياة ، وما هي المهمة التي خلقه الله (سبحانه وتعالى) لينفذها ، ومنها سوف نتعرف سويا على مواصفات الإنسان الفطرية الأساسية وبالتالي قدراته ، وناموس (قوانين) استخدامها ، وبالتالي نتعرف على أسباب انحراف نتاج استخدام الإنسان لقدراته ، ومنها سوف نتعرف على ضلالات البشر الأزلية والمستحدثة ، وكيفية التصدي لها أو حتى محاولة التنبيه لها ، لعل بعض الناس يفيق ويستطيع تقويم مساره في الحياة ، فأخطر ما يتعرض له بشر ، أن يكتشف في لحظة موته أن كل حياته قد ذهبت هباءا منثورا لا فائدة له منها .

وهنا نتوقف طويلا عند طبيعة خلق الإنسان ، ونتفق أن ابن آدم هو صنعة الخالق العظيم ، وأنه سبحانه لم يخلقه عبثا ، ولم يدخله الدنيا ليأكل ويشرب ويتناسل ويتكاثر ويستمتع ثم يموت بلا هدف محدد ، فكل ما يحدث في الكون حولنا يؤكد أن الكون بكل ما يحتويه بما في ذلك الإنسان ، ما هو إلا منظومة شديدة الدقة والتعقيد والبساطة في الوقت نفسه ، وبساطتها ليست في تركيبها ولكنها في وسيلة ممارسة الحياة التي فرضها الخالق العظيم للإنسان في هذه المنظومة ، وتعقيداتها اللا محدودة تتمثل في استحالة استيعاب الإنسان لحقيقة تركيباتها ونظم عملها ، وذلك لمحدودية قدرات الإنسان وحواسه حتى بوسائله التكنولوجية المتطورة ، والتي هي مقارنة بأضعف أنواع خلق الله ، تعتبر عبثا ، وكأن الإنسان ما زال طفلا رضيعا يحبو في ملكوت الله ، وهو يظن أنه يعرف كل شيء ، وأبسطها أننا ما زلنا نجهل حقيقة تركيب الإنسان ، ومواصفات كل عنصر منهم ، بل أبسط من ذلك أن جسد الإنسان نفسه ما زال يمثل كونا عجيبا دقيقا لم يصل بشر لكل أسراره حتى اليوم .

واعتقد أن أفضل وسيلة لدراسة الموضوع هو أن نبدأ رحلة المعرفة كما بدأها سبحانه وتعالى في كتاب الوحيد الباقي بين أيدينا ، خاصة وأنهأولا .. هو كتاب الله الشامل والصادق الوحيد والمحفوظ بأمر الله ، وثانيا .. أنه سبحانه أكد لنا مرارا أن آياته محكمة ومفصلة ومبينة لكل شيء ، وأنه سبحانه ما ترك شيئا خلقه إلا وذكره في كتابه ، بل وحفظ آياته بأمر إلهي مطلق وساري المفعول إلى يوم القيامة ، وثالثا .. وهو الأهم أن هذا الكتاب قد فشل البشر في التشكيك في مصداقيته علميا عبر أكثر من (14) اربعة عشرة قرنا من الزمان ، بل على العكس كلما تطورت قدرات البشر التكنولوجية ، كلما ثبتتت مصداقية هذا الكتاب ، رغم أنف كل الجاحدين والكارهين والكفرة بالله والمشركين ، لدرجة أن هذا الكتاب كان سببا في إعلان أكثر من ألف عالم لإسلامهم خلال العقود الخمسة الماضية فقط ، وهو ما يثبت لنا أنه أصدق مرجع يمكن الاعتماد عليه دون جدال .

وإذا بدأنا بما بدأ سبحانه به الحديث عن البشر ، فسوف نجد أن أول حديث لله عن ابن آدم في ترتيب كتابه قد جاء ليعلن سبب خلق الله للأنسان على الأرض بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ، فقد شاء الله أن يجعل ابن آدم من فئة العمار ، ويستخلفه على الأرض ليعمرها بالعلم والعمل والكد والكدح ، فقال سبحانه لبني آدم .. { .. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } 62 هود ، والعبارة الربانية (استعمركم فيها) تعني أن الله كلفنا بمهمة إعمار الأرض ، ثم قال سبحانه لبان آدم .. { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ } 6 الانشقاق ، فحركة حياة الإنسان على الأرض شاء الله أن تكون كدحا في الدنيا من أجل إعمارها .

وبالمنطق السليم عندما يقوم الإنسان المخلوق بصناعة آلة معينة لتؤدي وظيفة فمن غير المقبول أن يكون للآلة اختيار أو إرادة في أن تفعل شيئا بخلاف ما صنعها الإنسان من أجله ، فما بالنا بالخالق العظيم عندما يشاء أن يكون هذا المخلوق خليفة على الأرض ومهمته أن يعمرها ، فلابد وأن يجعل الله (الرغبة في الإعمار) هي صفة فطرية في نفوس البشر ، وهو ما يثبته الواقع ، فكل إنسان يولد ولديه الدوافع الغريزية أن يأكل ويشرب ويتزاوج وينجب ويبني ويطور ، من أجل أن يحيا أفضل ممن سبقوه ، وذلك هو الإعمار في أبسط صوره ، فلا يعقل أن يخلق الله (عمارا للأرض) ، ثم لا يقوم (العمار) بمهمتهم ، ولذلك فجعل الله الإعمار فطرة في النفوس كان وما يزال شيئا منطقيا ، وما أيسره على الخالق العظيم ، وبالتالي فلا عجب لو قلنا أن إعمار الأرض هو المهمة التي خلقنا الله من أجلها ، وبالتالي فهي العبادة التي وضحها الله بقوله .. { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الذاريات56 . فنحن مخلوقون لعبادة الله ، ولكن ما هي العبادة وكيف نؤديها ، وهل هي كما قالوا لنا زورا وبهتانا أنها في آداء المناسك والفروض بالصلاة والصيام والزكاة والحد وذكر الله ، ولو كانت كذلك ، فلماذا يسمي الله الكفرة والمشركين بلقب (عبادي) في كثير من آياته ؟؟ …

ولا شك أيضا أننا عبيد الله بحكم أنه سبحانه هو بارئنا وخالقنا ومنشأنا ومصورنا ، ولكل تعبير مما سبق معناه العلمي البحت المختلف ، وهو ما سوف نتعرض له تفصيلا ، وسبحان من خلقنا وعلمنا ولم نكن من قبل شيئا مذكورا ، لقوله تعالى .. { قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا } 9 مريم ، ولكننا أيضا عباده ، والفارق بين العبد والعابد ، أن العبد يؤدي مهمة عبوديته مجبرا وقسرا ، ومن إعجاز الله وروعة إبداعه في خلقه للإنسان ، أن ابن آدم يستمتع بآداء مهمة عبوديته ويؤديها طائعا ، بل ومستمتعا بفطرته بها ، فابن آدم جعل الله له في كل حركات حياته متعا تدفعه وتبني له آمالا في المزيد ختى نهاية أجله ، فهو يستمتع بطعامه وشرابه وزواجه وإنجابه وتعاملاته وحركة حياته ، وذلك هو الإعماره للحياة من حوله ، وبالتالي فإن الإنسان بآدائه لمهمة الإعمار هو ينفذ العبادة لله ، فهو بها عابد لله منفذا للمهمة التي خلقه الله من أجلها ، حتى وهو لا يدري أنها العبادة الحقيقية ، ولذلك لا عجب أن يسمي الله كل بني آدم وعلى رأسهم الكفرة والمشركين والملحدين مع المؤمنين به بلقب (عبادي) ، لأن الجميع ينفذ العبادة بفطرته ، حتى لو كانت بحدها الأدنى وهي الحفاظ على الحياة ، فيقول سبحانه .. { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ } 17 الفرقان ، بل ويقول عيسى عليه الصلاة والسلام ردا على سؤال الله له عن الذين كفروا من أمته بقوله .. { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } 118 المائدة ، فكل خلق الله هم عباده بالفطرة .

فالعبادة هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، ولذلك فمن يتقن إعمار الأرض يجعله الله سيدا عليها ، حتى ولو كان كافرا ولكن إعماره سوف يكون حجة عليه يوم القيامة ، وذلك هو ناموس الله في أرضه ، وتراه عيوننا ولا عجب ، ولا علاقة للعبادة بالإيمان وآداء الفروض والمناسك ، ولكن لو اتقن المؤمن إعمار الأرض لجعله الله سيدا عليها ، وكان إعماره سببا في رضا الله وجنته في الآخرة ، وبالتالي فقد سجل البشر أول تزوير في مفهوم العبادة ، والتي استتبعت تزويرا في مفاهيم عديدة أدت لتزوير الدين كاملا ، على رأسها تزوير مسمى المناسك والفروض وتسميتها بالعبادات ، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وذكر الله ، أسماها الله في كتابه العزيز (مناسك) ، ولم يمسها عبادات مطلقا ، ولكن أسماها الخالق العظيم (مناسك) ، وقال فيها .. ﴿ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ 67 الحج .

وهذه المناسك فرضها الله بهدف الحفاظ على استقامة الإنسان في آداء مهمة العبودية (العبادة) ، فهي مناسك الخضوع والاستقامة ، ولذلك يقول رسوله الكريم ، (من لم تنهاه صلاته فلا صلاة له) ، بل وليس بعجيب أن يوضح الله سبب فرض كل منسك منهم ، ففي (الصلاة وذكر الله) يقول سبحانه .. {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } 45 العنكبوت ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولكن ذكر الله الدائم في النفس ينهى عن الفحشاء والمنكر أكبر من الصلاة ، والصيام قال سبحانه في سبب فرضه (لعلكم تتقون) ، بمعنى أنك لو امتنعت عن الحلال بالصيام ، فلعلك تستحي أن تفعل الحرام ، ولو اعتدت أن تمتنع عن الحرام شهرا كاملا ، فلعلك تستمر في البعد عن الحرام وهي التقوى (لعلكم تتقون) .

والزكاة والصدقات هي دلائل الإيمان وبرهان صدق الخضوع لله ، وهي تغفر الذنوب وتطهر النفوس من النفاق والرياء والشرك بالله ، ولذلك يقول سبحانه عنها .. { تزكيهم وتطهرهم بها } ، بل ولا عجب أن يقول الله في الزكاة والصدقات ، أن ابن آدم لا ينال بها رضا الله إلا لو أنفق من أحب ماله إليه ، { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } آل عمران 92 ، ويقول رسوله (ما نقص مال من صدقة) ، وذلك تأكيدا لقول الله تعالى .. { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } سبأ 39 ، أما الحج فالانسان يهجر الدنيا ويرحل إلى ربه عند بيته الحرام ، متخليا وعاريا من الدنيا ، لأيام معدودة ، ينادي ربه ويسبحه ويحمده ويكبره ، ويلبي نداءه (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك) ، وذلك في أكبر إعلان من الإنسان عن خضوعه لله وحده ، وتلك هي المناسك الخمس التي فرضها سبحانه الخالق العظيم ، والذي يعلم ما يصلح النفس ويضمن استقامتها .

فالعبادة الحقيقية هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح في الدنيا ، والمناسك فرضها الله لضمان استقامة ابن آدم في تنفيذ (العبادة) والتي هي مهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها ، ولكن ابن آدم ومنذ نشأته على الأرض احترف تزوير تكليف الله له ، وذلك بإحد انحرافين لا ثالث لهما ، وكلاهما أسوأ من الآخر ، فالانحراف الأول .. أن يدعي كذبا أنه من أحباء الله والمتقربين منه ، وأن العبادة هي آداء مناسك الخضوع والاستقامة فقط ، والتقرب بها إلى الله ، وذلك من أجل يتفرغ للمتع في الدنيا ، ويهمل إعمار الأرض وينشغل بالاستمتاع بما فيها ، فيهلك نفسه في التحايل على شرع الله ليزداد من المتعة ، فهو لا يشغله إعمار الأرض بقدر ما يشغله النهم من المتع في الدنيا ، فيخسر نفسه والدنيا والآخرة ، وهؤلاء كثيرون في الدنيا ، مثل معظم أتباع الجماعات والفرق في كل ملة ودين وما أكثرهم في الإسلام والمسيحية واليهودية ، ومن هؤلاء جماعات كثيرة حرفت دين الله ، وادعوا زورا أنهم أحباء الله وعياله أو أولياؤئه ، وأن الله خلقهم وكلفهم بتأديب وقتل وتعذيب ، من يخالفهم ولا يؤمن بما يؤمنون به ، وهؤلاء ما أكثرهم .

وأما الانحراف الثاني .. وهو المتفشي بين البشر ، فهو بالاهتمام بإعمار الأرض وتطوير سبل حياتهم ، متناسين أو متجاهلين أوامر الله ونواهيه ، بل ودينه كاملا ، فيعمرون الأرض لحسابهم وتبعا لأهواءهم دون حدود ، وهؤلاء هم اليوم الغالبية العظمى من البشر ، وهم النتاج الطبيعي والمنطقي لتزوير رسالات الله لهم ، وهؤلاء رغم تقدمهم وسيطرتهم على مقاليد العالم ، إلا أنهم يحيون حياة خانقة (ضنكا) ، فلا يجدون راحة نفوسهم في الدنيا مهما تقدموا وسيطروا ، ولذلك تجدهم لا يشبعون ولا يتوقفون عن منكر وبغي وظلم لغيرهم ، لأنهم تحكمهم شهواتهم وأهوائهم ، ولا يعتبرون بتحذيرات الله لهم ، وإنذارته المتكررة لهم ، سواء بمصائب وكوارث طبيعية أو من صنع أيديهم ، لأنهم أصبحوا أسرى لإبليس وجنوده من الإنس والجن ، فتحولت حياتهم لجحيم متصاعد ، وتفشت بينهم العداوة والبغضاء والمكر ببعضهم البعض ، وهو وعد الله لكل من يكفر به ، فهم يدمرون حياتهم وحياة البشرية كاملة وهم لا يعلمون ، بل ويحسبون أنهم يحسنون صنعا .

وقبل أن ننتقل لمفهوم آخر تم تزويره لابد وأن نتوقف لنعلم أن إعمار الأرض هو مهمة جليلة عند الله ، ولذلك لا عجب أن يأمر الله ملائكته وهم أفضل خلقه أن يسجدوا لآدم ويحفظونه ويستغفرون له ويدعون الله له ، ولا عجب أن يفرض الله أشد عقوبة له على الإطلاق في كتاب العزيز لمن يتعمد الإفساد في الأرض ، بل ويتعبر المفسد في الأرض كمن أعلن الحرب الحرب على الله ورسوله ، في آية الحرابة .. { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة33 ، وهي عقوبة لم يفرضها الله على الكافر والملحد والمشرك والمنافق ، بل جعلها سبحانه وتعالى خزي للمفسد في الدنيا ، وعذاب عظيم في الآخرة ، وكذلك لابد أن نعلم جلال مهمة إعمار الأرض ليست مرهونة بخلق بني آدم ، ولكنه سبحانه قد استخلف فئات عدة لإعمار الأرض من قبل بني آدم ، فبني آدم هم آخر سلالات الإنس ، والإنس هم أحد الفئات التي استخلف الله من قبلها الجن على الأرض ، ولذلك لا عجب في قول الملائكة لله .. { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } البقرة30 ، فهم قد رأوا من قبل إفساد بعض العمار للأرض ، ولكن سبحانه قال لهم .. { إني أعلم ما لا تعلمون) .

أخيرا .. لابد أن ندرك سبب إفساد الإنسان على الأرض ، وكيف تورط ابن آدم في تزوير رسالات الله له ، وهل لتركيبته تأثيرا على مسار حياته ، خاصة وأن ابن آدم ما زال حتى يومنا هذا جاهلا بحقيقة نفسه رغم أن ربه أنزل له كل ذلك تفصيلا في كتابه العزيز ، فكتاب الله المكون من ستة آلاف ومئتان وست وثلاثون (6236) آية ، يحتوى على أكثر من ألف (1000) آية في علوم خلق الإنسان ، منها أكثر من نصفها في خلق النفس وأحوالها وأمراضها وعلاجها ، بل وأنزل سبحانه وتعالى إلينا مثالا محلولا فيه كل انحرافات وأمراض النفس وعلاجاتها في مائة وأحد عشرة (111) آية في سورة واحدة هي سورة يوسف ، ولكننا ما زلنا متخبطين في فهم خلق النفس ، وحركاتها وأحوالها ، وما زالت الأساطير والخيالات مسيطرة على عقولنا ومفاهيمنا ، لدرجة أننا مصدقين بأسطورة البابليين عن عذاب القبر ونعيمه ، وما زلنا نجهل الفارق بين الروح والنفس ، ونسمع عن غذاء الروح ، وحديث الروح ، ومؤمنين بأن ملك الموت يقبض الأرواح وغيرها من الخزعبلات والتخاريف البشرية ، لرفضنا التدبر في آيات الله في كتابه العزيز ، وهو ما سوف نتعرض له بالتفصيل لاحقا ..
جمال عمر
أبدعت بما شرحت و وضحت جزاك الله كل الخير و تقبل منك خير الأعمال و اسعدك في الدارين